العظة على الجبل

العظة على الجبل

القدس – البطريرك ميشيل صبّاح

سُمِّيَت كذلك لأنّ السيد المسيح ألقاها على الجموع، على أحد المرتفعات المطلَّة على بحيرة طبرية. يُعرَف المكان اليوم باسم “جبل التطويبات”، وهو ليس جبلًا، بل تلَّةٌ بسيطة مرتفعة حول البحيرة.

قال السيد المسيح:

طوبى للفقراء بالروح فإنَّ لهم ملكوت السماوات.

طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض.

طوبى للمحزونين فإنهم يعزَّون.

طوبى للجياع والعطاش إلى البِرّ فإنهم يُشبَعون

طوبى للرحماء فإنهم يُرحَمون.

طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله.

طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون.

طوبى للمضطهَدين على البِرّ فإن لهم ملكوت السماوات.

يبدو مضمونها لأوَّل وهلة نقضًا للقيم البشرية المعمول بها. كلّ ما يطوِّبه الناس، قال يسوع نقيضَه. طوَّب الفقراء والودعاء والرحماء وأطهار القلوب والجياع وصانعي السلام حتى المضطهَدين. ولكن لو نظرنا في الأعماق لوجدنا أنه منطق إنساني، منطق إنسانٍ مرتبطٍ بربّه، يراه في كل خليقته، فيقتدي بربِّه ويفتدي باقتدائه لربِّه كلَّ إنسان يمرُّ بحياته، على أي دين، أو تصرُّف أو فضيلة أو حتى رذيلة ليحوِّلها إلى الفضيلة بما وهبه الله من قوّة من قوّته، ومحبّة من محبّته.

طوبى للفقراء بالروح فإن لهم ملكوت السماوات

الفقراء بالروح هم الذين، سواء قلَّ مالهم أو كثر، يعرفون أنهم فقراء إلى ربِّهم، وبحاجة إليه دائمة كحاجة كلِّ خليقة إلى خالقها. فهي حاجة الفقير الذي قلَّ ماله مثل حاجة الغني الذي توفّرت له الأموال. وهذا الوعي أن الإنسان في المال أو من دون المال هو فقير إلى ربّه، يسند فقير المال في فقره ليشدِّده في مسيرته في مجتمعه لتحصيل ما يجب تحصيله للمحافظة على الكرامة التي منحه إياها الله، ويوجِّه التوجيه الصحيح الغنيَّ الذي كثر ماله، فيعلم أن ماله، ولو كان ثمرة جهوده إنما هو من الله ولله. وكما يقول المتسوِّل الذي نسمعه مرارًا حين يسأل: “مِن مال الله، يا مؤمنون”. هذا المتسوِّل، أيًّا كان وضعُه أو صِدقه أو عدم صدقِه، إنما يذكِّر بحقيقة هامّة وهي أن المال من الله ولله. وهو يطلب مالًا من مال الله، ملكيَّته باقية لله، ولو أنه أصبح بأيدي خليقة الله. فإذا وعى صاحب المال هذا الرابط الأصلي الذي يربطه بماله، عرف أن يتصرَّف به، وعرف أنه في الوقت نفسه له ولجميع أبناء الله. وهذه المشاركة قد تردع وتصحِّح ما قد يكون، في ماله أو في تصرّفه بماله، من أخطاء أو إخلال بسلامة المجتمع.

طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض

الودعاء بوداعة الله، لا بتبلُّد بشر، ولا بضعف بشر. بل هي وداعة تتمثَّل بالله في حِلمه الواسع، فيَنعم الوديع بأرض الله الواسعة، ولو ملكها أصحاب السلطان أو الجبروت. وتنطبق هذه الآية تمامًا على حالة مجتمع فيه ظلم، مثل المجتمعات التي نعرفها ونعيش فيها، وأوّلها أرض الله المقدّسة، حيث الظالم وصاحب الجبروت يملك الأرض ولكن الخوف يملأ نفسه من مظلوم قد يرتدّ عليه أو يهدِّده. فالمالك المطمئنّ هو الوديع الذي إذا ملك لم يظلم أحدًا، وأمّا المالك بالظلم فكأنه لا يملك، بما أن الأرض على سعتها لا تحرِّره من رعبه وخوفه الذي ينغِّص عليه ما يملك.

طوبى للمحزونين فإنهم يُعزَّون

في أرض الله كل حزن يتحوّل. نعم، أحزان الناس كثيرة. ولكنَّ في الإنسان، صورة الله، مقدرةً على تحويلها إلى فرح الله، الذي هو فرح الخلق والوجود. يمرُّ الحزن، ويخرج منه الإنسان ليعود يرى وجه ربِّه، وما وهبه بخلقه من كرامة ورفعة. يرى وجه الله فيتجاوز كلَّ ما في الأرض من حزن ليتمتَّع ببهجة وجه الله وببهجة خلقه.

طوبى للجياع والعطاش إلى البِرّ فإنهم يُشبَعون.

من طلب البِرّ وجد الشبع. ومن طلب الظلم والفساد زاد نهمه، أكل ولم يشبع، وشوَّه صورة الله فيه وفي قريبه، فأكثر من الظلم، وكثر فيه جوع لا يجد شبعا.

طوبى للرحماء فإنهم يُرحَمون

فهم على مثال الله. الله رحيم. ومن كان مثلَ الله كان رحيمًا، ولم يكن جبَّارًا ظالمًا. ومن ثم فإنّ الرحمة في قلب الإنسان طبيعة إنسانية أصيلة بالأصل الإلهي الذي خُلِقَ عليه كلُّ إنسان. وليس علامة ضعف ولا بعدًا عن طبيعته. بل هو قوَّة تسند المجتمع وتمنحه بقاء واستقرارًا.

طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله

أطهار القلوب هم الذين يرون صورة الله في كل إنسان فيتعاملون معه كأنهم يتعاملون مع ربه وخالقه. وبهذه الرؤية يتجاوزون الأنا مركز الفساد، بل يحافظون على ذاتهم صورةً لله، ومن ثم شركةً مع جميع خلق الله. فيحترمون كلَّ خلق الله في تعاملهم مع خيرات الله، فلا يحوِّلونها إلى نهم وإلى فساد يؤذي المجتمع والأفراد. ويصبح القريب طريقًا إلى الله، وتمهيدًا لرؤيته. بالعقل نرى الله وبالعدل مع القريب خليقة الله. قال يسوع المسيح: “إن الله لم يره أحد، الابن الوحيد الذي هو لدى الآب هو الذي أخبر عنه” (يوحنا 1: 18). يسوع المسيح عرّفنا بالله، وجعلنا قادرين أن نعرفه. وفي مكان آخر قال يسوع : “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الواحد الحقيقي” (يوحنا 17: 3). الحياة الأبدية هي معرفة الله. وقد أصبحنا قادرين أن نعرف الله، ومعرفة الله هي مشاهدته. والقلوب الطاهرة التي رأته في جميع خلائقه وتعاملت معها كأنها تتعامل مع ربها وخالقها، هي القادرة على رؤية الله والتمتّع به، في هذه الحياة نفسها، فيكون لها فيها استقرار وطمأنينة، واستعداد للخروج منها في كلّ لحظة للانتقال من الزمن إلى الأبدية.

طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون

قد يقول الناس أو بعض الناس: طوبى لصانعي الحروب، لمريقي الدماء، وللأقوياء المتجبّرين. ولكن هؤلاء خرجوا على بنوَّة الله. لأن الله أرسل الناس ليتعارفوا ويتحابُّوا وليس ليقتتلوا. صُنعُ السلام تمثُّلٌ بالله أوّلا، فالله هو السلام. وائتمار بأمره ثانيًا، إذ قال: أحبّوا بعضكم بعضا. بالمحبّة التي هي قوّة فاعلة، وليس شعورًا مُضعِفًا للإنسان، بل هي مصدر قوّة ليست كقوّة الجيوش الغازية أو الساندة الاستبداد. هي قوّة في الروح، في روح كل فرد، وهو بالمحبّة أقوى من كلّ قوّة في الأرض. لهذا قال صاحب المزامير: “إذا اصطفَّ عليَّ عسكرٌ فلا يخاف قلبي” (مز 27: 3). وصانع السلام بدعى ابن الله، أي إنه مثل الله الذي هو السلام، وهو جدير بأن ينسَبَ إلى ربِّه خالقه.

طوبى للمضطهَدين على البِرّ فإن لهم ملكوت السماوات

المضطهَدون هم من يتعرَّضون لكلِّ نوع من أنواع الصعاب. وصحيح أن السيد المسيح لم يَعِدْ مؤمنيه بالحياة السهلة والمرفَّهة، بل قال: “من أراد أن يكون لي تلميذًا فليحمل صليبه ويتبعني” (لوقا 14: 26) و”سوف يضطهدونكم…” (لوقا 21: 12). وَعدَنا يسوع المسيح بالاضطهاد والمشقّات. ولكن، هذا ليس خاصًّا بالمسيحيين، فمن هو الإنسان الذي لا يلاقي صعابًا في حياته؟ فقول يسوع ليس وعدًا بنصيب خاصٍّ لنا من الآلام في هذه الحياة، بقدر ما هو قوّة جديدة في وجه الصعاب وطريقة جديدة يدلُّنا بها كيف نواجهها. ولهذا قال أيضا: ” فلا يهمَّكم إذذاك كيف تتكلَّمون أو ماذا تقولون. فسيُلقَى إليكم في تلك الساعة ما تتكلَّمون به، فلستم أنتم المتكلِّمين، بل روح أبيكم يتكلَّم بلسانكم” (متى 10: 19). ومن المشقَّات ما ينغِّص الحياة، ومنها ما يصل إلى حدّ إزالة الحياة: فيُقتَل المسيحي لأنه مسيحي. في هذه الحال، يبذل المسيحي حياته في سبيل ربِّه ومن أجل حياة مضطهديه وقاتليه. هذا معنى “باركوا مضطهديكم”. لهم، لقاتليه، يبذل حياته، لتكون لهم الحياة الحقيقية، فإذا كانت لهم توقَّفوا عن قتل غيرهم وأصبحوا هم أيضًا حماةً للحياة في رؤية صحيحة لخالقهم.

قال يسوع هذه العظة على الجبل لأناس بسطاء، لجموع تبعته، لما رأت منه من المعجزات ولم تؤمن به بعد. وزادها مع ذلك تعليمًا جديدًا، ليس كالذي يعيشون بموجبه، حتى إنّ من أراد أن يؤمن به يعرف أنه يسير في طريق جديدة، ليست خالية من الصعاب، ولكنَّها مليئة بمحبّة الله وقوّته.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO