هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟

هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟

وائل سليمان – عمّان

نقف على أبواب كل عام جديد منتظرين منجم العصر الحديث، ومعتقدين بأنّ زرقاء اليمامة عادت إلينا من جديد. ترانا ننتظر ونشد الانتباه والتركيز بكل أذهاننا على توقعات أشبه بحقائق بالنسبة لنا، وكأنّ مجريات أحداث حياتنا مرتبطة بإرادة ذاك أو تلك. ويبدأ العام الجديد ونحن نتحضّر لمفاجآت علمنا بها مسبقاً، ونبدأ سباق استدراك ما قد يحصل بشتى الطرق، من عدم السفر في الشهر المعين أو عدم التواجد في المكان الفلاني او تغيير مكان العمل…الخ. والغريب في هذه التوقعات انها تظهر لنا كل ما هو سلبي، من حرب هنا ودمار هناك، سقوط طائرة، أعاصير وفيضانات، موت مسؤول وفشل لممثل، سقوط اقتصاد وانهيار ناطحات سحاب. والأغرب بأن التوقعات تشمل عدداً بسيطاً من دول العالم لا يتجاوز نسبة مئوية ضئيلة، فأين باقي دول العالم من هذه التوقعات؟ وهل هي خارج إرادة المنجمين؟ أو أن مجال التركيز مقتصر على رقعة معينة؟.

لكن ما يدهش في الحقيقة أن ملايين البشر هم في حالة انتظار سنوي، مصدّقين بأن الأحداث المتوقعة ستصبح حقيقة خلال العام. وفي خضم التفكير العميق لمنجم العصر الحديث، يحق لنا أن نتساءل: هل نسينا التأكيد على أن قدرة الإنسان ليست مرتبطة فقط بتدمير الأرض بل ببنائها وتقدّمها أيضاً؟ هل نسينا أن الإنسان هو السبب في نشوب الحروب لكنّه صانع السلام أيضاً؟ هل نسينا بأن الإنسان هو السبب في دمار الطبيعة وأن الإنسان هو السبب في الحفاظ على الطبيعة!؟ هل غفلنا عن اختراعات واكتشافات جديدة للعام الجديد؟ هل نسينا أو سهونا عن ولادة مقابل موت، ونجاح مقابل فشل، وبناء مقابل الهدم!؟ هل يتوقع المنجمّون فقط ما هو هم ويغفلون عن ما هو نحن؟ هل يعلمون بأن الإنسان هو الإنسان والأحداث هي الأحداث وسيبقى الإنسان وستبقى الأحداث متغيرات الماضي والحاضر و المستقبل!؟ لكن خالق الكون هو ثابت لا يتغير في محبّته للبشر، وهو تعالى التسامح، العدل، السلام، الله هو الخير، هو محب البشر، هو من صنع الأرض وما عليها وما حولها، هو الأمس واليوم والغد…

الله هو مسيّر التاريخ. فهل يعلم المنجمون بأنّ الله موجود؟ هل يؤمنون بأنّ الله قادر على تغيير الأحداث؟ هل الله جزء من حساباتهم الوهمية؟.

يستطيع الإنسان، أكان منجماً أم لا، أن يتوقع ما يريد وأن يؤلف ما يريد ويتخيل ما يريد، وفي معظم الأحيان، تأتي توقعاتنا وقراءتنا للأحداث في ظل الظروف التي نعيشها من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وهي تمطرنا بمعلومات عن أمور كثيرة تحصل هنا وهناك، فنرى أن الكثير من التوقعات تصبح حقيقة. لكن هذا لا يعني بأننا يجب أن نؤله المنجم. فالمنجّم يريد أن يقنعنا بأن على هذه الأرض لا شي يستحق الحياة، وخلال ساعة حوار سنوية تفقدنا أمل مئات الساعات التي نقضيها على هذه الأرض بتفاؤل!، ساعة حوار تحبط معنوياتنا وننسى سنة كاملة مليئة بالأحداث الرائعة التي نعيشها على الأرض خلال العام!.

ويبقى الرهان، هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟ أن الله خلق هذه الأرض بما عليها هدية لكل واحد منا، الشمس والقمر، البحر والجبل، المدينة والقرية، كل رقعة على هذه الأرض تقول الله محبة، يكفي أن نشاهد ولادة طفل، حياة جديدة حتى نقول بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة. يكفي أن نرى آباء وأمهات يعملون من أجل أبنائهم، يكفي النظر إلى الصداقة المخلصة، يكفي أن نرى أشخاصاً يعملون لصالح البشريّة، حتى نقول على هذه الأرض ما يستحق الحياة. ويكفي أن نرى البشر من كل الأديان، كل منهم يذهب إلى معبده ليركع ويصلي لخالق الكون، يكفي أن نرى الخير الذي يولد هنا وهناك، يكفي أن نرى العالم يسعى إلى السلام بشتى الطرق حتى بين الأعداء… فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة. ويكفي أن نرى بنيان شامخاً واختراعات هائلة وتطوّراً في الصناعة ورؤية جديدة للتجارة وتحوّلات الفكر من الانفرادي إلى العمل الجماعي على جميع المستويات حتى نؤكد -للمنجّم ولمن يؤمن به- بأنّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

علينا أن نتملك من القناعة ما يعلمنا بأنّ الإنسان ثابت في تغيّراته المتغيّرة “الخير والشر”، وأنّ الله خالق الكون هو ثابت في ثوابته الثابتة “المحبة”.

فلنخرج من قوقعتنا التي كلما دخلنا بها أصبحنا أمواتاً ونحن أحياء. أمّا إذا خرجنا منها، فإنّنا نصبح أحياء إلى الأبد حتى إذا انتهت حياتنا. وبذلك تكون حياتنا لها معنى ونعيد اكتشافاً جميلاً مفاده أنّ على هذه الأرض الكثير الكثير ممّا تستحق الحياة.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO