عيد الميلاد المجيد

عيد الميلاد المجيد

لوقا 2 : 1 ـ 20

في الشتاء القارص البرودة وأرض بعيدة ووجوه غريبة ولدَ طفل المغارة، يسوع المسيح ملئ الزمان ليعطى البشرية دفئ وحنان. ففي مثل هذه الأيام (وتحديدًا فى الأسبوع الأخير من شهر كانون الأول والأسبوع الأول من كانون الثاني من كل عام) يحتفل العالم المسيحي – غربهِ وشرقهِ – بتذكار ميلاد يسوع الناصري. وهو حدث سجلتهُ أسفار العهد الجديد. والقصة التي رواها لنا الإنجيلي لوقا هي رائعة لأنها تبين ولادة طفل بطريقة عجائبية

1/ ولدَ من عذراء

2/ ولدَ في مذود داخل إسطبل للحيوانات، في أفقر مكان وبعيدًا عن كل الأقارب

3/ لم يولد في الجليل حيث بيت مريم ويوسف بل ولد في بيت لحم خارج المدينة التي يسكن فيها أهله

4/ هاجر أهلهُ بعد ساعات من ولادتهِ خوفًا على حياته وبدأت حياته بدماء أطفال بيت لحم، ذبحوا للاشئ وأنتهت حياته بدم أنسكب من أجلنا

عجيبٌ هذا الطفل بتواضعهِ وفقرهِ وصمتهِ. عجيبٌ عمل الله في ذلك اليوم. لوقا سرد قصة الولادة العجائبية بتفاصيل رائعة ودقيقة ويوحنا سردها بلاهوتيتها وفلسفتها وقال : “فى البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هو فى البدء كان عند الله، به كان كل شئ، وبغيره ما كان شيء مما كان. فيه كانت الحياة، وحياته كانت نور الناس…” أن عمل كلمة الله المتجسد فى شخص يسوع الناصري هو من أجل المصالحة بين الله والبشر وإعادة السلام إلى العالم بعد أن كان قد فقدهُ من جراء الفساد والشر الذي دخل إليه. لقد كان التجسد المجيد والعجيب هو النور الساطع الذي أخرج الإنسان من ظلمات موت الضمير، هو النور الساطع الذي أضاء سماء الرعاة ليرشدهم إلى ميلاد ملك الملوك ورئيس السلام. هو ذلك النور الذي يحترم حريتنا وقرارنا الشخصي، نتركهُ يدخل إلى قلوبنا أو نصد بوجهه بيباننا. نتركهُ يتربع على ضمائرنا فيخرجنا من عالم الحروب والحقد والبغض والثأر والنميمة والحسد فيغمرنا بسلامهِ وبحنانهِ ويعطينا الحياة أم ندع عالم الظلمات مسيطر على ضمائرنا فيبقيها في عالم الموت ؟ نستطيع بحريتنا أن نختار ! “وحياتهُ كانت نورَ الناس والنورُ يشرقُ في الظلمةِ والظلمة لاتقوى عليه.” يقول يوحنا الرسول

لقد كان ميلاد يسوع وما تلاه من أحداث – كمُلت بصلبه وإنتصاره على الموت بمثابة نقطة فاصلة فى تاريخ البشرية، ليس فقط على مستوى تحديد الزمن، حيث صار العالم يشير بعباراتي قبل المسيح وبعد المسيح عند التأريخ لكل حدث، إنما الأهم من ذلك هو أثر عمل المسيح ليس فقط فى الفكر الإنساني، بل وفى الحياة البشرية، على كل المستويات الروحية والحضارية والمصير الأبدي للإنسانية. ويكفى هنا ذكر تأثير أقواله عن المحبة والسلام ونبذ العنف التى لاتزال دستورا لكل من يسعي إلى السلام والتعايش مع الآخر. فنرى العالم الغربي الذي يتغنى بالعلمانية وفي بعض الأحيان يتغى بنذ المسيحية، نراه يتمسك بمادئ يعتقد بأنهُ أوجدها في حين إن الكنيسة كانت تعيشها مستمدة على تعاليم طفل المغارة هذا

ولاشك فى أن الإيمان المسيحي المبني على عقيدة التجسد، أي تجسد كلمة الله الأزلي فى شخص الإنسان يسوع الناصري وإتحاده الأبدي معه، بكل ماتعني من معانى روحية، هي فى النهاية سر من الأسرار الإلهية التي مَنحت للإنسان إمكانية عودته روحيـًا إلى مصدره الإلهي، الذي كان قد إنفصل عنه نتيجة خطيئة آدم أب البشرية، ومثاله الترابي، وبالتالي فساد الطبيعة البشرية

·                وفي مشهد الميلاد يوجد رعاة كانوا يتناوبون السهر على رعيتهم. في المشهد رعاة ورعية والرب يسوع قال في يوم من الأيام أضرب الراعي فتتبدد الخراف. هناك رعاة، هذا لأن الراعي الأول هو يسوع، غير إن الرعاة الآخرين يمثلونهُ في اهتمامهم بالرعية والسهر على الرعية ليس بالسهل ويسوع يعرف ذلك منذ زمن حيث قال : “الحصاد كثير لكن العملة قليلون..” اليوم ربنا وراعينا يدعونا إلى الوحدة وعدم التبعثر والتشتت، يدعونا لنكرس ذواتنا للسهر والصلاة لهُ بعيدين عن كل خصومات تضر برفاقه الرعاة أو برعيتهِ، يدعونا لنكن يدًا بيد غير مكترثين بما يفرقنا من عنصرية وطائفية ومذاهب أكلت من حياتنا وطاقتنا وأصدقائنا وحتى وطننا الكثير. أسهروا وصلوا كراعاة صالحين يؤمنهم الله على كنزه ويدعوهم لنيل بركتهِ

·                ونواصل التأمل فى حادثة ميلاد يسوع الناصري فى الزمن وتجسد كلمة الله، حسبما سجلها لوقا البشير، حيث أعلن ملاك الرب عن هذا الميلاد العجيب، قائلا لمجموعة من الرعاة: “لا تخافوا، ها أنا أبشركم بخبر عظيم يفرح له جميع الشعب: وُلد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرَبُ.” (لو2: 10- 11). وسجل متى البشير رؤيا القديس يوسف خطيب العذراء مريم، حيث قال له ملاك الرب: “يا يوسف أبن داود، لا تخف أن تأخذ مريم إمرأة لك، فهي حبلى من الروح القدس، وستلد أبنا تسميه يسوع، لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم

لا تخافوا يا رعاة، لا تخاف يا يوسف، لا تخافوا يا شعب الله ومؤمنيه. ربَ سائلٍ يسأل، من ماذا نخاف ؟ وإن كان الله يدعونا لعدم الخوف فما هو الضمان ؟ لا تخافوا من الذي يقتل أجسادكم، فلن يستطيع أن يقتل روحكم الطيبة. لا تخافوا من الذي يحسدكم ويشتمكم ويتكلم عليكم بالسوء من أجل أسم الرب، لأنهم شتموا حتى الأنبياء العظام وقتلوهم. لا تخافوا لأنكم ستطوبون إن إلتزمتم برحمة الله وبركته. جيد ! لكن ما الضمان ؟

ويعلق القديس متى على هذا، قائلا: حدث هذا كله ليتم ماقال الرَبُ بلسان النبي (أشعياء 7: 14): ستحبل العذراء، فتلد أبنا يُدعى عمانوئيل، أي الله معنا.” (مت 1: 20- 23). الضمان هو الله معنا، وإن كان الله معنا فمن علينا ؟

·                أقوال المسيح العجيبة والتى لا يمكن أن تصدر إلا ممن له سلطان أن يقولها ويدعو لها ويحياها هي أشارة فخر على صدورنا فلم يقولهم من قبله ولا من بعده، لا لاهوتي ولا نبي ولا فيلسوف ولا عالم. فإن كانت قد أحتوت على شئ فهي تحتوي على تعاليم تدعوا إلى السلام، سلام النفس والجسد وسلام الأوطان، فهي مثالا لمن يدعوهم إليه على مدى التاريخ وإلى آخر الأيام حتى يكمل ملكوته على الأرض كما فى السماء

“… سمعتم أنه قيل لآبائكم : لا تقتل، فمن يقتل يستوجب حكم القاضي. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه أستوجب حكم القاضي….”.

“وإذا كنت تقدم قربانك إلى المذبح وتذكرت هناك أن لأخيك شيئا عليك، فأترك قُربانك عند المذبح هناك، وأذهب أولا صالح أخاك، ثم تعال وقدم قُربانك.”

“وإذ ا خاصمك أحد، فسارع إلى إرضائه ما دمت معه فى الطريق…”.

“أياكم أن تعملوا الخير أمام الناس ليشاهدوكم، وإلا فلا أجر لكم عند أبيكم الذي فى السماوات.”

“هنيئا للرحماء، لأنهم يُرحمون.”

“هنيئا لأنقياء القلب، لأنهم يشاهدون الله.”

“هنيئا لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.”

ما أروعها مبادئ لم نسمعها إلا من فمك الطاهر أيها المعلم الصالح وحدك، وما أعمقها أسس لحياة يعمها السلام الآتي من العلى يوم مولدك يا يسوع المخلص، كلمة الله المتجسد

وما أعظمك أيها الواحد مع الآب والروح القدس يوم أن أعلنت لنا ولكل المتألمين والمظلومين والمأسورين، أن

“روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأنادي للأسرى بالحرية، وللعميان بعودة البصر إليهم، لأحرر المظلومين، وأعلن الوقت الذي فيه يقبل الرب شعبه.”(لو 3 : 18-19

ما أعظم مراحمك وطول أناتك  يا رب إذ قد جعلت يوم ميلادك الفريد دعوة لتحرر كل المأسورين والمظلومين عبر الأجيال، ونورا لمن فقدوا طريقهم نحو السلام الحقيقي.. يا ملك السلام

·                لوقا يذكر لنا بأن العذراء مريم “ولدت آبنها البكر وقمطتهُ وأضجعتهُ في مذودٍ، لأنهُ كان لا محل لهما في تلك المدينة” ويوحنا يقول أيضــًا “جاءَ إلى العالم لينير كُلَّ إنسانٍ. وكانَ في العالمِ، وبهِ كان العالمُ، وما عرفهُ العالمُ،. إلى بيتهِ جاءَ فما قبله أهلُ بيتهِ.” اليوم إن جاء المسيح إلينا هل سيجد مكان يأوي إليه ؟ هل ستستطيع العذراء من إيجاد مكان تضع فيه إبنها البكر الطفل يسوع ؟ أنتم مسيحيي اليوم، أبناء وبنات الله هل ستقبلونهُ كمخلص ومرشد ومحيي لحياتكم إلى الأبد ؟

السؤال مطروح عليكم والجواب بأيديكم

آمين

الأب مهند الطويل

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO