الأحد الثالث من البشارة

الأحد الثالث من البشارة

لوقا 1 : 57 ـ 80

مولد يوحنا المعمدان

لم يتحضر أحدٌ قط لهذا الحدث: إمرأة عجوز عاقر تحمل طفلٍ مدهشـًا ومميزًا للغاية. في بيتِ اليصابات تجمع بكثرة سكان القرية “فَسَمِعَ جيرانُها وأَقَارِبُها بِأَنَّ الرَّبَّ رَحِمَها رَحمَةً عَظيمة، ففَرِحوا مَعَها”. تجمعوا ليروا الطفل وليقدموا التهاني للشيخين الزوجين المؤمنين زكريا واليصابات، وليتذكروا الكتب التي تذكر وتقول : “حقــًا لا شئ يقف أمام مشيئة الرب، إن كان كبر العمر أو العقم”

لم يشأ أحد أن يفوت عليه موعد الاحتفال باليوم الثامن، فلا الأقارب ولا الجيران لم يدر في بالهم نسيان هذا اليوم. لنتخيل جو البيت في ذلك اليوم، فالفرح  كان يغمر الكل والروح الشبابية تجددت وأنتعشت بل غلبت على طابع الإحتفال برمته. شئٌ واحدٌ فقط كان مظلم بين المحتفلين، زكريا الصامت الأخرس القابع في مكانه

فبما إنهُ شك في قوة الله ووعدهِ عندما أعلن لهُ الملاك بشرى الولادة القريبة والعجيبة، مجيبـًا على هذه البشرى: “بِمَ أَعرِفُ هذا وأَنا شَيخٌ كَبير، وَامرَأَتي طاعِنَةٌ في السِّنّ ؟” جوابه هذا يدل وكأن كلام الله وحدهُ لا يكفي للمسير قدمــًا، فيطلب أشارة ذات قوة وحضور أكبر من كلمة الله. والإشارة تلك جاءته بطريقة غير منتظرة وغير متوقعة وغريبة بل فريدة من نوعها، تجلت بعدم القدرة على التواصل والحديث مع الأخرين

ما أن يهجر المؤمن حجر الإيمان، ما أن يترك أرض الوعد الإلهي، ما أن يبدأ بتمحيص وتدقيق المبادرة الإلهية يفقد القدرة على إسماع صوته لأخوته البشر. في اللحظة التي يرفض أن يعنون الله كلامه إليه، لن يستطيع بتاتـــًا التفوه بأي شئ يمس اسم الرب، فكلامنا يصبح فارغ. وهذا هو سبب موجة الخرس التي تصيب كنائسنا في بعض الأحيان. فعندما نعتمد على هذا الرجل أو تلك المرأة المثابرين على خدمة بيت الرب وممكث شعبه، ونراهم فجأة صامتين قد غطاهم خرس رهيب وعجيب وفقدوا قدرتهم على إسماع صوتهم لإخوتهم، حينها ندرك بأنهم لم يستقبلوا كلمة الله ولم يجدوا الجدية الحقيقية في وعد الله لهم برجاء أفضل. فقطعوا نفسهم وفصلوها من الفرح والسلام الذي يجدده الله للفقراء بالروح

لكن هنا بعد الشك تأتي لحظة الإيمان. وزكريا عند كتابته على اللوح “فَطَلَبَ لَوحاً وكَتَب (( اِسمُهُ يوحَنَّا)) فتَعَجَّبوا كُلُّهم” يؤكد بكل ثقله رأي أليصابات زوجته فإسمه ليس كأسم والده بل يُدعى يوحنا. المعضلة هنا ليس الإسم بحد ذاته، فكلا الإسمين رائعين وعميقين في المعنى فزكريا معناه “الله تذكر” ويوحنا معناه “الله تحنن”. واقعيـًا كلاهما يحملان نفس المعنى الغني والعميق لأن عندما يتذكر الله فهذا بحد ذاته حنان عميق ولامتناهي. وعندما يتحنن الله فهو دائمـًا يُرى من محور الوعد الإلهي الذي قطعه مع شعبه بأن يتذكره إلى الأبد

إذن الفرق في مكانٍ أخر، فزكريا هو أسم اُعطي من قبل بشر، من قبل إنسان أخر وهو أيضــًا أسم أب أرضي بشري وتذكير بأستمرارية السلالة البشرية. غير إن يوحنا هو أسم أطلقه الله بنفسه وهو بحد ذاته برنامج كامل لعمل الله الخلاصي لحياة من سيكرز بقدوم الفادي المخلص

وهكذا فالطفل سيدعى يوحنا وزكريا الكاهن الكهل يدخل منذ الأن في مخطط مشروع الله “فَانفَتَحَ فَمُه لِوَقتِه وَانطَلَقَ لِسانُه فتَكَلَّمَ وبارَكَ الله”. فالله بنفسه يسمي الطفل وتسميه الطفل تمر عبر الأب العجوز وهنا يكمن السر بجملته. فأثناء الخلقة وبحسب اللاهوت الصوري لسفر التكوين، طلب الله من الإنسان أن يسمي كل المخلوقات التي ستكون عالمه ومحيطه. وهنا على النقيض الله يقلب النظرية ويسمي بعض من أبناء البشر الذين وضع يده عليهم ليكن لهم شأنــًا كبيرًا في عمله الخلاصي

وهذا بالضبط ما ينطبق على أعمالنا ومشاريعنا ومخططات حياتنا. فماذا ينفع أن نبحث وأن نطلق عليها أسمٌ بشري في حين إن الله بنفسه قادر أن يحفظها بيده ليعطيها في اللحظة المناسبة أسمــًا أختارهُ هو بنفسهِ. فإذا كان الله أبانا قد عمل عجائب رائعة من فقرنا بعد أن حول عقمنا وصمتنا وعجزنا لأرض خصبة منتجة ومدهشة، إذا كان قد عمل كل هذا أفلا يستحقُ ثقتنا التامة بحبهِ وبوعودهِ ؟ قد يكون هذا الفعل الأخير الذي ينتظره الله منا كي يعيد لنا قدرة الكلام فيصنع منا شهودًا لرحمته ولحبه للبشرية جمعاء

الأب مهند الطويل

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO