ذكرى شهداء الحادي والثلاثين من تشرين… في القرن الحادي والعشرين

ذكرى شهداء الحادي والثلاثين من تشرين… في القرن الحادي والعشرين

الأب رفعـت بدر – عمّان

دمعة

اليوم 31/10 الذكرى السنوية الأولى على قداس الأحد الذي لم يتمّه الكاهنان – ثائر ووسيم– لأنّ يداً عبثيّة أرادت لهما أن يصبحا “ذبيحة” قبل إتمام الذبيحة…

والذبيحة هي كلاهما وشعبهما المواظب على صلاة الأحد.

أترى أصبح يوم الأحد فخاً للمؤمنين؟

أترى أصبحت الكنائس مفخخة ليأتي إليها كل مؤمن خائفاً مذعوراً…؟

رحل الكاهنان وسبعون شهيداً معهماً.

رحلا معاً… كما أرسلهم المعلم الأول… الشهيد الأول

أرسلهم اثنين وسبعين رسولاً شاهداً وشهيداً

أرسلهم اثنين اثنين…

الكاهن ورفيقه

المرأة وزوجها

الابن مع أبيه

البنت مع أمها

…………..

ونستذكر اليوم ذلك الأحد الأليم.

ونترحم على أرواح الشهداء –أجل الشهداء- الذين غسلوا ثيابهم بدماء الحمل، وغادروا هذه الدنيا أطهاراً، ساعات قليلة قبل احتفال الكنيسة –في كل العالم– بعيد جميع القديسين، هذا العيد الذي تحوّل بقدرة قادر -وتاجر– إلى عيد الهالوين… الخالي من المعنى والقيمة، لكنه في ذكرى سيدة النجاة عاد له رونق خاص… وطعم جديد هو طعم الشهادة – الاستشهاد في القرن الحادي والعشرين.

لهفي عليك أيّها القرن… قرن التقدّم والعظمة والتقنيات…

لكنّك كسابقيك، بل أكثر، ما زلت قرن القتل في سبيل الدين… وبسبب الدين… وبذرائع الدين… وباسم الدين…

الدمعة التي ننزلها اليوم… ليست على شهداء باتوا ينعمون بملكوت سعيد وعد به المصلوب – القائم…

بل هي دمعة على دين بات مستعمَلاً… للقتل… في الكنيسة… ذات أحد…

مسيحيو الشرق… الرجاء

ما أكثر هذه الكلمة استخداماً في مقالات العرب والغرب. مسيحيو الشرق، مستقبل مسيحيي الشرق، همومهم، آمالهم، مخاوفهم دورهم الحضاري ماضياً وحاضراً وربيعاً عربياً، وخريفاً ومستقبلاً… وقد خرجوا من سينودس خاص في الأحد 24 تشرين أول، وأخذوا صوراً تذكارية عديدة لاجتماعهم التاريخي. وإذا بهم في الأحد التالي وفي آخر يوم من تشرين السينودس، على موعد مع أخبار كنيسة سيّدة النجاة…

واليوم، الكل يتحدث عنهم وأكثر من ذلك يتنبأ عنهم، وعن مستقبل لهم حالك سوداوي ومظلم. وكم أحزن على صحفيين وإعلاميين ومقدّمي برامج يتسابقون للحديث عن مستقبل المسيحيين في الشرق -في ضوء مجزرة سيدة النجاة- ومجزرة الإسكندرية ومجزرة ماسبيرو… أترون معي أنها سلسلة دراماتيكية تدور بين مدن عربية حديثة وتحاول وسائل الإعلام أن تخلق القصص الأكثر رعباً ومأساوية بين مدن الاستشهاد – العربي- المسيحي – الحديث.

المهم، قلت أنني احزن على أهل الإعلام والصحافة الذين لا يريدون منك، في المقابلات – إلا أن تبين واقعاً حزيناً وكئيباً… وأن تقول لهم أنّ الحل السحري الأوحد الذي لا شقيق له هو أن يرحل مسيحيو الشرق…

هل قلت يرحل؟ نعم. وهي كلمة ازداد استخدامها في الربيع العربي الأحدث… الرحيل كلمة مبكية على العاشقين وعلى الحكام العرب وعلى مسيحيي الشرق… إلا أنّها أمست خياراً لا مفرّ منه… ولأول مرّة في تاريخ الشرق العصيب، نسمع أساقفة ورؤساء كنائس لا يتورعون عن دعوة مسيحييهم إلى الخروج…

لهفي على من خرج… قسراً… تحت سطوة التهديد والوعيد بأنّه أن بقي في أرضه وارض آبائه وأجداده، فلن يكون مصيره أخف وطأة من مصير ثائر ووسيم ورفقائهم الشهداء…

مهلاً… ليس من حلول سحريّة… مهما بدت مغرية ومغالية في رسم واقع أفضل حالاً…

ولكن، علينا –نحن مسيحيي الشرق الذين بقينا في الشرق- العودة إلى الجذور. وهي ليست إلا جذور الإيمان. فالمستقبل هو في يد الله، والله هو الذي يحرّك التاريخ ويقود الكون.

وعلينا أن ننظر إلى الأمور، لا من ثقب باب لكنيسة حدثت فيها مجزرة، بل من باب الكتاب وهو ليس إلا باب الرجاء…

أعلم أن هذا الكلام قد لا يقدّم بالنسبة لكثيرين دواء. لكنه يبقى من أهم حاجات المسيحيين هنا وهناك وهو الرجاء… والعودة إلى جذور الإيمان… لا مفرّ من سلوك هذا الدرب.

روح أسيزي

قبل أيام أحيت الكنيسة 25 عاماً على لقاء أسيزي وانطلق قطار السلام من حدائق الفاتيكان إلى مدينة فرنسيس صاحب صلاة “يا رب اجعلني أداة.. للسلام”. انطلق القطار، قبل أيام من ذكرى انطلاقة أفواج الشهداء الجديدة… يحمل “حجاج السلام… حجاج الحقيقة” ليوم لقاء وتفكير وصلاة وتناول طعام تقشفي مشترك.

ومن بين فقرات البرنامج التي نأمل لها التحوّل إلى واقع يومي كان تجديد ممثلي الديانات والملل والنحل على التزامهم  لأن يكون الدين أداة للسلام وألا يستخدم أبدا لبث أجواء الكراهية…

وعشية اللقاء، احتفل البابا بليترجية الكلمة، وتحدّث عن الحملان والذئاب… وليس الحملان أتباع ديانة معينة، كما لا ينتمي الذئاب إلى ديانة واحدة. إلا أن الاقتباس الذي أورده البابا من القديس يوحنا الذهبي الفم ينطبق بجدارة على أوضاع مسيحيي الشرق، إذ قال: “علينا أن نقاوم تجربة أن نصبح ذئاباً بين الذئاب. فما دمنا حملان، فإننا سننتصر، بالرغم من وجود زمرة من الذئاب محيطة بنا، وسنقصيها جميعاً. أما إذا اخترنا أن نكون ذئاباً فسنهزم. لأننا سنفتقر ساعتها إلى عون الراعي”.

وقد عدت إلى الكلمة الكاملة التي اقتبس منها البابا فوجدت ما اختم به الكلام، في الذكرى السنوية على قافلة الشهداء الجديدة، حيث قال ذهبي الفم: “لا يقابل التلميذ الشراسة بالشراسة، انه فوق كل شيء يعرف طبيعة الأشياء… أن الشراسة لا تطفأ بالشراسة وإنّما باللطف…”.

تشفعوا لنا يا شهداء القرن الحادي والعشرين.. واحداً واحداً.. واثنين اثنين

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO