الوجود المسيحي في المشرق العربي : من الريادة والشراكة إلى الاضمحلال 1

خاص ليبانون فايلز: تتناول هذه الورقة، التي ينشرها الموقع على سبعة أجزاء، أوضاع المسيحيين
في بلدان المشرق العربي، وتحاول الإجابة على أسئلة عدة أهمها: هل يتمتع المسيحيون بكامل الحقوق

  كمواطنين أسوة بالمسلمين، أم هم خارج المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة؟ هل يتعرضون بالفعل لاضطهاد الدولة والمجتمع؟ لماذا يكون المسيحيون المحليون ضحايا ردات فعل إسلامية متعصبة لا تميز بينهم وبين الغرب وسياساته؟ هل يوجد تعصب في أوساط المسيحيين؟ وأخيراً، هل هناك أمل في أن تؤدي الانتفاضات في العالم العربي على الأنظمة القمعية إلى إعادة دمج المجتمعات العربية على أساس مدني – وطني بعيداً عن الطائفية السياسية والمجتمعية الهدامة؟

إشكاليات التعايش الصعب

عرف العرب في المشرق العربي “الآخر” في صورة أجناس وعقائد وثقافات مختلفة. فكان هناك “الآخر” اليهودي، والمسيحي المحلي، والصليبي، والبيزنطي، والفارسي، والمغولي الخ… ومن بين كل هؤلاء، كان المسلمون أكثر التصاقاً بالآخر المسيحي المحلي، نظراً إلى أن المنطقة التي افتتحوها في مصر وبلاد الشام والعراق كانت في الأصل نصرانية. إلى ذلك، احتاجت الدولة الإسلامية إلى خبرات النخب المسيحية في الإدارات وفي عملية النهوض بالحضارة الإسلامية والنهضة العلمية.

ومن الثابت، أن المسيحيين كانوا قبل الإسلام واستمروا معه جزءاً أساسياً من نسيج مجتمعاتهم العربية، لهم إسهاماتهم الجليلة في إنتاج الحضارة العربية الإسلامية، حتى أنهم اعتُبروا بوابة الإسلام ووسائطه على الغرب وحضارته. وعندما كان الحديث يتناول في الماضي، وفي الماضي القريب، أوضاعهم في المشرق العربي، كان يتركز حول دورهم المحوري في صناعة الشخصية المشرقية-العربية وإسهاماتهم في النهضة العربية، سواء من حيث الثقافة والتربية، أو من حيث الاقتصاد والاجتماع، أو من حيث التزامهم بقضايا أمتهم.

أما اليوم، وفي ظل الأوضاع التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية والعربية وتخلفها، بوجود أنظمة قمعية ما عرفت يوماً مذاق الديمقراطية، تطاول المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وفي ظل انكسار الأنظمة العربية وتقهقرها تاريخياً أمام إسرائيل والغرب، وغياب أفق لمشروع نهضوي عربي، وفي المقابل نمو الأصوليات الإسلامية المطالبة بالعودة إلى الحكم الإسلامي، مع ما يستلزمه من انقسام مجتمعي على أساس سيادة الدين الإسلامي وتهميش “الآخر”، يتركز الحديث على معاناة المسيحيين التي تسبب لهم الإحباط وهجرتهم المتنامية، وتؤثر نتائجها السلبية في شخصية العالم الإسلامي وفي مستقبله ومصيره وسمعته. وهذا يحدث في ضوء إشكاليتين:

الأولى: تزايد هجرة المسيحيين نحو الغرب مع ما يُسمى بالإرهاب “الإسلامي” ضد المجتمعات الغربية، ما يؤدي في الغرب إلى الخلط بين الإسلام المعتدل والمتسامح وبين الإسلام “الإرهابي”، وبالتالي تُطرح هناك مقولة عدم إمكان التعايش مع الإسلام الذي يسبب أيضاً فرار المسيحيين من البلدان ذات الأكثرية الإسلامية، فيجري استغلال هجرة المسيحيين إلى الغرب و”الإرهاب الإسلامي” لترويج الحقد على الإسلام والمسلمين وتحقيق أهداف سياسية واقتصادية.

الثانية: إن استهداف الإسلام واستفزاز المسلمين من قبل دول غربية مسيحية وأفراد، وآخرها الصور الكاريكاتورية للنبي محمد، ومنع ارتداء البرقع في الأماكن العامة في فرنسا، ومنع سويسرا بناء المآذن بعد استفتاء عليه، وحرق المصحف الشريف في الولايات المتحدة الأميركية  الخ…، يعزز ربط بعض المسلمين بين “المسيحي” (= الغرب العلماني) في الخارج الذي يهاجم “دار الإسلام” لأهداف سياسية واقتصادية بذرائع مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، وبين المسيحي المحلي الذي يعيش في ظل أنظمة إسلامية وعربية. فيجري تهميش المسيحي على يد السلطات الحاكمة، وفي مجتمعه العربي الإسلامي، وصولاً إلى المطالبة باستئصاله. ويستمر هذا منذ فجر الإسلام وعلى أيدي الدول الإسلامية (أموية، وعباسية، ومملوكية، وعثمانية) مروراً بالحملات الصليبية وهجوم دول الاستعمار على البلدان العربية والإسلامية، حتى احتلال أفغانستان والعراق، ولا ننسى أن عدم حلّ المشكلة الفلسطينية بشكل عادل، وانحياز أميركا السافر إلى إسرائيل، ومنع قيام دولة فلسطينية معرفاً بها من قبل الأمم المتحدة، يتسبب بتنامي الأصولية المسلحة، أو بإطلاق الصواريخ عشوائياً من غزة الأصولية على إسرائيل، والتي هي أيضاً “صواريخ” على الغرب “المسيحي” (بنظر الأصوليين)، الذي يدعم الكيان الصهيوني. كما يؤدي الحقد على الغرب الظالم، من وقت إلى آخر، إلى اغتيال مسيحيين أجانب مؤيدين للقضية الفلسطينية، كما حدث في حالة ناشط السلام والصحافي الإيطالي فيتوريو أريغوني (Vittorio Arrigoni) في غزة في 14 نيسان 2011. 

 

وفي ضوء المواقف منهم، يجد المسيحيون في المشرق العربي أنفسهم في مواجهة ثلاث مسائل:

 

1 – عدم دمجهم سياسياً في دولهم أو الحفاظ عليهم كمعطى وطني.

2- عدم دمجهم اجتماعياً في كثير من مجتمعاتهم الإسلامية، أو عدم قبولهم مثل هذا الاندماج

     للحفاظ على ثقافتهم وشخصيتهم.

3- الصراع بين الإسلام الأصولي “الإرهابي” وبين الغرب، وانعكاساته وتداعياته عليهم.

أقرأ غداً:

حاضر متشبث بالماضي، وماضٍ يقتحم الحاضر

بقلم عبد الرؤوف سنّو – أستاذ في الجامعة اللبنانية

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO