جرح مسيحي جديد

جرح مسيحي جديد

 ‎كركوك – لينا سياوش

   تاريخ النشر       14/08/2011 12:00 AM

تفجير على تفجير

بعد عشرة أشهر على عملية «سيدة النجاة» في بغداد، جاء تفجير كنيسة «العائلة المقدسة» في كركوك ليضيف الى جروح المسيحيين في العراق جرحاً جديداً، ويجدد المخاوف من استمرار الهجمة التي يتعهدها تنظيم «دولة العراق الاسلامية» في بلاد الرافدين. ومع تجدد المخاوف سؤال: هل قامت الحكومة العراقية بما يلزم من تدابير وقائية لحماية من تبقى من مسيحيي العراق؟

المفارقة مفارقتان: الأولى اعلان مجلس القضاء الأعلى عن أحكام إعدام في حق ثلاثة مدانين في تفجير كنيسة سيدة النجاة، وعن حكم بالمؤبد على متهم رابع في القضية نفسها (بعدما كانت الحكومة قد أعلنت في تشرين الأول الفائت عن قتل جميع الارهابيين الذين قاموا بالعملية)، والثانية عودة التفجيرات التي تستهدف الكنائس رغم التدابير التي اتخذت في حينه لحماية أماكن العبادة المسيحية.

من يتحمل مسؤولية الجريمة الجديدة؟

مجموعة من مثقفي كركوك واعلامييها التقتهم «الأسبوعية» يحملون التنازع السياسي على المدينة مسؤولية تراجع الأمن ويتساءلون كيف يمكن لثلاث سيارات مفخخة التحرك بحرية في شوارع المدينة والتوجه الى ثلاث كنائس من دون ان يتم الكشف عنها، رغم انتشار دوريات النجدة والشرطة في المنطقة؟

ويستغرب احد الصحفيين احكام الاعدام والمؤبد التي صدرت في حق مرتكبي جريمة سيدة النجاة بعدما كانت الحكومة العراقية قد اعلنت عن قتل جميع الارهابيين الذين نفذوا العملية، ويضيف: كان على المسؤولين العراقيين المختصين عرض مجرمي سيدة النجاة على شاشات التلفزيون وهم يقرون بالجريمة التي ارتكبوها في حق الابرياء وليس الاكتفاء بالاعلان عن الاحكام.

ويروي زميل صحافي كان بين الذين تواجدوا في موقع التفجير بعد وقوعه، كيف ان عائلات كثيرة تضررت منازلها من شدة الانفجار، وكيف ان الكثير من تلك العائلات أمضت ليل الانفجار على ضوء مصباح، موصول بسلك كهرباء من عند الجيران وسط الدمار الذي لحق بالمنازل المجاورة للكنيسة، مطالبا الحكومة بتعويض هذه العائلات وعدم الاهتمام فقط باعادة بناء الكنيسة، لغرض الدعاية الاعلامية، لأن في استطاعة العائلات أن تصلي في منازلها او في اي كنيسة اخرى، لكن ما الذي يحصل للعائلات التي تضررت منازلها ولا تملك امكانية ترميمها؟

جذور

‎للوجود المسيحي في كركوك جذور عميقة، وهو مدون ومحفوظ في ذاكرة المنطقة، بتراثها الثقافي والديني الكبيرين، ولا يحتاج الى شواهد واثباتات. انها الولادة على ارض الوطن، والانتماء اليه، وخير دليل على ذلك مسجد النبي دانيال الذي كان معبدا يهوديا وتحول بعد ذلك الى كنيسة قبل أن يبنى عليه مسجد فيما بعد، ويدفن اهالي كركوك موتاهم في المقبرة المجاورة للمسجد، التي تعتبر الاقدم، دلالة على الاخاء والتعايش اللذين يمارسهما ابناء المدينة.

‎ومنذ احداث العام 2003، تعرض مسيحييو كركوك، حالهم حال اندادهم في بغداد والموصل ومناطق اخرى من العراق، الى العنف بسبب هويتهم الدينية. أدّت تلك الانقسامات والصراعات السياسية المتأججّة التي تشهدها المنطقة، والوضع الامني المتدهور، والتزايد المخيف للجهات المسلحة، وانتشار الاحزاب الدينية المتشددة، وتمددها في مواجهة الاحزاب الليبرالية واليسارية. الى استمرار تناقص اعداد المسيحيين الذين ينتمون في غالبيتهم الى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وهجرة ما يزيد عن نصف عددهم الذي كان يشكل قرابة 200 الف نسمة الى اقليم كردستان ودول الجوار والمهجر، طلبا للأمن والسلام المفقودين.

‎ويقول رئيس اساقفة كركوك للكلدان المطران لويس ساكو في كتاب عن مسيحيي كركوك، انهم سكنوها منذ فجر المسيحية، وقامت كنائسهم وأديرتهم ومدارسهم فيها، واقترن اسمهم بأسماء قديسيها وشهدائها وشهيداتها – والاعداد بالالوف- ويضيف: عندما تظلم الدنيا على أرجاء قلبنا، لنعد الى تاريخنا، فنتعلم من آبائنا كيف كان حيويا لهم ان ينتموا الى مدينتهم ووطنهم، فيغدو هذا الانتماء رجاء وبركة وحياة خصيبة. لنتعلم العبر من جلجامش وانكيدو والشهداء القدامى والحاليين.

 

‎دهشة

 

‎بالاضافة الى عبارات الاستهجان والاستنكار التي تلت عقب تفجير الكنيسة، عبر رجال الدين المسيحييون عن دهشتهم لأسلوب وتوقيت تنفيذ العمل الارهابي. وتساءل المطران مار يوحنا بطرس موشي رئيس اساقفة الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك الذي كان شاهد عيان على الحادث : من وراء هذه الفعلة؟ قد تقولون هذا عمل ارهابي، ولكن كيف يفعل الإرهاب فعله لولا الفوضى التي عمّت أرجاء البلاد؟ ورداً على سؤال لـ«الأسبوعية» توجه المطران موشي الى المسؤولين المدنيين والدينيين، قائلاً: إليكم أنتم المسؤولون الدينيون والمدنيون أوجه كلامي. أنتم مطالبون بتعويضين: عليكم أولا أن تشجبوا، وبشدة قوية، هذه الجريمة البشعة التي نالت من كرامة العراق أكثر من الأضرار المادية التي أحدثتها، وثانيا أن تكون الحكومة أكثر حرصا على سلامة أبنائها وتسرع إلى إغاثتهم وإصلاح الأضرار التي نالت من بيوتهم وممتلكاتها ومعالجة المصابين منهم، وبأضعاف.

‎ووصف المطران موشي الحادث الذي شهده بأنه كان دوي انفجار سيارة مفخخة دفع بقوته المولد الكهربائي إلى داخل الكنيسة، وهدم السقوف والمباني المجاورة، ولولا قدرة القادر لما سلم أحد من البشر.

‎وحمل صراعات المتسلطين على الحكم والحكومة المحلية واميركا المسؤولية عن هذه الفواجع، ورأى ان ما لحق بكنيسة العائلة المقدسة، يستهدف تشويه سمعة الإسلام ومما قاله: أوليست تلك طعنة في قلب الإسلام، والإسلام منها براء؟ من الفاعل؟ ربما هو عراقي بالهوية لا بالانتماء، فالعراقي، مهما كان لونه، يعطف على أخيه العراقي ولا ينهش لحمه.

‎ويقول رئيس اساقفة كركوك للكلدان المطران لويس ساكو إن امرا كهذا لا بد ان يخفي رسالة ما، مستغرباً أن تفجّر كنيسة وسط حي شعبي في المدينة، فيما تتواجد كنائس اخرى على الطرق العامة ما يسهل استهدافها.

ويضيف المطران ساكو: ان عملا كهذا لا يؤدي سوى الى تشويه معنى شهر رمضان المكرس للصلاة والصوم.

 http://www.alesbuyia.com/inp/view.asp?ID=29177

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO