الأحد السابع من الرسل

الأحد السابع من الرسل

الدخول من الباب الضيق

لوقا 13: 22-35

إنجيل اليوم يقدّم لنا إحدى الصفحات التي فيها عبارة صارمة: “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق”. بعد هذه الحياة هناك الحياة الأخرى التي لن تنتهي أبداً. هناك إذن بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يتأملوا قليلاً، مسألة خطيرة تحتاج إلى التمعّن فيها، وأخطر شيء فيها هو: أن الخلاص هو أبدي وللكل.

دعونا نتأمل في جواب الرب. كيف نخلص، كيف يمكننا أن ننال الخلاص؟ هذا السؤال، الذي يسكن في قلوب كل البشر. السؤال الذي يظهر أحيانا في العزم على البحث الدائم، وأحيانا كصرخة يأس، وأحيانا على شكل صمت عميق يستقر في داخل الإنسان وهذا ما نجده في إنجيل هذا الاحد.

بالفعل المشكلة كبيرة حتى بالنسبة لتلاميذ يسوع فهم أيضاً يريدون معرفة ذلك فيسألون الرب يسوع: “من سيخلص؟ مَن سيدخل إلى ملكوت السماوات؟” أجاب الرب بوضوح: “سيخلص أولئك الذين يسعون جاهدين للدخول من الباب الضيق”. وبعبارة أخرى، أولئك الذين سيكّرسون حياتهم من أجل إعلان الإنجيل.

إذا كان صحيحاً أن كل البشر مدعوون للدخول إلى بيت الآب، لكي يكونوا جزء من المشتركين في الوليمة السماوية، ومع ذلك، لا يمكنهم الدخول إذا لم يرغبوا بذلك حقا: الباب – يقول المسيح – هو ضيق، فقط أولئك الذين يريدون أن يدخلوا بكل قوتهم من خلاله، أولئك الذين سعوا وبحثوا عن الحقيقة ومارسوا العدالة.

من بين السامعين للرب يسوع، هناك الكثير من مَن كانوا يعتقدون أن انتمائهم إلى شعب الله المختار هو ضمان لهم لدخول ملكوت الله. الرب هنا يفتح عيونهم وأذهانهم: أن كونهم من نسل الآباء لن يفيدهم في ما يتعلق بسر الخلاص، إذا لم يكن أيمانهم مبني على القداسة والعدل.

هذا التعليم يبقى حياً لنا أيضاً نحن مسيحيي اليوم. فإذا لم نكن متلهفين لمعرفة الحقيقة والعدالة والمحبة، فنحن أمام خطر حقيقي لأننا سنرى باب السماء مغلق أمامنا، بينما سيعبر الكثير من الناس ذوي الإرادة الصالحة من مختلف الأماكن ويدخلوا من الباب الضيّق (يدخلون ملكوت الله).

“يا سيّد، أقليلٌ عدد الذين يخلصون؟” هذا هو السؤال الذي طرحه أحد المستمعين للمسيح. الرب لا يجيب ما إذا كانوا قليلون أم كثيرون، لكنه يقول كلمات وعلى السامع أن يدرك معنى الخلاص: “إجتهدوا أن تدخُلوا من الباب الضيّق”.

– الشيء الضروري الوحيد: هو الخلاص الأبدي. هذا هو الأهم، بل هي المشكلة الوحيدة. لقد خُلق الانسان كي يعيش الحياة الأبدية: الموت ليس إلا الانتقال من هذه الحياة إلى الحياة الأبدية التي لا تنتهي. من هنا تأتي حماقة أولئك الذين يهتمّون بإمور الدنيا وينسون الشيء الجوهري. لقد قال الرب: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟”.

– كيف يمكن الحصول على الحياة الأبدية؟ الرب يجيب: “إجتهدوا أن تدخُلوا من الباب الضيّق”. ما هو هذا الباب؟ احفظ وصايا الله، هذا ما قاله مراتٍ عديدة لمستمعيه!

– البحث عن الدخول من الباب الضيّق أي للدخول إلى ملكوت الله، دعوة يسوع هي دعوة عادية لأن كل مَن يريد أن ينال شيء جيد عليه أن يجتهد ويتعب، لنتذكّر مثلاً بسيطاً (الفلاح الذي يجتهد في زرع البذور وفي سقيها ومعالجتها بالأدوية … كل هذا كي يحصل على ثمار جيّدة) هذا ما يتعلّق أيضاً بالدخول في ملكوت الله. لكن جهد ملكوت السماوات يتطلّب المحبة والتضحية من أجل الآخرين.

الحياة المسيحية تحتاج الى جهد وعمل شاق، تتطلب صراعاً: “وجاهِدْ في الإِيمانِ جِهادًا حَسَنًا وفُزْ بِالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتي دُعيتَ إِلَيها وشَهِدتَ لَها شَهادَةً حَسنَةَ بِمَحضَرٍ مِن شُهودٍ كَثيرين” (1 تيم 6: 12)، ليست صراعا ضد رجال آخرين، بل صراع كل واحد منا عندما يصارع في معركة الكفاح ضد الروح الشريرة والخطيئة في قلبه (أفسس 6: 10-17)، ضد “الخطيئة العالقة بنا” (عب 12: 1)، ضد تلك الغرائز المتجذّرة في أعماقنا، من الغطرسة والعدوانية والتكبّر، التي تصل إلى حد الكراهية والعنف … معركتنا هي نفس معركة يسوع والتي فاز فيها من خلال ثقته بالله وصلاته: منذ انتصاره على اغراءات الصحراء (لوقا 4:1-13) إلى ليلة الجسمانية (راجع لوقا 22: 39-46)، حتى الصليب (لوقا 23: 35-39)، فهو أول مَن عاش هذا الصراع لذا هو الباب الحقيقي لدخول ملكوت الله: “أنا باب الخراف” (يوحنا 10: 7!). هذا الصراع هو من أجل نيل موهبة نعمة الله: “الذي يُريدُ أن يَخلُصَ جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق” (1 تيم 2: 4)، هذا الخلاص المقدم بيسوع المسيح؛ فالمسيح نفسه هو الذي يُمكننا أن نتضرّع إليه بكل ثقة: “خاصِم يا الله مَن يخاصِمني” (مز 43: 1)، وأيضاً في المزمور 119: 154 يقول “خاصِم مَن يُخاصِمُني وأفتديني. أحيني يا ربُّ بكلمتِك”. نعم، معركتنا لها معنى ولها رجاء الانتصار فقط عندما تمر من علاقتنا بيسوع المسيح.

لماذا يتحدّث عن سيد البيت؟ هوذا الرب، الذي له الحق في فتح أو إغلاق الباب: الحُكم على كل واحد منّا يأتي منه فقط وليس من الناس. أنه الحُكم الذي يكشف حقيقة حياتنا العميقة، أنها حقيقة علاقتنا في العيش مع المسيح، أو ما إذا كنّا قد أحببنا أم لا الآخرين كما احببناه (راجع يوحنا 13: 34، 15: 12)، الآخرين الذين يقول عنهم في إنجيل متى 25: 31-46. هذه هي النقطة الأساسية في الموضوع، وليس الضمانات التي نكتسبها بحكم عضويتنا في الكنيسة (“انت، يا رب، علّمت في شوارعنا”)، أو مشاركتنا في سر القربان المقدس (“نحن أكلنا وشربنا بحضورك”). إذا لم نَعِشْ المحبة الآن، فلن يكون هناك منفعة في طرق الباب والبكاء: “يا رب، افتح لنا!”؛ لأن الجواب سيكون كما سمعنا من الإنجيل: “لا أعرفُ مِن أين أنتم. اذهبوا عني كُلُّكُم يا أشرار”.

ويضيف الرب يسوع من ثم كلمة واحدة تعطينا الرجاء: “سيجيءُ الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، ويجلسون إلى المائدة في ملكوت الله”. أنها المأدبة السماوية الأواخرية التي أعلنها الأنبياء (راجع اشعيا 25: 6-10، 66: 18-21)، هذه المأدبة مفتوحة أمام كل البشر وهي ليست حكراً على أحد. لقد أفتتح الرب يسوع هذه الوليمة في جلوسه على الطاولة العشارين والخطأة (لوقا 7: 34): هذه الوليمة تتطلب محبة الله والقريب. في نهاية حياته على الأرض يَعِدُ يسوع تلاميذه “وكل مَن سيقف معه في محنته بالوليمة السماوية: “وأنا أعطيكم ملكوتاً كما أعطاني أبي، فتأكُلونَ وتَشربونَ على مائِدتي في ملكوتي …” (لوقا 22: 29-30). هذا هو الهدف الذي ينتظرنا: الشرط الوحيد للمشاركة في هذه الوليمة الآواخرية: “وليمة عُرسِ الحَمَلِ” (رؤ 19: 9)، أنه الصراع الجميل الذي علينا أن نعيشه هنا والآن مثلما عاشه يسوع.

أن نكون مسيحيين يعني أن نحب كما أحب المسيح، حب حتى الموت الموت على الصليب. هذا هو الباب الضيق، الذي يقودنا إلى الفرح، فرح ملكوت السماوات.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO