الكتابة

الكتابة

 الكتابة، مسكوبة على ورق، كلمات رصفها الفكر وربما القلب وإذا اجتمعا تلبس الكلمة الجمال وهنا لا يعرف أحد من أين يأتي ولكننا نعرف إلى أين يذهب. هي خبرة كيان مركب والألم في كثرة من الأحيان يعطي الكيان ولادة جديدة لله فيها قسط كبير آمنت أم لم تؤمن. ان تأدبت تأدبًا كبيرًا لا تسأل نفسك لمن تكتب. القارىء يقرأ ويلد معك أو لا يلد. أنت لست معلمًا في مدرسة الدنيا. من قرأك تعلمه نفسه أو لا تعلمه. الطفل عند ظهوره تذوقه عيون ولا تذوقه عيون. الرؤية سر لا يجيء من قاعدة. هي تخلق القواعد.

السؤال الكبير ليس سؤال العلاقة بينك وبين من طالعك. السؤال الوحيد هو من أنت أي من أين أتيت. وبعد أن تكون أتيت السؤال الثاني المزيل للأول هو كيف تنبش الكلمات من القاموس، كيف تميز بينها، على أي أساس ترصفها. من يقول لك الحق؟ من يقول لك الجمال؟

من أوجاع جئت أم من فرح أنت تقول روح الله أو روح الكون أو كليهما. إذا أخذت أول آية عند يوحنا “في البدء كان الكلمة” اي الذي قاله الآب منذ الأزل فأنت فيك نفحة إله هي تطلع بك عباراتها ولو ظننت ان عبارتك منك. طبعًا نحن أمام سر اللاهوت والناسوت. هما دائما يلتقيان ولكن لا نعرف الكيف. الله ليس إله إلغاء اذ أقر بك منذ لحظة الخلق. هل أنت نغم صوته الأزلي. فيك دائمًا ضجة ما هي ضجة بشريتك ولكنها لا تخفي السكون الذي سبت فيه المسيح عشية الفصح. السكون كان فيه طاقة القيامة ثم كان التفجر.

وكما لا نعرف حتى النهاية كيف التقى الناسوت واللاهوت في الناصري لا نعرف سر العلاقة بين النفس وكلماتها وبين هذه والقارئ. والأدب الذي لا يقوم على سر ينتهك مجرد ألفاظ مصطنعة للكبرياء.

مشكلة الكتابة انها مشكلة القلب اذا ظهر أم لم يظهر، اذا صار حكاية القلب الإلهي أم لم يصر. في الإنسان المنقى اللاهوت أقوى من الناسوت. ان لم يتجلَّ فيك ذلك تنبت “ازهار الشر” التي هي في جوهرها أشواك.

 

 الصناعة الأدبية تأتي بعد الإبداع ولا فصام بينهما. وهي تسعى الى المفردة ما أمكن فرادتها والى تركيب الجملة في لعبة الجمال. ولا دور للجمال الا لكونه أساسا في التبليغ. والنفس ان لم تتحرك لا تتبلغ. والكاتب يلاعبها لأنه رسول. يسربل الكلمات جمالا لتلتزم النفس ما وراءه اي الكمال الروحي الذي هو غاية الأديب الوحيدة. ذلك ان جلال الكلمة خاضع للحق. هذا الذي يحرر النفس وحده. ومن لم يبتغِ الحق يريد عبادة نفسه بالتلاعب اللفظي.

اذا كانت هذه هي الحقيقة يكون الأدب كله ثانويا. فكليمات قليلة، لا رنين فيها ولا جمال شكليا لها، لن تصل الى النفس لأنك مفوض تبليغ حقيقة كبرى يكون فيها بهاؤك الروحي أهم من كل ما تتلفظ به فيأتي احيانا صمتك أبلغ من القول لكون النور في شخصك ولكونه، مستقلا عن كل شيء، يحمل الرسالة.

هناك نصوص لا تشبه الأدب تنقل قداسة. ترى هذا كثيرا في أدبنا النسكي. جمل قصيرة تحركك بلا جمال أو قل ان جمالها من نوع آخر. عمقها يصل الى عمق النفس بلا واسطة لفظية بهية. معطيها اعظم من اي شاعر ومتلقيها يصبح شاعرا بما يتحرك فيه. المقدِّس والمتقدّس لا يحتاج الى شفاه الشعراء.

ولكن اذا أتقنت صناعة الأدب لا بد ان تتقيّد بها وبكل قواعدها لئلا تسيء الى قدسية الكلمة فتميت فاعلية التبليغ. خذ من الحق ما استطعت. واذا لم تتمكن من ان تصير انت حقا فأقم في قدسيته الى حين لأن صدق الإقامة يصل. هناك نفع كبير ان تكون مذكرا فقد يترسخ في الآخر ما عنيته له أو من اجله وقد لا يترسخ فيك الا لحين وتكون قد خدمت ويدينك الله ويعلي سامعك أو قارئك. ويشفع لك القارئ عند ربك لأنه يكون قد تسامى بالكلمات التي أعارها الله شفتيك أو أصابع يديك. ولن يغضب الله عليك غضبا شديدا لأنك مررت بأحايين الصدق ويشهد القديسون على انك بلَغت.

واذا أقمت في الصوغ بسبب من الصناعة فأنت في الطاعة. واذا لم تتمكن من الصوغ احترف حرفة اخرى لئلا تكون ضربت حرمة القداسة فيك وفي التبليغ.

وهناك قداسة قبل ان تتكلم وهي قداسة اللغة فان شئت ان تبلغ بالعربية فأنت مضطر ان تعاشر لسان العرب وان تكون قرأت آلافا مؤلفة من الأبيات وحفظت القرآن وأخذت الارتجاج الشعري من سفر أيوب ومعرفة النفس البشرية من آباء الصحارى عندنا ومن دوستويفسكي. وان لم تكن مستعدا لخوض هذه الحرب على جهلك لا تكتب بالعربية. هذا التلازم بينك وبين هذه الينابيع شرط تحليك بأدب مشرقي يصل الى كل عربي ويفيض منه على العالم. اذا سبحت في هذه المياه تكون مبعوث الكلمة الذي كان في البدء.

 

 

عليك واجب اساسي للقارئ انك ان تحبل بالنص بلا فساد لا يحق لك ان تكتب حرفا لكونك مطهر النفوس. أصبر حتى تنزل عليك الكلمة واذا حضنتها قلها. الصناعة لا تعوض الإبداع كما ان الإبداع لا يستغني عن أدواته. من الناس من لا يتحرر من الأنا قبل ان يفاجئه المخاض ويلد فيحس بالحرية. لا تختنق الكلمة فيك. هي تصنع مخاضها حتى تحيي العالم الذي يتلقاها. اذا قلتها تغفر لك خطاياك ويقبض الله عليك قبضا محكما.

من هنا اني لا أقدر أن أميّز بين الإحساس الأدبي والنبوءة. لعل التمييز الممكن هو ان النبوءة تصميم إلهي موضوع للخلاص وتتلقاه انت بالنعمة والشعر لعب إلهي فيك يحب الله ان يكون للخلاص وليس قاهرا كالنبوءة ولكن لا تقل لي ان الكلمة الجميلة صادرة فقط مما ورثت من السابقين. يقولها الله فيك انت ولم يقلها من قبلك لأن الله لا يجتر نفسه. في الأخير ليس الأديب شيئا مهما تكثف الجمال فيه. هو مجرد عبور لذلك الذي قال: “انا الطريق والحق والحياة”. هذا يستعيرك كما استعار القديسين الذين هم ايضا مجرد جسور له. ليس هناك كلمات كثيرة. هناك فقط كلمة كان من البدء وهو يتوهج في القديسين والشعراء والأدباء بتجليات مختلفة الطبيعة الى ان نتوب الى هذا الوهج ويبقى الوجه الوحيد الذي يلملم ما أعطى في يوم حكمته ويكشفه في الملكوت اذا اخذنا اليه. عند ذاك، نعلم اننا كنا بجمالات الكلمة ساعين الى الوجه.

 المطران جورج خضر     

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=makalat&type=makalat&day=Sat

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO