إله الشهوة والهوى

إله الشهوة والهوى

جعلوه عاطلاً عن العمل. نزعوا منه صلاحيّاته كلّها. كفّوا يده عن الدنيا. حجبوه عن الناس. كفّروا به البشر. أحلّوا محلّه نصوصًا وشعائر عبدوها بديلاً عنه. سجنوه في نظامهم الدينيّ. حوّلوه صنمًا. خلعوه عن عرشه. سلبوه مشيئته. أقالوه من ألوهته. عزلوه. سبَوه.

جلسوا على كرسيّه. حكموا بالإنابة عنه. نصّبوا أنفسهم ناطقين حصريّين باسمه. أدانوا عباده. أرسلوهم إلى الجحيم. احتكروا لأنفسهم السماء والأرض. أقفلوا أبواب الجنّة والملكوت أمام أحبّائه. صادروا فردوسه. أسروه في نطاقهم المذهبيّ والطائفيّ.

قصروه على قياسهم. فليس هو ربّ العالمين، بل ربّ قبيلتهم دون غيرها. ليس له المشارق والمغارب، بل له إمارتهم وحسب. ليس هو ربّ الناس كافّة، بل ربّ فرقتهم الناجية. ليس هو الذي “ليس كمثله شيء”، بل هو الذي صيّروه مثلهم.

انتقوا من أسمائه الحسنى ما يناسبهم، وأهملوا بعضها الآخر. فليس هو الرحمن الرحيم القدّوس السلام الكريم الغفّار التوّاب، بل القهّار الجبّار العزيز المهيمن المتكبّر. وقد نسبوا إلى أنفسهم بعض أسمائه الحسنى أيضًا. فليس هو الديّان، بل هم. وليس هو العدل، بل وضعوا عدلهم فوق عدله. وليس هو البِّر، بل عدوانهم هو البِّر. وليس هو الصلاح، بل فسادهم هو الصلاح في الأرض.

جعلوه على صورتهم ومثالهم. على صورة شهواتهم وخطاياهم وآثامهم ورذائلهم. على صورة كراهيّتهم وبغضهم ودمويّتهم. شوّهوه. مسخوه. جعلوه سفّاحًا، جزّارًا، قتّالاً، ذبّاحًا، مجرمًا، جلاّدًا، سيّافًا، قطّاعًا للرؤوس، بتّارًا للأعضاء.

هو حامي اليتامى، صيّروه يتّامًا. هو ملجأ الأرامل، صيّروا النساء تترمّل بأمر منه ورضًى. هو معزّي الثكالى، صيّروه مثكل الأمهات. هو نصير المظلومين، صيّروه ظالـمًا. هو عاضد المضطهَدين، صيّروه مضطهِدًا بلا رحمة ولا رأفة. هو سند المستضعَفين والمعذّبين في الأرض، صيّروه مستكبرًا وسوّاطًا.

أبطلوا الحديث “إنّما الدين النصيحة”. نسخوا الآية “ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”. عطّلوا السورة “والعصر. إنّ الإنسان لفي خُسر. إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصّوا بالحقّ وتواصّوا بالصبر”. أمّا الإنسان “خليفة الله في الأرض”، والذي كرّمه الله ورفعه على سائر المخلوقات، فقد صيّروه ضحيّةً لأحقادهم ونقائصهم.

خسئ هؤلاء الذين صنعوا إلههم على هواهم، ولم يقضوا على هواهم ليكونوا حقًّا خلفاء الله في الأرض. ينفّذون مشيئته، يمارسون تعاليمه ووصاياه، يعطفون على البائسين، يرحمون السائلين رحمته، يرأفون بخليقته، يحبّون الخير والصلاح، يسعون من أجل البِّر والإنصاف، يصنعون السلام والوئام.

لكن ثمّة مَن لم يتّخذ إلهه هواه. هؤلاء يعبدون الإله الحقّ، الإله الذي خلقهم لا الذي خلقوه على شاكلتهم. هؤلاء هم الذين يعبدون الله ولا يستعبدونه. هؤلاء الذين يعرفون الله حقّ معرفته، لا الذين نحتوه صنمًا يناسب شهوتهم وتعطّشهم إلى الخطيئة. هؤلاء هم الغالبون والظافرون ليس في الآخرة وحسب، بل رجاؤنا أن يتحقّق ذلك في عالمنا “الآن وهنا”، فيرث الله الأرض وما عليها عاجلاً لا آجلاً.

الأب جورج مسّوح     

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Wed

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO