تيارات المقام العراقي وجمالياته: دعوة الى يوم للموسيقى العراقية

تيارات المقام العراقي وجمالياته: دعوة الى يوم للموسيقى العراقية

حسين الهنداوي

GMT 7:14:00 2011 السبت 9 يوليو Share

 موسيقيون عراقيون من الالف الثالث قبل الميلاد

 د. حسين الهنداوي: الموسيقى العراقية تستحق ان يحتفى بها في عيد او يوم خاص تكريما لها على ان يحدده جمع الموسيقيين العراقيين بعد بحث موضوعي بعيدا عن أي تأثير او ضغط شخصي او مالي او سياسي او ايديولوجي مهما كان. فتحديد يوم بذاته لها الشأن ليس ممكنا بسهولة. وكنت سأقترح يوم اختراع القيثارة السومرية في العصور القديمة او اكتشافها في العصر الحديث، او يوم مولد زرياب او عثمان الموصلي او حتى يوم مولد احد الموسيقيين العراقيين الاشهر في القرون الاخيرة باعتباره خيارا محايدا ما قد يجعله مقبولا كمناسبة رمزية لذلك التكريم. الا ان جهلنا باليوم الفعلي لولادة اي من هؤلاء كما بيوم الصدور الاول، قبل اكثر من الف عام، لكتاب “الموسيقى الكبير” لأبي نصر الفارابي. يمنعنا من حسم هذه المعضلة حاليا. من هنا دعوتنا الموجهة الى نقاد الموسيقى العراقيين الى الاهتمام بهذا الشأن جديا. فاعلان يوم لتكريم الموسيقى العراقية حاجة ماسة لحمايتها من الاخطار المحدقة والمتمثلة بشكل خاص في السياسة الموسيقية للدولة العراقية ذاتها وهي سياسة الحصار والخنق السائدة علنا مند الانقلاب البعثي في 17 تموز 1968 ولحد الآن. وبرأينا ان اعتماد يوم الموسيقى العالمي الحالي في 21 حزيران، يوم ولادة المجلس العالمي للموسيقى في 1949، يمثل حلا معقولا اذا تعذر الحل العراقي المحض، علاوة على دوره في التقريب الموسيقي بين الشعوب.

اذا انتقلنا الآن الى دراسة تيارات المقام العراقي وجمالياته باعتباره جزءا مركزيا الثروة الموسيقية العراقية، نجد ان من العسير، وربما من المستحيل لحد الآن، التمكن من تحديد الاصول الأولى لفن المقام العراقي. إذ تتباين وتتضارب استنتاجات الباحثين الذين اهتموا بهذا الموضوع المحدد. وتنبع الصعوبة من واقع التشابك العميق، الذي يبلغ درجة التطابق احياناً، بين المقام وبين فن الغناء العراقي بوجه عام. فهذا الاخير ضارب في القدم شأنه شأن المظاهر الابداعية الاخرى في حضارة وادي الرافدين. ومن الممكن جداً القول ان تلك الاصول تعود الى الازمنة الآشورية وحتى البابلية والسومرية، وانها وجدت كمكوّنات في التراتيل الدينية أولاً ثم ما لبثت ان حرفت تدريجياً عن وظيفتها الأولى لتصبح، مع تطور الموسيقى وظهور القيثارة والآلات النغمية الاخرى، مكوناً جمالياً يطعم ليالي السمر في مجالس الملوك والامراء ثم سرعان ما امتد الى حياة سواهم من الناس الذين صاروا يتشوقون له في افراحهم واتراحهم وكل لحظاتهم الوجدانية الحميمة.

ويعتمد هذا الرأي على نصوص رقم طينية اكتشفها علماء الاثار يعود وجود بعضها الى آلاف السنين قبل الميلاد، من بينها لوح طيني كامل يحمل تأليفات موسيقية مدونة بالنوتة قامت آندرافكورن كيلمر، استاذة الآشوريات في جامعة كاليفورنيا حالياً، بفك رموزه وتدوينه بالكتابة الموسيقية الحديثة في مطلع السبعينات الماضية، ثم قام ريتشارد كروكر استاذ الموسيقى في نفس الجامعة بعزف هذا التدوين على اوتار قيثارة من الطراز السومري.

ومما يدعم هذه الفرضية أيضاً حقيقة ان بعض فروع المقام العراقي لا تزال لحد الآن توظف في التراتيل الدينية الشعبية كمقامات الاذكار والتماجيد وما شابه وهو تقليد متأصّل في العراق وقد نعثر على امتدادات له في عدد من البلدان العربية والمجاورة.

بيد ان الرأي الأكثر قبولاً لحد الآن هو ذلك الذي يضع بدايات المقام العراقي في الفترة العباسية حيث بالفعل، ومن بغداد على وجه التخصيص، عرفت الموسيقى والغناء وعلم الأوزان النغمية ومقاماتها المختلفة تطوراً كبيراً على يد منصور زلزال وابراهيم الموصلي واسحق الموصلي وزرياب وغيرهم. كما ان تسمية هذا النمط الغنائي بـ«المقام» لم تتكرس الا في اواخر العصور العباسية. ولعل أصل التسمية هو فعل القيام، لأن العرف السائد هو ان على مقرئ المقام الوقوف عند الاداء. ويرى البعض انها من التشييد لأن المقام هو بمثابة تشييد هندسي دقيق لبناء من الطبقات والسلالم النغمية او الصوتية له شخصيته المتميزة وكيانه المستقل وكبرياؤه الجمالي.

ومهما يكن الأمر، لقد ظل فن المقام مقتصراً على أهل العراق بشكل خاص، ولم يخرج بعيداً عنه. ولا زالت الروح المدينية العراقية تجد طمأنينة وتماهياً يكاد يكون وجودياً مع التحليقات النغمية العميقة لهذا الضرب من الغناء. وتعزف موسيقى المقام من قبل فرقة موسيقية تسمّى بـ«الجالغي» او «التخت» وتتكون اضافة الى قارئ المقام من ثلاثة عازفين على الاقل يتخصص اثنان منهم على آلتين وتريتين اساسيتين هما «الجوزة» و«السنطور» بينما يتخصص الثالث بالعزف على آلة الايقاع. وقد يضاف الى الفرقة عازف عود وموسيقيين آخرين الا ان هذه الاضافة غير ضرورية في الواقع.

على الصعيد البنيوي، يتألف المقام من ثلاثة مراحل في تسلسل الاداء، هي على التوالي: «التحرير» وهو مداخلة صوتية دون نصّ شعري سوى كلمة «امان» او «يادوست» او ما شابه، تنحصر ضرورتها في تحضير الاسماع وتمرين الحبال الصوتية على ضبط اللحن الخاص بالمقام المقروء. ثم المتن وهو الجزء الاساسي من المقام ويتضمن قراءة القصيدة او الزهيري مضبوطة على ذلك اللحن المحدد، واخيراً يأتي «التسليم» الذي يختم المقام وهو مداخلة صوتية بدون نصّ شعري ايضاً مثل «التحرير» الا ان لكل مقام كلمات خاصة ينتهي بها وتدل عليه.

على المستوى الاسلوبي، تربو المقامات العراقية بعددها على ما بين السبعين والتسعين مقاماً مختلفاً الى هذا الحد او ذاك. فالباحثون يختلفون على تحديد عددها. الا انهم يتفقون على ان الحي لحد الآن منها يقارب الاربعين مقاماً معروفة بالاسم الخاص بكل منها، بينها عشرون هي الاكثر تداولاً وشيوعاً. وهي تنقسم من حيث الاستعمال الفني الى قسمين اساسيين. الاول يوظف مع الشعر العمودي المكتوب باللغة العربية الفصحى، بينما يقتصر الثاني عادة في التوظيف مع الشعر الشعبي العراقي المكتوب باللهجة العامية والمنظوم منه خاصة بطريقة الموال العراقي المعروف بـ«الزهيري».

فبين مقامات الصنف الاول نجد مقام الحسيني والنوى والصبا والبيات والرست والحجاز والسيكاه والمنصوري والعجم واللامي والاوج والنهاوند والآورفة والحويزاوي والدشت والهمايون والخنبات والقوريات والتفليس. بينما تنتمي الى اطار الصنف الثاني مقامات المخالف والبهرزاوي والمحمودي والابراهيمي والناري والمسجين والعريبون عرب والحكيمي والمدمي والحديدي والحليلاوي والحجاز كار كرد والكلكلي والجبوري والمكابل..

وهذه التقسيمات موروثة من القرن التاسع عشر بشكل عام باستثناء البعض القليل الذي جرى ابتداعه في القرن العشرين عبر صياغات واشتقاقات وتركيبات جديدة. ولقد ازدهر المقام ازدهاراً ملموساً منذ وخلال القرن التاسع عشر.

ولعل ابرز الفنانين الذين عرفهم ذلك القرن هم الشيخ عثمان الموصلي والملا حسن البابوججي وعبد الرحمن ولي ورحمة الله شلتاغ الكركوكلي وعلي الصفو الموصلي. الا ان آثارهم جميعاً لم تصل الينا بسبب انعدام امكانية التسجيل الصوتي آنذاك. وحده الفنان الكبير احمد الزيدان ترك بعض التسجيلات على اسطوانات شمعية نظراً لأنه ادرك القرن العشرين الذي شهد وصول وفود من عدد من شركات التسجيل الاوربية الى العراق.

ويفترض ان تكون الاسطوانات الشمعية التي سجلت بصوت هذا الفنان موجودة لحد الآن. واذا تأكد ذلك فان تسجيلات احمد الزيدان المتوفي في 1912، هي اقدم النصوص المغناة في فن المقام العراقي التي جرت المحافظة عليها.

فبعد مطلع القرن العشرين اصبح من المعتاد تسجيل قراءات فناني المقام العراقي بفضل تزايد حضور شركات الاسطوانات وتنافسها على اقتناء نصوصهم الصوتية، ثم بفضل محطة الاذاعة العراقية التي دشنت ارسالها في 1936، وكان المقام بالطبع احد اهم المواد التي دعمت نجاحها شعبياً.

ولعل الاثر المباشر لهذا التطور هو تمركز فن المقام في بغداد بشكل اساسي وتراجعه في مراكز ازدهاره الكبرى الاخرى كالموصل والبصرة وكركوك خاصة.

بالمقابل، على الصعيد الزمني، فان النصف الاول من القرن العشرين هو حيزه الزمني الاكثر خصباً في مرحلته الاخيرة تلك. حيث ظهر عدد كبير من المع الفنانين خلاله. ولعب الصراع الداخلي بين تياراته واتجاهاته المختلفة دوراً مباشراً في جعل تلك الفترة بمثابة العصر الذهبي للمقام. وبالفعل فقد برزت في الفترة تلك اسماء رشيد القندرجي ونجم الشيخلي ومحمد القبانجي وعباس كمبير وجميل البغدادي وعبد الامير طويرجاوي وعبد القادر حسون وحسن خيوكة وسليم شبل وعبد الرحمن خضر وناظم الغزالي ويوسف عمر وعشرات الآخرين ممن تركوا آثاراً خالدة في ميدان فن المقام العراقي. لكن هناك ثلاثة تيارات اساسية تميزت بشكل خاص وتركت بصماتها على مجمل عطاءات الفنانين اللاحقين، وهي كما يلي:

 

اولاً- التيار الكلاسيكي:

ويمثله مؤسسه رشيد القندرجي ونخبة من تلاميذه اهمهم عباس كمبير وعبد القادر حسون ومكي الحاج صالح وعبد الوهاب البناء واسماعيل عبادة وتركي الجراخ وجميل البغدادي وجميل الاعظمي. فقد عملت هذه المدرسة على الالتزام التام باصول المقام والتقيد الصارم بالاساليب التقنية النغمية العربية. وهذا لا يعني بالطبع انها اعتمدت جمودية تقليدية في مناهجها، انما على العكس حرصت بشكل كبير على تطوير المقام واغنائه بالجديد وبالجميل، بيد ان هذه العملية ظلت محض داخلية ولم تذهب الى حد الخروج على الاساليب والقيم الفنية الموروثة.

ولد رشيد حبيب بن حسن القندرجي، رائد هذه المدرسة، قي نهاية القرن التاسع عشر في محلة العوينة في بغداد. وكانت عائلته فقيرة فقد كان ابوه خرازاً. وعندما توفي والده لم يكن رشيد قد بلغ سن الثامنة من العمر بعد مما اضطره الى العمل في صبغ وتصليح الاحذية في محلة «عكد النصارى». وقد استمر في هذا العمل لسنوات طويلة حتى صار يعرف بـ«رشيد القندرجي». وهو لقب احبه هو نفسه. وعندما بلغ الثامنة عشرة اصبح جندياً في الجيش التركي، وانتقل ليعمل سراجاً في بغداد بعد تسريحه من الخدمة العسكرية. ثم اشتغل عاملاً في «مقهى القيصرية» التي كان يغني فيها احمد الزيدان، ومن هنا ظهر اهتمامه المتزايد بحفظ المقامات واتقان اساليب الغناء فيها. وعندما اكتشفه احمد الزيدان واستمع له اعجب به واهتم بتدريبه ليكون خليفته على عرش المقام العراقي.

سجل رشيد القندرجي عدداً كبيراً من الاسطوانات قرأ فيها معظم المقامات الرئيسية سيما  السيكاه والصبا والحسيني والتفليس والجيلاوي والكلكلي والبيات والمحمودي والطاهر، كما برع ي اداء المقامات المعقدة مركزاً على المقامات الرئيسية الصعبة دون الفرعية ومقامات التحرير التي تتطلب قراراً صوتياً صعباً للغاية وانيقاً في ذات الوقت. ففي اداء السلالم الصوتية العالية كان القندرجي مرجعاً دراسياً الا انه اتقن ايضاً الأصوات المنخفضة. ويعتبر اول من ابدع في ادخال الأصوات المفتعلة في الميانات. ولم يغفل القندرجي الاهتمام بتجديد المقام حيث يعتبر أول من ادخل نغمات العلزبار والمكابل في مقام الحديدي ونغمة السيرنك في مقام الكلكلي وانغام من الحسيني في مقام الطاهر والكثير غير ذلك. الا انه عرف عموماً بحرصه الكبير على الالتزام بالاصول والقواعد النغمية الاصلية. وعندما تأسست دار الاذاعة العراقية، اختير رشيد القندرجي ليكون خبيراً للمقام العراقي فيها وقد استمر في اشغال هذه الوظيفة الفنية حتى وفاته في عام 1945، حيث خرجت بغداد كلها لتوديعه الى مثواه الاخير وهي نادراً جداً ما فعلت ذلك في كل تاريخها الحديث.

 

ثانياً- الاتجاه التجديدي:

يمثل هذا الاتجاه أكمل تمثيل مؤسسه محمد القبانجي. ويتميز عن المدرسة السابقة في ميله الى الخروج النسبي عن الاصول والتحرر من القواعد الكلاسيكية للاستجابة للطاقة الصوتية للمغني من جهة (وصوت القبانجي من بين أجمل الأصوات بلاشك في تاريخ المقام العراقي)، ومتطلبات الخروج الى جمهور واسع، من جهة اخرى.

ولد محمد القبانجي في عام 1901 في محلة سوق الغزل ببغداد وأخذ أصول القام عن والده، ثم راح يتردد على مقاهي المقامات البغدادية للاستماع الى أشهر مقرئيها آنذاك كسيد ولي وأسطه محمود الخياط ورشيد القندرجي وقدوري العيشه. وهذا الأخير هو الذي أثر فيه بشكل خاص بعد أن ارتبط معه بصداقة قوية. إلا أن القبانجي سرعان ما بزّ سابقيه بأسلوبه الحديث في اداء المقام حيث الانجاز والمداخلة بين مقامات كانت منفصلة كلياً حتى ذلك الحين.

واذا كان هذا الاسلوب قد عرّضه لتهمة الجهل باصول المقامات والابتعاد عن الالتزام بقواعدها، فانه جلب له بالمقابل شهرة سريعة وكبيرة، حيث راحت أغانيه تنتشر في أوساط شعبية واسعة مما دفع شركات تسجيل الاسطوانات الى التعاقد معه كأول مطرب عراقي ينال هذا الاهتمام ليصبح اهم مطرب عراقي في وقت كانت الفنانة زكية جورج تتربع على عرش فنانات الاغنية البغدادية الاشهر.

 

 أشهر مغنية عراقية في الثلاثينات السيدة زكية جورج

فقد دعي محمد القبانجي الى ألمانيا في نهاية العشرينات من القرن الماضي ليسجل عدداً كبيراً من الاسطوانات بلغت 80 اسطوانة (بين عامي 1928 و1929 فقط)، لشركات بيضافون وارويان وغيرهما. وبعد عودته من ألمانيا زار القاهرة في عام 1932 للمشاركة مع فرقة المقامات العراقية في المؤتمر الموسيقي العربي الذي عقد فيها. وقد كان المؤتمر المذكور محطة مهمة في تاريخ هذا الاتجاه حيث نجح القبانجي في انتزاع اعجاب النقاد الموسيقيين العرب اذ حازت فرقة المقام العراقية على الجائزة الاولى بين كافة الفرق العربية الاخرى المشاركة واستقبل اثرها القبانجي بحرارة من قبل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأحمد شوقي وأحمد رامي. وبعد هذا النجاح قامت أم كلثوم بزيارة لبغداد للاطلاع عن كثب على الموسيقى العراقية، وبعدها جاء محمد عبد الوهاب للعمل في بغداد، وقد ظهر في ما بعد انه تأثر بالحان المقامات العراقية لا سيما مقام اللامي الذي جعله أساساً لعدد من الحانه التي اشتهرت بعدئذ. هذه الزيارات جلبت للقبانجي شهرة واسعة جعلته يحظى بمكانة أهم من بقية قراء المقام في العراق رغم ان بعضهم كان أكبر موهبة وأصالة فنية منه ربما. ولقد تكرست شهرة القبانجي لدى العراقيين عندما ارسل الى المحكمة من قبل سلطات النظام المالكي بعد ان غنى لمعروف الرصافي قصيدته التي مطلعها:

 

عبيد للأجانب هم ولكن                على أبناء جلدتهم أسود

 

وغنى أيضاً قصيدة «المجرشة» للملا عبود الكرخي ونصوص أخرى عززت شعبيته. وإضافة الى استفادته الكبيرة من صوته الرخيم وتوظيفه الاعلام الحديث في الدعاية، اهتم القبانجي بإثراء المقامات فنياً، حيث يعود له ابتكار عدة مقامات جديدة من بينها مقامات القطر وحجاز وكار وحجاز كار كرد وكذلك مقام اللامي، الذي كان الفنان الكبير عبد الامير طويرجاوي هو مبتكره الحقيقي على حدّ رأي عدد من الاخصائيين.

وهكذا، لقد قدم القبانجي إضافات حقيقية للمقام العراقي كما اهتم بتدريب عدد من المطربين سرعان ما قدموا، هم أيضاً، منجزات جديدة ولامعة لهذه المدرسة وأبرزهم في بغداد حسن خيوكه وعبد الرحمن خلف ويوسف عمر وناظم الغزالي وحمزة السعداوي.

الا ان بروز نجوم هذه المدرسة الغنائية لم يقتصر على بغداد انما شمل كافة الانحاء العراقية اذ انجبت كركوك والموصل واربيل عددا من اهم قارئي المقام باللغات العربية او الكردية او التركمانية من بينهم في الموصل اسماعيل الفحام وفي اربيل وطاهر توفيق ورسول كوردي دون نسيان اميرؤ المقام باللغة الكردية الفنان الكبير علي مردان الذي ابدع في عدد من المقامات لا سيما مقام الرســـــت.

وهناك في كركوك حاليا مركز باسم مركز علي مردان للمقام تحت اشراف الفنانين باشراف قارئ المقام مقداد محمد عمر وعمر حمه دريز وتأسس في 2008. وعلي مردان فنان وملحن وقارئ مقام متميز ولد في ليليان احدة قرى كركوك وتوفي فيها عام 1981.

كما اسهمت هذه المدرسة الغنائية في بروز فنانات عراقيات حاولن الخوض في اداء المقام مع نجاحات متفاوتة ابرزهن الفنانة زكية جورج والفنانة سلطانة يوسف واميرة الغناء النسوي العراقي صديقة الملاية وكذلك الفنانتين الكبيرتين سليمة مراد وزهور حسين خاصة. وفي الفترة الاخيرة مائدة نزهت، وفريدة محمد علي، وسحر محمد طه..

 

ثالثاً – الاتجاه الشعبي:

ويمثل هذه المدرسة مؤسسها الفنان عبد الامير طويرجاوي. وهي تتميز بالجمع الرفيع بين اطوار من الغناء الشعبي العراقي (المسمّى عشوائياً بـ«الريفي»)، وبين الأداء المحكم للاصول النغمية الخاصة بالمقام العراقي. ورغم ان هذه المدرسة تعرضت لإهمال كبير في ما بعد والى حصار شديد فإنها نجحت في إثبات سحرها الخاص وعبقريتها الفنية وواصلت نجاحاتها الواسعة خارج نطاق الاوساط الموسيقية النخبوية المتمركزة في العاصمة بشكل اساسي.

ولد الفنان الراحل عبد الامير طويرجاوي في مدينة الهندية (طويريج) في عام 1886، وفيها أيضاً تفتحت موهبته الفنية أول الأمر قبل ان ينتقل الى بغداد التي كانت قد اصبحت، كما اشرنا، المركز الاساسي لفن الغناء في البلاد آنذاك. الا ان الفرصة لم تتح له سريعاً بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى حيث القي القبض عليه من قبل السلطات التركية وارسل لخوض الحرب مع جيشها في قفقاسيا ضمن مجموعات كبيرة من المجندين العراقيين الذين كانوا يرسلون مخفورين الى جبهات القتال في تلك الانحاء. وقد تعرض الآلاف منهم الى الموت اثناء المعارك او بسبب الجوع والبرد الجليدي القارس هناك. وكان عبد الامير طويرجاوي ان يهلك هو الآخر لولا تمكنه من الهرب من الجبهة والعودة مشياً على الاقدام الى بغداد في مسيرة منهكة استغرقت ما يقارب العام. ومن جديد اشتهر طويرجاوي كأحد ابرز نجوم الغناء العراقي في تلك الفترة. فبعد زمن من العمل كعامل مقهى في محلة الشورجة ببغداد، انتقل الى اداء المقام في اهم مقاهي بغداد الفنية. حيث نجح في اتقان اسلوب متميَز في الغناء اثار دهشة وانبهار حتى ذلك الوسط الفني البغدادي المتعثمن، جمع فيه بأصالة استثنائية بين التضلع في اداء اصعب المقامات من جهة وبين اتقان اطوار الغناء الشعبي الخاص بحوض الفرات الجنوبي، ولا سيما الابوذية والمربع الذين يعتبر فيهما بين اعظم المبدعين لحد الان.

 الفنانة الراحلة السيدة سليمة مراد الملقبة بمطربة الملوك

 لكل ذلك حقق عبد الامير طويرجاوي شهرة مدهشة وسريعة وخاصة في الثلاثينيات من القرن العشرين ما دفع شركات التسجيل لانجاز عدد من الاسطوانات. فقد سجلت له بيضافون اطوار الابوذية العراقية وانواع البستات الفراتية، كما سجل له الموسيقار الراحل جميل سليم ثلاث اسطوانات بمرافقة الفرقة الموسيقية العراقية، اذ كان طويرجاوي قد دخل الاذاعة العراقية عند افتتاحها وقدم اول حفلة لها على الهواء، اضافة الى حفلات منتظمة اقيمت له في مقهى «المميّز» ومقهى «البولنجية» في بغداد خصصها لغناء مختلف المقامات.

إلا ان هذا الصعود المثير انقطع فجأة إثر اعتقاله من قبل السلطات البريطانية المحتلة أثناء دخولها الى بغداد لقمع حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 المعروفة باسم حركة مايس، حيث حكم على طويرجاوي بالإعدام لمشاركته في تلك الحركة. لكن هذا الحكم لم ينفذ بل ابقي عليه في السجن لفترة ثم اطلق سراحه وابعد من بغداد في ما يشبه النفي كما منعت الاذاعة العراقية من بث اغانيه منعا باتا. وعندما حاول الرجوع اليها لمواصلة نشاطاته الفنية رفضت السلطات السماح له بذلك حيث سدّ الملكيون بوجهه حتى امكانية الغناء في المقاهي والحفلات الشعبية. فوجد نفسه في اخر المطاف مضطرا الى العودة الى مسقط رأسه طويريج كاسباً لقمة العيش من العمل قارئاً في المجالس والمواكب الحسينية مبعداً قسراً عن عالم الغناء الذي عشقه بكل جوارحه.

 بعد سقوط النظام الملكي العراقي في 14 تموز 1958، عاد الى بغداد من جديد معتقداً ان مؤسسات النظام الجمهوري ستهتم به وترفع عنه ما لحقه من تعسف واضطهاد، إلا انه لم يجد من يستقبله هذه المرة ايضاً، فامضى هذا الفنان الكبير بقية حياته مهملا حتى مات من الجوع والكمد. ويقول الذين التقوا به قبيل وفاته، انه لم يكف عن الغناء المألوم مردداً على الخصوص موالاً لصديقه الشاعر الشعبي الكبير ابراهيم الشيخ حسون الهنداوي يقول:

 

  من شفت دهـري بحدّه المهجتي فيهه

  شدّيت  راكب ذلــولي  كاطــعٍ  فيهه

  عن شجرةٍ حرّمت عن ارضهــا فيهه

    يا كبّح  الله درهــا  وفيّهــا  من فــــاي

    تنعد بلادي واعدها من الارض منفاي

    تا  الله  ما ساعةٍ  ذمها وكـــع من فـــاي

  موش الارض مكصدي، الناس الذي فيهه

ولقد عثر في الحجرة المظلمة التي امضى فيها عبد الامير طويرجاوي لحظاته الاخيرة على مجموعة كبيرة من النصوص الشعرية الغنائية التي كان قد كتبها طوال حياته. الا انها ضاعت كما قيل، وربما ألقتها سلطات البلدية هباء مع بقية حاجياته المتواضعة. ومن الجدير بالذكر هنا ان الاهمال والتنكر القاسيين حيال الفنان الشعبي ظاهرة عراقية كما يبدو إذ واجه الفنانان الكبيران حسن خيوكه وصديقة الملاية نفس  المصير وماتا هما ايضاً من الجوع بعد ان اضطرا على التسوّل في الشوارع دون ان تأبه جهة بذلك.

وعلاوة على الاسطوانات والتسجيلات الغنائية التي انجزها لنا، ترك عبد الامير طويرجاوي ايضاً تأثيراً كبيراً على عدد مهم من كبار المطربين العراقيين لا سيما حسن داود ويوسف عمر الذي ارتبط بصداقة وطيدة معه واخذ عنه حميمية الأداء وتضمين المقام الأبوذية والبستة.

ومن الاصوات النسائية التي استفادت من مدرسة طويرجاوي الفنانة زهور حسين لا سيما في اداء مقام الدشت في اغنيتها الخالدة (اذا انت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا). 

اما حاليا، فان المقام العراقي يظل بلا ريب الفصل الاكثر اصالة في الغناء العراقي المعاصر. ولئن تعاني الموسيقى والفنون الغنائية اجمالا من محنة حقيقية واخطار محدقة خلال ربع القرن الاخير ولا سيما منذ الاحتلال الامريكي في 2003، بسبب الاهمال الرسمي وحتى الشعبي لها وللمرة الاولى في تاريخ الفن في البلاد، فان ما يثير التفاؤل ان الموسيقى العراقية عرفت كيف تشق طريقا عالميا لها في الخارج وفي كل البلدان التي يتوزع عليها عراقيو المهجر حيث برز الفنان الكبير حسين الاعظمي الذي عرف ايضا، اضافة الى التألق في قراءة المقام، ان يغني المكتبة بمؤلفات رصينة عن المقام العراقي في مختلف مجالاته وفتراته.

اذ اصدر الاعظمي خمسة مؤلفات قام بتأليفها حول “المقام العراقي” هي “المقام العراقي إلى أين!!” الصادر العام 2001 و”المقام العراقي بأصوات النساء “الصادر العام 2005 كما تناول الأعظمي الطريقة الغنائية للمطرب العراقي رشيد القندرجي (1886-1945) بعنوان “الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها”

الصادر العام 2007، الحقه بكتاب حول “الطريقة القبانجية في المقام العراقي وأتباعها”  الصادر هذا العام 2009 خصصه لطريقة الفنان محمد القبانجي في التمرد على المحلية وإضافة مسارات لحنية من تاثيرات البلدان المحيطة للعراق في غناء “المقام العراقي”، فيما كان كتابه الخامس “المقام العراقي ومبدعوه في القرن العشرين”.

وأخيرا، يظل موضوع المقام العراقي شيقا بجوانبه المتشعبة ويحتاج الى دراسات متخصصة اخرى لا يمثل مقالنا العجول هذا الا مجرد دعوة لانجازها من قبل الموسيقيين انفسهم والباحثين المتخصصين. كما هو دعوة لاعتبار يوما للموسيقى العراقية نخصصه لابراز تاريخها وجمالياتها ونحتفل بها فيه كل عام.

http://www.elaph.com/Web/Culture/2011/7/667768.html?entry=culturemainstory#.ThmAeST5MYU.email

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO