الدين و”أوحال السياسة”

عبور

الدين و”أوحال السياسة”

بات الحوار الدينيّ في الشؤون الوطنيّة لا ينفع. بات بلا جدوى. وباتت ماسّةً الحاجة إلى الحوار الوطنيّ بكلّ ما تحمله العبارة من معانٍ.

الدين، في بلادنا، عاملٌ مغرٍ يستغلّه رجال السياسة والانتهازيّون لأجل مصالحهم التي لا تمتّ بصلة إلى القيم والفضائل والأخلاق التي يدعو إليها. فمَن يريد زرع الفتنة بين الناس ليس لديه سوى الصاعق الدينيّ وسيلةً فضلى للوصول إلى مبتغاه. وعوض أن يكون الدين عامل جمع أصبح، ويا للأسف، عامل تشتيت وكراهية. لذلك وجب تنـزيه الدين عن السياسة ورجالاتها.

سبقنا فرح أنطون (ت 1922)، وهو المفكّر غير الملتزم دينيًّا، في مقالته “الفصل بين السلطتين المدنيّة والدينيّة هو السبب الحقيقيّ في التساهل الحقيقيّ” إلى الكلام على ضرورة تنزيه الدين عن السياسة، فيقول: “ولكن هل تجوّز الأديان أن يرائي رؤساؤها ويدخلوا في حمأة السياسة وأوحالها؟ وإذا جوّزت ذلك ألا تتلطّخ الأديان نفسها بوحل السياسة؟ (…) فالسياسة تضرّ مبادئ الدين والإيمان ضررًا أدبيًّا عظيمًا. ولذلك يجب إبعاد الدين ورؤسائه عن السياسة”.

لو كان الدين، كما هي حاله اليوم، قادرًا على الارتقاء بالسياسة إلى مستوى القيم الدينيّة لكان كلام فرح أنطون خارج المعقول والمرتجى. ولكنّ الواقع يفيدنا أنّ الدين أصبح ألعوبةً في أيدي اللاعبين الرئيسيّين بمصائر الناس، وأصبح أداةً لنشر البغض والكراهية وإثارة الفتن والحروب الداخليّة بين أبناء الشعب الواحد. لذلك، والحال هذه، نضمّ صوتنا إلى صوت فرح أنطون الرافض لـ”تعريض المبادئ الدينيّة المقدّسة لأوحال السياسة وذلّها وكذبها ومفاسدها”.

لقد ثبت بالأدلّة الواضحة أنّ الوحدة الوطنيّة لا يمكن أن تتأسّس على الوحدة بين الطوائف أو بين الأديان. فحروب المنطقة، ماضيًا ومستقبلاً، في ما عدا الصراع العربيّ الإسرائيليّ، أدّت وستؤدّي فيها العوامل الطائفيّة والمذهبيّة الدور الأساس. وهذا ما أشار إليه بحقّ فرح أنطون حين تحدّث في المقالة عينها عن “استحالة الوحدة الدينيّة”، معتبرًا إيّاها من “أكبر الأسباب التي دعت إلى الفتن والاضطرابات في الإسلام والمسيحيّة. وإلى هذا السبب ننسب كلّ الحوادث الدمويّة التي حدثت فيهما”.

الواقع المرير ووعوده الأشدّ مرارة تدفعنا إلى القول بإبعاد الشأن الدينيّ والطائفيّ والمذهبيّ عن السجالات القائمة في عالمنا العربيّ، ذلك أنّ الخبرات العديدة منذ قرنين إلى يومنا الحاضر قد ولّدت لدينا يقينًا بأنّ الأفضل للدين، طالما لم يستطع الارتقاء إلى أن يكون عامل سلام ومحبّة وأخوّة، هو أن ينزّهه أهله عن استخدامه لتبرير القتل والعداء والتهجير واستباحة أرزاق الناس وكرامتهم.

أصبح جليًّا عقم الحوار الدينيّ في الشان الوطنيّ. فما معنى تكرار الحجج القديمة عن التعايش الإسلاميّ المسيحيّ، وعن التسامح الإسلاميّ بإزاء الاديان الأخرى؟ وما جدوى الحديث عن أهل نجران وعن العهدة العمريّة وعن تسامح عمر بن الخطّاب مع أهالي القدس؟ … الحوار الدينيّ بات مملاًّ لا يغني ولا يسمن عن جوع. لذلك، حدّثونا عن الدولة الحديثة والمواطنة والمساواة والحقوق والواجبات المتساوية، ودعوا جانبًا ما قد غبر من روايات دينيّة وآراء فقهيّة. آن الأوان لاعادة الاعتبار إلى الوطن والمواطن، لا إلى مجد الطوائف والمذاهب.

الأب جورج مسّوح     

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Sun

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO