عبور

عبور

خطّان متوازيان لا يلتقيان !

لا يسع قارئ “وثيقة الأزهر”، التي أعلنها الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر، في شأن مستقبل مصر إلاّ أن يلاحظ العديد من الأمور الإيجابيّة التي تتضمّنها. وأهمّ هذه الأمور ما ورد في البند الأوّل عن “دعم تأسيس الدولة الوطنيّة الدستوريّة الديموقراطيّة الحديثة”، القائمة على “دستور ترتضيه الأمّة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسّساتها القانونيّة الحاكمة، ويحدّد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكلّ أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب”.

سرعان ما يشعر القارئ بالتناقض حين تشترط الوثيقة أن تكون سلطة التشريع المنوطة بنواب الشعب متوافقة “مع المفهوم الإسلاميّ الصحيح”، وحين تشترط أيضًا “أن تكون المبادئ الكلّيّة للشريعة الإسلاميّة هي المصدر الأساسيّ للتشريع”. فيتساءل القارئ: مَن هي المرجعيّة التي تحدّد المفهوم الإسلاميّ الصحيح للتشريع؟ فيأتيه الجواب في البند الحادي عشر الذي يؤكّد “اعتبار الأزهر الشريف الجهة المختصّة التي يُرجع إليها في شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهيّة والفكريّة الحديثة”.

عبر هذه الوثيقة ينصّب الأزهر نفسه سلطةً عليا فوق سلطة مجلس النواب. فالكلام واضح ولا لبس فيه، إذ يتعيّن على مجلس النواب المنتخب من الشعب لمهمّة التشريع الخضوع لرأي الأزهر في مسألة سنّ القوانين والتشريعات. وليس لمجلس الشعب أن يقرّ أيّ قانون لا يتّفق والرؤيّة “الإسلاميّة الصحيحة” التي يقرّرها علماء الأزهر. وهذا يتناقض وقول الوثيقة بأنّ “الإسلام لم يعرف في تشريعاته ولحضارته وتاريخه ما يُعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينيّة الكهنوتيّة التي تسلّطت على الناس”. أليس تنصيب الأزهر نفسه مرجعًا على الدولة إنّما هو نوع من أنواع الدولة الدينيّة الكهنوتيّة؟ ألم يقع الأزهر في الفخّ الذي يحاول تحذير الناس منه؟ صحيح أنّ الوثيقة تقرّ “لأتباع الديانات السماويّة الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينيّة في قضايا الأحوال الشخصيّة”، غير أنّ هذا لا يكفي للقول بأنّ مواطنة غير المسلمين قد أضحت كاملة بفضل هذا الإقرار. فالمسألة ليست في الأحوال الشخصيّة أو في بناء الكنائس أو في سواها من القضايا، بل في المساواة التامّة في الحقوق والواجبات الفرديّة. وعلى سبيل المثال، سوف ننتظر ما سيقوله الأزهر ومجلس النواب الآتي في شأن زواج المسلمة من غير المسلم الذي تحظّره التشريعات في كلّ الدول الإسلاميّة من دون استثناء.

ما يؤكّد حذرنا هو رأي الدكتور حسن الشافعي مستشار شيخ الأزهر بالدولة الوطنيّة الديموقراطيّة التي هي، وفق قوله، “دولة الدين الإسلاميّ الرئيسيّ للتشريع (…) فالجميع يجب أن يدرك أنّ تطبيق الشريعة الإسلاميّة هو ضمان للتعدّديّة وحرّيّة الاعتقاد وممارسة العبادات لأصحاب الديانات السماويّة الأخرى، الذين تكفل لهم الشريعة الإسلاميّة أيضًا الاحتكام إلى شريعتهم في ما يتعلّق بشؤونهم وبالأخصّ في الأحوال الشخصيّة”. ليست الشريعة الإسلاميّة هي الضمان للتعدّديّة وحرّيّة الاعتقاد… بل الدولة المدنيّة الحقيقيّة التي تحترم الاعتقادات الدينيّة والتي لا سلطة دينيّة تعلو عليها، هي الدولة المدنيّة التي يعود سلطان التشريع إلى الشعب وحده ممثّلاً بنوابه المنتخبين. مع ظاهر الإيجابيّات التي تتضمّنها الوثيقة الأزهريّة، ثمّة أفخاخ عديدة قد تؤدّي إلى عكس ظاهرها. وليس التأكيد على مرجعيّة الأزهر، الذي يمكن وضعه في سياق قطع الطريق أمام مرجعيّات سلفيّة أو متشدّدة، سوى تأكيد مأزق الفكر الإسلاميّ في شأن الدولة المستقبلة. متى ستخرج المؤسّسات الدينيّة من الازدواجيّة في الخطاب، ومن الجمع ما بين أمرين لا يجتمعان؟

الأب جورج مسّوح     

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adian&type=adian&day=Wed

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO