تأمل في إنجيل الأحد الثاني من الصليب

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ٢٦ أيلول ٢٠١٠

الثاني من الصليب

مت ١٧ : ١٤-٢٧

()لو كانَ لكم إيمانٌ بمقدار حبةٍ من خَردَلٍ، لَقُلتُم لهذا الجبلِ: انتقل من هنا إلى هناك فَينتَقِلُ، ولَمَا عَجِزتُم عن شئٍ.((

كم مؤلم لهذا الأب أن يرى أبنهُ المريض يتقلب بين جحيمين: نارٌ وماء. وكم مؤلم ومؤسف أن يرى نفسه عاجزًا عن مساعدة أبنه المصروع، وعاجزًا عن إيجاد حل يهدئ ولو قليلا ًمن مصاب أبنهِ الأليم. حتى التجاءهُ لتلاميذ يسوع لم يؤتِ بثمر فهم عاجزون أيضـًا عن عمل شئ. كل هذا يعزوه يسوع لقلة الإيمان !

في البدء قد نتساءل لما التقلب في النار والماء؟ نارٌ وماء هي طريقة لعذاب أبدي فتارة ًيتألم الإنسان فيذوق طعم المرارة وتارة ًيرتاح ضانــًا بأن فترة التعذيب انتهت فيعود من جديد لألم أخر وأخر وكأنها سلسلة ألام تعصف بحياة الصبي جاعلة منها نقمة عليه وعلى ذويه.

طلب والد الصبي كان رائعــًا فهو لم يطلب من يسوع إلا أن يرحم أبنهُ المصروع “إرحم أبني يا سيدي…” وكأننا في طقسنا الكنسي أمام الشماس الذي يصلي للرب قائلا ً: “وطالِبـون الرحـمـة والغفران من الله ربِّ الــــكــل” “وْشألِـينَن رَاحْمي وشوقانـا من آلاها ماري كُل”. فيجيب الشعب بثقة: “اغفرْ يـا رب خطايانا وزلاتنا” “ماريا حَسَّـا حْطاهِـي وسَخِلواثا دْعَـودَيك”.

طلبَ الأب من يسوع الرحمة لإبنهِ المريض، فشافى الطبيب المحب إبنهُ بسرعة، ويطلب الشعب اليوم الرحمة من لدن نفس الطبيب هذا لأنهُ يتقلب في نفس الجحيم مارًا في حياته اليومية بصعوبات تعصف وتؤرجح حياته العائلية والعملية والاجتماعية فترميه هنا وهناك مرتطمـًا بحجرة ٍتلو الأخر ومن ألم ٍلأخر فيتنمى ويترجى أن تنتهي حياته ويتوقف بالتالي مسلسل الألم الدائم. وهذا بالضبط ما يريده الشرير الذي كان يؤثر على حياة الابن المصروع، كان يريد إنهاء حياته.

غير إن واهب الحياة لبني البشر لهُ رأيٌ أخر، فهو جاء لتكون لنا حياة أفضل، حياة ٌنتنعم بها وتملؤنا فرحـًا وسلام ً. فكلمة منهُ طردت الروح الشريرة من هذا الصبي واستجاب لدعاء ومناجاة والدهُ بدون نقاش. ظاهرًا حزمـًا كبيرًا مع تلاميذهِ ومع مستمعيه أيضـًا “أيها الجيلُ غير المؤمن الفاسد!”

رُبَ قائلا ًيقول: “لما العصبية والتأنيب يا رب.” يسوع يضيف على كلماته “إلى متى أبقى معكم؟” هذا لأنهُ يدرك خير إدراك بأن ساعته اقتربت وهو ينبأ بعد نص شفاء الصبي المصروع هذا بموتهِ لثاني مرة. أراد يسوع أن يأخذ التلاميذ أماكنهم كرجال يُعتمد عليهم وكرسل جاهزين للبدء بمهمتهم بعد صلبه. فقلدهم مهمة رائعة إلا وهي إعلان بشرى الخلاص والتحرر من قيود العبودية التي كبلنا بها الشيطان. قصة الصبي هذا بينت عجزهم وعدم جاهزيتهم بعد “فانفرد التلاميذ بيسوع وسألوهُ: “لماذا عجزنا نحن عن أن نطردهُ؟”” فأجابهم يسوع معللا ًذلك بقلة إيمانهم.

اليوم نحن الذين استلمنا مهمة نشر محبة المسيح وأصبحنا بعمادنا رُسلا ًلهُ على وجه هذه الأرض قد ينقصنا ما نقص تلاميذهُ في تلك اللحظة فعجزوا أن يشفوا تلك النفس المعذبة. فلكي نكون تلاميذ ورسل على شاكلة رسل المسيح علينا التحلي بالإيمان. والإيمان ليست كلمة تطلقها حناجرنا بين الآونة والأخرى ونرددها على مسامع الآخرين لإظهار انتماءنا الديني والمذهبي أو حبنا لله خالقنا.

الإيمان قبل كل شئ هو وثوق تام وتصديق بلا شروط بحقيقة وجود وعمل ومساندة وحب الله للبشرية جمعـاء. ثقتنا هذه يجب تجسيدها على أرض الواقع فلذى يقول الرب لتلاميذه بخصوص ذلك الشيطان الذي كان يرمي الصبي تارة ً في النار وتارة ًأخرى في الماء بأن ذلك الجنس لا يُطرد إلا بالصوم والصلاة وبعدها يبدأ العطاء للأخرين. صومٌ وصلاة ٌوصدقة (عطاء) تـُجسد إيماننا بالرب وبتعاليمه وتجعلنا رسل لكلمته الحية الشافية من كل علة.

نحنُ الشرقيون إيماننا متوارث فـَولـِدنا مسيحيين وعُـمِـدنا بجرن العماد الطاهر منذ نعومة أظافرنا. واليوم يدعونا يسوع أن نتمسك أكثر من أي وقت مضى بما ورثناهُ من ميراث ٍرائع ٍتنعمنا بهِ ونحن صغار ونسيه البعض أو ركنهُ على الرف بعد أن أصبحوا كبار. عمق إيماننا بالمسيح وعمق إيمان كنيستنا بكلمة الرب يجب أن يواكبه كرازة ببشراه السارة، إنطلاق وإنفتاح نحو عالم متعطش لشهادتنا كرسل وسفراء غيورين على ميراث الرب.

إيمانٌ بسيط ٌ، صغيرٌ بقدر حبة الخردل سيعمل معجزات، فما بالنا لو تكاتفنا وتعاضدنا واتحدنا مشتركين معـًا بإيمان ٍواحد ٍلا يتزعزع، تُرى ماذا ستكون النتيجة ؟ وكم مريض سنشفي في درب حياتنا ؟

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO