تأمل في إنجيل الأحد الثالث من إيليا

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١٢ أيلول ٢٠١٠

الثالث من إيليا

مت ١٣ : ٢٤-٤٣

()أما الأبرارُ، فيُشرقون كالشَّمس في مَلكوتِ أبيهِم.((

ثلاثة أمثلة يسردها يسوع للجمع الذي ازدحم حولهُ وهو جالس بجانب البحر. سردها بعد أن سرد عليهم من قبل مثل الزارع الذي بين استقبال المؤمن لكلمة الله الحية ورغبته بإعطائها الفرصة لكي تنمو وتعطي ثمرًا. وفي هذه المرة يبقى يسوع في نفس مجتمع مستمعيه فيحاكيهم بلغة الأمثال وهي لغة بسيطة تمس الجمع الملتف حوله كما ويحاكيهم أيضـًا عن كلمة الله ومدى فعاليتها في نفس الإنسان مرورًا بموضوع يشكل عنصرًا مهمـًا من حياة مستمعيه إلا وهو الزراعة. فمثل الزارع يتبعهُ مثل الزؤان ثم مثل حبة الخردل وبعدها مثل الخميرة وكلها متعلقة بمهنة شعب جاء إليه يسوع ليزرع في قلبه حب الله وبشراه السارة فيغدو البشر مبررين داخلين في علاقة جديدة مع الله خالقهم إلا وهي علاقة البنوة الإلهية.

مثل الزؤان أصاب ويصيب صميم الكينونة البشرية فهو يقدم بطريقة مبسطة تعب وصبر الله من جهة وحياة الإنسان التي تـُملئ بين الحين والأخر بهموم الدنيا ومشاغلها ومغرياتها فتبعده شيئــًا فشيئــًا عن الله. فالبار ليس بمأمن من الشرير بل بالعكس. فهو الذي تتم مضايقتهُ دومـًا من خلال مغريات العالم التي تــُقدم لهُ في طبق من ذهب كي تنزع ثوب البرارة منه وتضمه لعالم الظلام.

قد تقودنا ذاكرتنا لإعادة قراءة حياة القديس أنطوان الذي حاربه الشريرة بشتى المغـريات وزرع أمامه شتى العوائق كي يحيد عن طريق الخالق. غير إنه أصـر بالرغـم من كـل شئ وعانى كي يكـون عـود قمـح ٍمثمر وبار في حقل ومخزن الرب. فدخل ملكوت الله من أوسع أبوابها واصدًا أبواب الشرير خلفهُ.

المشاكل التي تصيب المؤمن والمعوقات التي تعترض طريقه والمنغصات التي يرتطم بها بين الأونة والأخرى هدفها هو واحد، وهو جر الإنسان إلى عالم حيث يسود فيه غياب الله. وذلك العالم خال من الحياة فبغياب واهب الحياة لا توجد حياة تذكر.

الشرير ينتهز الفرصة ليقتنص بالمؤمن فيزرع في حياته شتى المغريات (الزؤان) التي تبدو للوهلة الأولى جزءًا طبيعيـًا من الحياة اليومية للمؤمن غير إن (عَدُوٌ فعلَ هذا). لكنها يومـًا بعد أخر تبدأ بأخذ بعدًا أكثر قساوة مع الإنسان وأكثر عدوانية مع الله ومع بذور المحبة التي غرسها في من هو على صورته ومثاله. فيبدأ الزؤان بأخذ الجزء الكبير من حياة الإنسان ويمتص من ماء وغذاء نبتة المحبة المغروسة في قلبه ليذبلها ويميتها فتغدو حياة الإنسان حقل مليء بالزؤان المضر والغير مفيد وخالي من المحبة.

المدهش في هذا المثل هو دهاء الشرير فهو يتربص بالإنسان وبغفلة يغرس نبتته المميتة. يجئ حينما يغفو الإنسان في نوم ٍعميق (وبينما الناسُ نيامٌ، جاءَ عدوهُ وزرعَ بين القمح ِزؤانـًا ومضى.). الإنسان المؤمن يحتاج إلى اليقظة والإيمان القوي. فباليقظة والسهر والصلاة سيميز ما زرعه العدو في حياته من شر وبغض فيرمي في خارج نفسه ما يراه مؤذيـًا ومضرًا ويستمر في مسيره القويم. وسيثق في نفس الوقت، بفضل قوة إيمانه، بقدرة الله على تبريره وتنقيته وتطهيره من كل شائبة إذا ما نبتت في قلبه.

كما إن المدهش والرائع أيضــًا هو صبر الله (الزارع) الذي كد وتعب وصبر كي يكون الإنسان على أبهى صورة فهو على صورته ومثاله وبعد كل هذا يجئ العدو غفلة فيزرع زؤانه المميت في حقل الرب. لم يقلع الزارع القمح مباشرة ًولم يحرق كل شئ بل طلب إن يـُترك كل شئ إلى يوم الحصاد فيميز الزرع الجيد من الزؤان (لا، لئلا تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان. فاتركوا القمح ينموا من الزؤان إلى يوم الحصاد، فأقول للحصادين : أجمعوا الزؤان أولا ًوآحزموهُ حزمـًا ليُحرق، وأما القمح فآجمعوه إلى مخزني.)

صبر ومحبة الله الأب ليس لهما حدود وأناة الرب لا يمكن قياسها غير إن الإنسان لا يستطيع تخمين ومعرفة الوقت الذي يطلب فيه الرب قمحهُ الجيد ليدخله في مخزنه أي في ملكوته.

إيماننا وثقتنا بالله تجعلنا واثقين كل الثقة من إن الله بجنبنا ينقينا ويطهرنا من أثامنا فيدخلنا بفرح غامر إلى ملكوته الرباني ويغمرنا أكثر وأكثر من محبته اللامتناهية.

لن تفتر عزيمتنا أو تخور إذا ما رأينا بأن عدد من يعيش كلمه الله ويثق به ويؤمن بفداءه على الصليب قليلون. فإذا كانا خميرًا طيبـًا سننشر كلمته بأنفسنا ونزيد غلة القمح الطيب وإذا ما كنا بصدق حبة الخردل تلك الصغيرة فسننمو بمحبة الرب ونكبر لنكون شجرة ً يعشعش فيها من يود الدخول إلى ملكوت أبينا السماوي.

فلنشرق كشمس ساطعة نور الله أمام من يرانا لأننا أبناء أبرار واثقين من ملكوته الرباني.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO