تأمل في إنجيل الأحد الأول من الصليب

تأمل في إنجيل الأحد

الأحد ١٩ أيلول ٢٠١٠

الأول من الصليب

مت ٤ : ١٢-٥ : ١٦

()أنتم ملحُ الأرض …. أنتم نورُ العالم.((

أحتفلت الكنيسة قبل أيام بعيد الصليب المقدس، ذلك الصليب الذي رفع جسد المسيح الفادي وهو نفس الصليب الذي إريق عليه دم يسوع فارتوى من دم حمل الله الحي المذبوح لأجلنا ولأجل البشرية جمعاء. صليب المسيح هذا بمعانيه الكبيرة أعتبره الوثنيين جنون أما اليهود فاعتبروه عار إلا إنهُ لنا أصبح إنتصارًا وهذا ما يؤكد عليه القديس بولس. الأمر لا يعدو مقولة للقديس بولس بل ذلك السؤال يعيد نفسه اليوم فلو أخذنا وتأملنا بالصليب الذي هو أداة تعذيب وقتل، أداة إنهاء حياة من على وجه الأرض، أداة عـُلق عليها لصوص ومجرمين وسفاحين قتلة عاثوا في الأرض فسادًا. فلو فرضنا بوجود شخص قريب علينا في عائلتنا حـُكم عليه بالموت بعد أن أدانته، فهل من المعقول أن نفرح ونبتهج ونعلق على صدورنا الرصاصة التي رُمي بها وقتلتهُ أو المقصلة التي قطعت عنقه ؟ بالتأكيد لا، لأننا سيملؤنا العار وسننكس رؤوسنا نحو الأرض عند مسيرنا في الطريق وسنرفض رؤية تلك الأداة التي أخذت روحهُ منا.

إلا إننا كمسيحيين نفتخر بالمصلوب ونعلق الصليب باعتزاز كبير لأنهُ رمز للفداء وللحب في نفس الوقت. فالذي عـُلق عليه كان مجرمـًا بحبه الكبير لبني البشر، لأنهُ غمرهم بحب لا متناهي وبعيد عن كل مصلحة وأنانية. صليبنا هو رمز لحب ربنا وأبينا السماوي لنا وهو رمز لانتمائنا لعائلة واحدة إلا وهي عائلة أبناء وبنات الله. الصليب بـَينَ من جهة حب الله الكبير وفداءهُ من أجل أحباءه، ومن جهة أخرى بـَينَ قساوة قلوب البشر وإنطفاء ضوء الغفران من حياتهم. فهم من قادوا فادينا ومخلصنا إلى الصليب وهم من شتموه وعيروه واقتسموا ثيابه ضاحكين.

صليبنا إذن هو يعكس من جهة عهد حب أبدي وسرمدي من لدن الله ويعكس من جهة أخرى وجه الإنسان العطش لفهم معنى الغفران والحب لأخيه الإنسان.

لم تكن بداية قساوة البشرية مع يسوع مباشرة ًبل سبقها عنفٌ كبير راح ضحيتهُ الكثير من أبناء الله. ونصنا اليوم يبدأ بأعتقال يوحنا المعمدان. فبالرغم من إن أعتقال يوحنا ولد ألم كبير لدى يسوع إلا إنه لم يوقف راسلته الربانية بل أصبح نقطة إنطلاق لتبشير العالم ببشرى سارة أصبحت مصدر خلاص لهم.

فنرى يسوع ينطلق راجعـًا من الجليل وتاركـًا الناصرة وساكنــًا كفرناحوم على شاطئ بحر الجليل ليكون لهُ نواة رائعة ستكون فيما بعد فريقـًا من الرسل الرائعين والغيورين على إيصال كلمته إلى أقصى بلاد المعمورة. فبطرس وأخيه أندرواس ويعقوب بن زبدي وأخيه يوحنا ساروا بلا تردد في طريق المحبة بعد سماعهم دعوة يسوع لهم.

إنطلق يسوع ولم يأبه للخطر المحدق به. بل عاشر صالبيه وشافى أمراض أبناء سامعيه وغمر بحبه كل من صادفه وسمع بشراه “فتبعه جموعٌ كثيرة ٌمن الجليل والمدن العشر وأرشليم واليهودية وعبر الأردن.” تبعهُ هذا الجمع الكبير ليس لغاية الإغتناء المادي بل لعطشهم روحيــًا لكلمة تروي فجوة الفراغ الذي تعاني منه إنسانية ذلك الزمان وإنسانية عصرنا اليوم. إلا وهي فجوة مجانية الحب !

حبٌ مجاني هو حبٌ خيالي في عالمنا اليوم. فالغايات تجتمع والمتطلبات والنيات الثانوية تظهر بظهور أي علامة من علامات تودد البشر لإخوتهم. إلا إن يسوع لم يدخل ولم يدخلنا في عالم العطاء من أجل الإستلام “أعطيك فتعطيني”، بل كما قال صديق ٌليّ يومـًا ما : “ما قاله يسوع أستطيع تلخيصه بـ “أزرع الورد في قلب أخيك، سيزهر يومـًا في قلبك”” هذا بالضبط ما أكد عليه يسوع في بشراه فبعطائنا المجاني للحب سيزيدنا الرب أكثر وأكثر ويغمرنا بحبه اللامتناهي.

أتباع حب الله لن يكونوا بمأمن من شر البعض فكرز يسوع للمؤمنين ببشراه عظة التطويبات وأظهر بأن من بين مؤمنيه سيكون بعضهم مساكين بالروح ومحرومين وودعاء وجياع وعطشى للحق ورحماء وأنقياء قلب وصانعي سلام ومضطهدين من أجل الحق ومعيرين ومضطهدين بسبب كلمته. كلهم سينالون أكليل الفرح والبهجة في سماوات أبينا القدوس.

إذا اضطـُهـِدنا يومـًا ما من قبل أخوتنا البشر وعُـيرنا وأجرمَ علينا بسبب حـُبنا لله الأب ولشعبه فهنيئـًا لنا لأننا ملحٌ صالح يعطي ويؤثر على طبق عالمنا الخالي من ذرات الحب ونكهة غفران الله. نحنُ قليلون، نعم! لكننا رائعون بإشراقنا لنور بهي، نور الله وعلامة وجوده، نورٌ أستلمناه في يوم عماذنا.

قالها يسوع للشعب يومـًا ما ويقولها لنا اليوم : “أنتم ملح الأرض …. أنتم نور العالم….” فلنعطي نكهة لعالمنا اليوم، نكهة حب ولنشع بحبنا هذا منيرين ظلام قلوب الكثيرين.

آمين ………

الأب مهند الطويل الدومنيكي

خوري خورنة مار أفرام الكلدانية في ليون / فرنسا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO