Church

تاريخ كنيسة المشرق الكلدانية ق1- 4

الجزء الاول: القرن الاول

الاب فيلكس الشابي

(أ- فجر المسيحية        ب- المسيحية في بلاد النهرين والمناطق المجاورة شرق الفرات)

أ‌)      فجر المسيحية:

ان الرسل وتلاميذ المسيح، بعد صعود المسيح واعلان ايمانهم به كانوا من اليهود فتم طردهم من المجامع اليهودية من جراء ايمانهم هذا. فبدأوا يلتقون في البيوت للأحتفال بذكرى موت وقيامة يسوع، وذلك من خلال كسرهم للخبز. اليهود المسيحيين اعتبروا مثل شيعة يهودية حتى سنة 70 ميلادية عندما فشلت الثورة اليهودية ضد الرومان ودُمر الهيكل للمرة الثانية والاخيرة على يد طيطوس. اجتمع الفريسيون في مدينة يمنيا من اجل تقرير مستقبل اليهودية، ومن احدى قراراتهم كان طرد اليهود الميسيحيون من مجامعهم. الرسل من جهتهم، ومن اجل اطاعة وصية الرب “اذهبوا وتلمذوا جميع الامم” متى (28: 18)، فبعد قبولهم للروح القدس بدأوا يبشرون بأنجيل المسيح، في اسرائيل اولا، ومن ثم بين جميع بقاع الارض، وأذ انتقلوا من اورشليم الى انطاكيا (تركيا) اكتسب اليهود المسيحيون لقبا جديدا اذ صار الناس يطلقون عليهم اسم “مسيحيون” للمرة الاولى (اعمال 11 :26).

1. بين النهرين في العهد الجديد:

رغم استخدام المسيحيين للعهد القديم، ظهرت حاجة ملحة الى كتاب يوثق حياة وتعاليم يسوع المسيح. الاناجيل وسفر اعمال الرسل كُتبوا ما بين سنة 70 – 100م. رسائل القديس بولس كتبت مبكرا في الفترة ما بين 50- 62 م. على الرغم من ان هذه الكتابات تحكي جوهريا عن يسوع وعما حدث في اورشليم، وسوريا، واسيا الصغرة، وروما من الجهة الغربية، الى ان بلادنا المشرقية: فرثيا، وميديا، وعيلام، وبلاد النهرين (اعمال 2: 5-11) مذكورة ايضا.

 ب) كنيسة المشرق (خلاصة مقتضبة): الكنيسة التي ولدت في بلاد النهرين دجلة والفرات عرفت ب “كنيسة المشرق”. عانت هذه الكنيسة اضطهادات جمة عبر التاريخ، من قبل ممالك وأديان مختلفة على حد سواء. يبدأ الاضطهاد الاول للمسيحيين مع الامبراطورية الفارسية (ق 1-6)، تبعتها الدولة العربية الاسلامية (ق 7-12)، ثم الغزو المغولي (ق 13-15)، واخيرا مع مجيء الامبراطورية العثمانية (ق 16-19). وعلى الرغم من كل هذه الاضطهادات فأن هذه الكنيسة قاومت وتوسعت، ناشرة رسالة المسيح من بابل الى الصين واليابان شرقا، والى روسيا وسيبريا شمالا، والى الهند والتيبيت جنوبا، والى بلاد الشام ومصر غربا! ان “كنيسة المشرق” توسعت جداً لدرجة انها اصبحت معروفة للقاصي والداني في العالم القديم، كما هو الحال مع الكنيسة الكاثوليكية في عالم اليوم.

 ب.1. متى دخلت المسيحية اراضينا؟

ان هذه القضية لا تزال تحت النقاش ولم تحسم بعد بسبب شحة المصادر التاريخية و الويلات والحروب التي عصفت ببلادنا عبر العصور. مع ذلك فمن خلال نظرة عامة الى الامور بأمكاننا ان نربط دخول المسيحية الى اراضينا مع القرن الاول الميلادي.

 ب.1.1. المجوس:

يقول بعض المؤرخين ان الملوك المجوس الذين قدموا لزيارة يسوع في بيت لحم (متى 2: 1-16)، قد يكونون اعلنوا بشارة المسيح لدى عودتهم الى اراضهم لسكان بلاد فارس والسكان بين النهرين وهم في طريق عودتهم من اورشليم. سليمان البصري (اصبح اسقفاً على البصرة وتوفي في ق 13) يقول: “لقد اصبح المجوس رسلا للمسيح، اذ بشروا بالاعاجيب التي حدثت عندما رجعوا الى اراضيهم، اذ كانوا قد اخذوا بعض قطع من قماط الطفل يسوع كبركة لهم.

ب. 1. 2. سكان بين النهرين وما حولها (اعمال 2: 5-11):

تذكر اعمال الرسل عدة قوميات كانت حاضرة في اورشليم  يوم عيد العنصرة (عيد ال50 يوما)، ومن بين هؤلاء نجد اناسا منهم اجدادنا وأراضينا “… انهم فرثيون، ماديون، وعيلاميون، سكنة بلاد النهرين…” (اعمال 2: 9). هكذا، فبعد حلول الروح القدس على التلاميذ من المحتمل ايضا أن هؤلاء الناس الملهمين بخطابات الرسل قد امنوا بالمسيح، وانهم شكلوا النواة الاولى للجماعة المسيحية في بلادنا، عندما وصل الرسل والتلاميذ الى بين النهرين سقوا تلك الشتلة الصغيرة فأينعت، مغذين اياها  بكلماتهم المقدسة ودمهم الطاهر! فأنهيت وازدهرت.

ب.2. من هم الرسل الذين بشروا في بلادنا؟

حسب التاريخ الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع، هناك اربعة رسل بشروا في بلادنا، وهؤلاء هم: مار توما الرسول (شفيع كنيسة المشرق)، ومار اداي، ومار اجاي، ومار ماري. هؤلاء بشروا في بلاد النهرين والمناطق المحيطة بها شرق نهر الفرات ولهذا السبب يعتبرون مؤسسي الكرسي الرسولي لساليق وقطيسفون “كرسي بابل البطريركي”. والان فلنلقي نظرة على كل واحد من هؤلاء الرسل الاربعة.

ب.2. 1. القديس توما الرسول:

احد التلاميذ الاثني عشر، معروف عند الكلدان وحسب اللغة الارامية ب “توما” او “تيوما” (اي توأم الرب). لربما، انه كان يشبه الرب يسوع، او لربما كان من احد اقاربه لكي يحصل على هذا اللقب المشرف. ان اغلب مؤرخي الكنيسة يعتبرون مار توما انه مؤسس المسيحية وواعظها الاول في بلاد النهرين وما يحيطها! انه لمن المؤكد بأن مار توما بشر في بلاد لهند وانه استشهد هناك ايضا، ويقول اوسابيوس اسقف قيصرية (ق 4) يقول: “ان توما بشر في  بلاد فارس وهو في طريقه الى الهند”. 

 ب.2. 1.1. كتاب اعمال مار توما (ق 3-4):

يروي لنا هذا الكتاب قصة مار توما في بلاد فارس وفي الهند حتى استشهاده. لقد كان مار توما مثله كمثل الرسل الاثني عشر بأنتظار الوجهة التي سينطلق اليها للبشارة. يروي الكتاب بأن قرعة اجريت بين التلاميذ فكانت بلاد الهند من نصيب مار توما. ثم تقول القصة بأن توما حاول التنصل من الذهاب الى الهند مثلما حاول يونان النبي التنصل من الذهاب الى نينوى. فقال للرسل بأنه سينتظر مدة يومين ويبتهل للروح ليعرف مشيئة الرب فيه. هكذا بعد انقضاء هذين اليومين وصل تاجر هندي الى اورشليم ليأخذ مار توما معه ليبشر في بلاده. توما هو نجار ومهندس معماري يأخذه التاجر حال وصوله الى الملك، فيفرح به الملك جدا ويطلب منه ان يبني له قصرا فخما. يستلم توما مالا كثيرا من الملك ويوعده بان قصره سيكون جاهزا مع نهاية الشتاء في هذه الاثناء استهل توما التبشير بسكان القصر وصولا الى الفقراء والمعدمين وبدأ يصرف المال للمحتاجين. حل شهر نيسان وطلب الملك رؤية قصره فذهب مع اخيه ومع توما لمعاينة المكان فلم يجدا شيئا. وغضب الملك وارسل توما الى السجن وأمر بقتله، ويذكر الكتاب اعاجيب كثيرة اجراها توما في الهند قبل مقتله حتى ان قسماً من الجنود الذين أخذوه الى القتل اهتدوا للمسيحية. تقدم احد الجنود الى ضرب قلبه بالرمح فأرداه قتيلا. بعدئذ اخذ جسد توما ودفن في المقبرة الملكية. وبعد فترة تمرض احد ابناء الملك فنصح اهل البلاط الملك باخذ ابنه الى قبر توما ليتبارك بعظامه فيشفى من دائه. وأذ وصل الملك بأبنه الى قبر توما مع حاشيته ورفع الحجر عنه لم يجدوا اثراً له. هنا يذكر الكتاب بان “احد الاخوة قد حمل رفاته الى الشرق”. ان هذا يؤكد لنا العلاقة القوية ما بين مار توما وبين كنيسة المشرق. ولما أخذ الملك قليلا من التراب الذي في القبر ووضعه على ابنه شفى في الحال فأمن الملك هو ايضا بالمسيحية.

 ب.2.2. مار اداي:

بموجب تاريخ الكنيسة هو احد تلاميذ يسوع الاثنين والسبعين، ارسل من قبل مار توما الى الشرق ثم تبعة مار ماري بعد 30 سنة من صعود ربنا يسوع المسيح الى السماء (حوالي سنة 65 م). اوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي يَعدّه من بين التلاميذ الاثني عشر، فحسب ان اداي هو تداوس، هذا الاسم مذكور مرتين في انجيلِي متى ومرقس (متى 10: 2-4، مرقس 3: 16-19)، في حين ان لوقا يسمّيه “يهوذا بن يعقوب” (لوقا 6: 13-16، اعمال 1: 13).

 ب.2.2. 1. “كتاب تعليم اداي”:

هذا الكتاب يعود للفترة ما بين (ق 4-5).  ويحوي معلومات اكثر مما يقدمه لنا اوسابيوس. يقول الكتاب: “ان ابجر الخامس ملك الرها المدعو اوكاما –اي الاسود- كان مريضا، وانه سمع بالرب يسوع وبالمعجزات الباهرة التي كان يعملها في اسرائيل. فأرسل اليه رسالة يطلب منه ان يأتي الى الرها فيشفيه واعداً اياه بان يعطيه نصف مملكته. يفرح الرب يسوع بهذه الرسالة لكنه يعتذر عن المجيء، لان رسالته كانت موجهه الى بني اسرائيل اولا! لكن يوعده بان يرسل احد رسله بعد صعوده الى السماء ليشفيه. عندما وصل اداي الى الرها بدأ يبشر فيها ويعمل المعجزات، سمع به الملك وناداه الى قصره فذهب اداي وشفاه ثم عمذه هو وسائر عائلته وكثير من اليهود والوثنيين في الرها. قبل موته يهيء اداي خليفته اجاي ويرسمه اسقفا على الرها، ثم يموت ويدفن بين ملوكها.

 ب.2. 3. القديس اجاي:

كان خياطا، اقتبل الرسامة والخلافة الرسولية من يَدَي اداي. في احد الايام ناداه الملك (وهو احد ابناء ابجرالخامس) ليخيط له بدلة ملكية مذهبة ومطرزة. رفض اجاي عرض الملك لانه ترك حياته القديمة وتفرغ للخدمة الرسولية. اغتاظ الملك منه وارسل جندا الى الكنيسة ليكسروا ساقيهِ وهو يعلم المؤمنين ويشرح لهم الكتب المقدسة. يخبرنا التقليد بأن اجاي بشر بالأنجيل الجهة الشرقية من نهر الفرات في بلاد فرثية وأشور وارمينيا وجورجيا وبابل ومناطق اخرى كثيرة.

ب.2. 4. القديس ماري:

تلميذ اخر من تلاميذ اداي الرسول. اُرسل الى المشرق بعد استلامه الرسامة من اداي.  بشر في بلاد بابل.

ب.2. 4. 1. كتاب اعمال مار ماري:

كتاب يروي لنا احداث ارسالية مار ماري فيقول “ان ماري ذهب الى منطقة بابل وبشر سائر المناطق المجاورة لها: كالأهواز، وشط العرب، وبلاد فارس، وكشكر… ثم توجه الى منطقة سلوقيا-قطيسفون حيث اسس هناك كنيسة كوخي –اي مُجمع الاكواخ او المنازل- وذلك لأن ماري كان قد شفا بنت رئيس قطيسفون، فأهدى الاخير مجمع المنازل الذي يملكه الى ماري كعلامة عرفان للجميل الذي صنعه معه”.

ب.2 .4. 2. قداس اداي وماري:

احد اثمن الكنوز التي تمتلكها كنيسة المشرق الكلدانية. ان طقس الذبيحة الالهية للكنيسة الكلدانية والتي لا زالت تستعمله الى يومنا هذا يأتي من تلميذي يسوع اداي وماري. انه اقدم واثمن طقس مقدس وألاكثر اصالة في عموم الكنيسة المسيحية، اذ لا تتجرأ كنيسة اخرى للأدعاء بأن لها طقسا للذبيحة الالهية اكثر قدما واصالة من قداس اداي وماري. لذا ينبغي علينا ان نكون فخورين بما تمتلكه كنيستنا الكلدانية من كنوز ومن بينها تاريخها ايضا الذي نحن بصدده الان، لأنه يحكي لنا ما سطره  اباؤنا واجدادنا في الايمان من بطولات وملاحم تبقى لنا شعلة مضيئة في الدرب لأجيال طوال.

 

 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني

دستور عقائدي في الكنيسة

 Lumen Gentium

الجلسة الخامسة العلنيّة، 21 تشرين الثاني 1964:

الفصل الأول: سرّ الكنيسة

توطئة

 

 4101 -1- المسيح هو نور الشّعوب ، لذلك يرغب المجمع المقدّس الملتئم في الرّوح القدس، رغبةً حارةً في أن يستنير جميع الناس بنور المسيح المتألق على وجه الكنيسة، باعتلان الإنجيل للخليقة كلّها (مر 16: 15).ولمّا كانت الكنيسة هي في المسيح بمثابة السرّ، أيّ العلامة والأداة في الاتّحاد الصّميم بالله ووحدة الجنس البشريّ برمتّه، فإنها بالاستناد إلى تعليم المجامع السّالفة، تروم أن توضح بوجه أدقّ، لمؤمنيها للعالم كلّه أجمع، طبيعتها الذاتيّة ورسالتها الجامعة، ولا سيمّا وإنّ الأحوال الراهنة تلّح عليها بقضاء هذا الواجب لكي يتمكن الناس من أن يحققّوا، هم أيضاً، وحدتهم التامة في المسيح، بعد إذ باتوا اليوم على اتّصال أوثق في ما بينهم بروابط الاجتماع والتقّنية والثقافة.قصد الله الآب خلاص الناس.

 

4102 -2- إنّ الآب الأزليّ، بتدبير حكمته وجودته الحرّ الخفي، قد أبدع الكون بأسره، وقضى بأن يرفع الناس إلى مستوى الشّركة في حياته الإلهية، ولمّا زلّوا في آدم لم يهملهم، بل ظلّ على الدوام حادباً عليهم بأيده الخلاصيّ، من أجل المسيح الفادي “الذي هو صورة الله الغير المنظور، والمولود قبل كل خليقة” (كول 1: 15). ثم إن جميع المختارين الذين سبق الآب فعرفهم منذ قبل الدهور، قد “ميزّهم وحدّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه فيكون بكراً لأخوة كثيرين” (روم 8: 29)، وإنّ جميع الذين يؤمنون بالمسيح قرّر أن يدعوهم في الكنيسة المقدّسة، التي، بعد إذ بشر بها بالرموز منذ بدء العالم وهيّئت بوجه عجيب بتاريخ شعب اسرائيل والعهد العتيق، أنشئت في الأزمنة الأخيرة، وأعلنت بحلول الروح القدس، وستتم في المجد في اليوم الآخر، وإذ ذاك، كما ورد في الآباء القدّيسين، يجتمع عند الآب، في الكنيسة الجامعة، جميع الصدّيقين منذ آدم، “من هابيل البارّ إلى آخر مختار”.رسالة الابن

 

4103 -3- فقد أتى الابن إذن، وقد أرسله الآب الذي اصطفانا فيه من قبل إنشاء العالم،وقضى بأن نكون ابناءً بالتبنّي، لأنه شاء أن يجمع فيه كلّ شيء (أف 1: 14-5و10). وعملاً بمشيئة الآب أنشأ المسيح على الأرض ملكوت الله، وكشف لنا عن سرّه، وحقّق بطاعته فداءنا. وبدأت الكنيسة، أيّ ملكوت المسيح الحاضر حضوراً سريّاً، تنمو بقدرة الله في العالم، نمواً ظاهراً. وهذان الابتداء والنمو يرمز أليهما الدم والماء الخارجان من جنب يسوع المطعون على الصليب (يو 19: 34)، وتشير إليهما كلمات الربّ في موته مصلوباً: “وأمّا أنا فمتى ارتفعت عن الأرض اجتذبت إليّ كل شيء” (يو 12: 32). ومن ثمّ فكل مرة تقام على المذبح ذبيحة الصليب التي “ذبح بها المسيح فصحنا” (1 كور 5: 7)، يتمّ عمل افتدائنا، وكذلك تتمثل، في سرّ الخبز الإفخارستي، وحدة المؤمنين الذين يؤلفون في المسيح جسداً واحداً (1كو 10: 17)، وتتحقّق. فإلى الاتحاد بالمسيح الذي هو نور العالم، والذي نحن منه، وبه نحيا، وإليه المصير، دعي الناس كلّهم أجمعون.الروح الذي يقدّس الكنيسة ,

 

4104 -4- ولمّا أنجز العمل الذي كلّف الآب ابنه تحقيقه على الأرض (يو 17: 4)، أرسل الروح القدس، في يوم العنصرة، لكي يقدّس الكنيسة في استمرار، فيكفل للمؤمنين الدّخول إلى الآب بالمسيح في وحدة الروح (أف 2:8).فإنه هو روح الحياة، والنبع المتدفّق ماءً للحياة الأبدّية (يو 4: 14،7: 38-39). وبه يعطي الآب الحياة للذين أماتتهم الخطيئة، إلى يوم يبعث في المسيح أجسادهم المائتة (روم 8: 1-1).والروح يسكن في الكنيسة وفي قلوب المؤمنين كما في هيكل (1كور 3: 16،6: 19)، وفيهم يدعو،ولهم يشهد بأنهم أبناء الله بالتينّي (غلا 4: 6، رو 8: 15-16و26). وهذه الكنيسة التي يرشدها إلى الحقيقة كلّها (يو 16: 13) ويكفل لها وحدة الشركة والخدمة الرّوحية، يجهزّها ويقودها بمختلف المواهب، مواهب السّلطة ومواهب المنّة، ويزيّنها بثماره (أف 4: 11-12،1كور 12: 4،غلا 5: 22)، ثمّ إنه بقوّة الإنجيل يحفظ للكنيسة شبابها، ويجدّدوا في استمرار، سائراً بها إلى تمام الاتحاد بعريسها: ذلك بأنّ الروح والعروس يقولان للرّب يسوع: “هلّم” (رؤ 22: 17). وهكذا تظهر الكنيسة الجامعة “شعباً يستمدّ وحدته من وحدة الآب والابن والروح القدس”.ملكوت الله ,

 

4105  -5- وسرّ الكنيسة المقدّسة يتجلّى في تأسيسها. فالربّ يسوع أنشأ الكنيسة بإعلانه البشرى السعيدة، أيّ مجيء ملكوت الله الموعود في الأسفار المقدّسة منذ الدهور: “فإنّ الزمان قد تمّ، وملكوت الله ههنا” (مر 1: 15، متىّ 4: 17).ويتجلّى هذا الملكوت على عيون النّاس في كلام المسيح، وأعماله، وحضوره: فكلمة الرّب قد شبّهت بزرع يزرع في الحقل (مر 4: 14)، فالذين يصغون إليها بإيمان وينضوون إلى قطيع المسيح الصغير (لو 12: 32)، ينالون هذا الملكوت بالذات. ثمّ إنّ الزّرع ينبت بقوّته الذاتية، وينمو إلى يوم الحصاد (مر 4: 26-29). أمّا معجزات يسوع فهي الدليل على أنّ الملكوت قد أتى على الأرض: “فلئن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين فلأنّ ملكوت الله قد أتى في ما بينكم” (لو 11: 20، متّى 12:28). بيد أنّ الملكوت قد تجلّى أوّل ما تجلّى، في شخص المسيح بالذات، ابن الله وابن الإنسان،الذي “انما أتى ليخدم، ويبذل نفسه فديةً عن الجماعة” (مز 10: 45 ) .

 

4106- ولمّا نهض يسوع حيّاً، بعد ما قاسى الموت صلباً لأجل الناس، ظهر منصّباً رباً ومسيحاً وحبراً إلى الأبد (أع 2: 36، عب 5: 6، 7: 17-21)، وأفاض على تلاميذه الروح الذي وعد به الآب (أع 2: 33). ومن ثمّ فالكنيسة، وقد جهّزت بمواهب مؤسسها، وتسلك بأمانة في حفظ وصاياه في المحبّة والتواضع والكفر بالذات، تسلّمت رسالة الدعوة بملكوت الله والمسيح، وإنشائه في جميع الأمم، فكانت على الأرض بذرة هذا الملكوت وبدأه. غير أنّها فيما كانت تنمو شيئاً فشيئاً كانت تصبو إلى هذا الملكوت، راجيةً ومتمنيةً بكلّ قواها أن تتحد بملكها في المجد.صور الكنيسة المتنوّعة

 

4107 -6- وكما أنّ الوحي بالملكوت كثيراً ما ورد في العهد العتيق على وجوه من التمثيل، كذلك، اليوم أيضاً، يعرّف إلينا جوهر الكنيسة الصميم بصور متنوعة، مقتبسة من حياة الرّعاية، أو الزّراعة، أو البناء ، بل حتّى من الحياة العيلية أو الزّواج، ولها جذور في كتب الأنبياء

 

4108- فالكنيسة هي الحظيرة التي إنمّا المسيح بابها الذي لا باب سواه ولا بدّ منه (يو 10: 1-10)، وهي القطيع الذي أعلن الله من قبل أنّه سيكون هو راعيه (أش 40: 11، حز 34: 11وما بعده)، والذي يتعهّد نعاجه ويغذّيها- وإن يكن على رأسها رعاة بشر- هو المسيح بالذات، الرّاعي الصالح ورأس الرّعاة (يو 10: 11، 1بط 5: 4) الذي بذل نفسه عن نعاجه (يو 10: 11-15) .

 

4109 – وهي الأرض التي يزرعها الله، وحقله (1كور 3: 9). وفي هذا الحقل تنمو الزّيتونة القديمة التي كان الآباء أصلها المبارك، والتي بها جرت وستجرى المصالحة بين اليهود والأممييّن (روم 11: 13-26). وقد زرعها الكرّام السماويّ كرمةً مختارة (متّى 21: 33-43،أش 4: 1 وما بعده). والكرمة الحقيقية هي المسيح الذي يعطي الحياة والخصب للأغصان، أيّ لنا نحن الذين بالكنيسة نثبت فيه، وبدونه لا نستطيع شيئاً (يو 15: 1-5).

 

4110- وكثيراً ما تنعت الكنيسة بانها بناء الله (1كور 3: 9)، والربّ نفسه شبّه نفسه بالحجر الّذي رذله البنّاؤون ولكنّه صار رأس الزّاوية (متّى 21: 42، أع 4: 11،1بط 2: 7، مز 117: 22). وعلى هذا الأساس بنى الرّسل الكنيسة (1كو3: 11)، ومنه ثباتها وتلاحمها. وقد خصّ هذا البناء بتسميات متنوعة: فهو بيت الله (1تيم3: 15) الذي تسكن فيه أسرته، وهو مسكن الله في الروح (أف2: 19-22)، وخباء الله في الناس (رؤ 21: 3)، وهو بخاصة الهيكل المقدّس،الممثّل بالمعابد من حجارة، الذي أشاد به الآباء ، وتشبّهه الليترجيّا بحق بالمدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة. ذلك بأننا كالحجارة الحيّة في بنائها على الأرض (1بط2: 5).وهي تلك المدينة المقدّسة التي شاهدها يوحنا، في ساعة تجديد الكون، نازلةً من السماء، من عند الله، مهيأةً كالعروس المزيّنة لعريسها (رؤ 21: 1وما بعده).

 

4111- وسميّت الكنيسة أيضاً “أورشليم العليا” (غلا 4: 26، رؤ12: 17) و”أمّنا”، ونعتت بالعروس التي لا عيب فيها للحمل الذي لا عيب فيه (رؤ 19: 7 ،21 :2و9 ،22: 17)، التي “أحبها المسيح وأسلم ذاته لأجلها لكي يقدّسها” (أف 5: 26)، واقترن بها بعهد لا ينفصم، و”يغذّيها، ويعتني بها” (أف 5: 29). وبعدما طهّرها أراد أن تتحد به وتخضع له في الحبّ والأمانة (أف 5: 24)، وأخيراً، أسبغ عليها إلى الأبد نعماً سماويةً لكي ندرك حبّ الله والمسيح لنا، وهو حب يسمو على كلّ معرفة (أف3: 19). بيد أنّ الكنيسة تحسب نفسها، ما دامت في طريقها على الأرض بعيداً عن الرّب (2كور5: 6)، أنّها في المنفى، بحيث إنّها تنشد وتشتهي العلويّات حيث المسيح جالس إلى يمين الله، إلى أن تتجلّى الكنيسة مع عريسها في المجد (كول3: 1-4).الكنيسة جسد المسيح السرّي

 

4112  -7- ثم إنّ ابن الله افتدى الإنسان في الطّبيعة البشربّة التي اتّحد بها، بانتصاره بموته على الموت وبقيامته، وحوّله خليقةً جديدةً (غلا6: 15، 2كور5: 17). وإذ أحلّ روحه على إخوته الذين دعاهم من جميع الأمم جعلهم جسداً سريّاً له.وفي هذا الجسد تنتشر حياة المسيح في المؤمنين الذين بالأسرار يتّحدون سرّياً ولكن حقيقةً، بالمسيح المتألم والممجد: فبالمعمودية نصير على شبه المسيح “إذ إننّا قد اعتمدنا جميعاً في الروح الواحد لنكون جسداً واحداً” (1كور12: 13)، فإن هذه الرّتبة المقدّسة تمثل اتّحادنا بموت المسيح وقيامته، وتحقّقه.ذلك بأنّنا “دفنّا معه بالمعمودية في موته”. ولئن”كنّا قد صرنا معه كياناً واحداً بشبه موته فإنّنا نصيره أيضاً بشبه قيامته” (روم6: 4-5). وإذ نشترك حقاً في جسد الرب، في كسر الخبز الإفخارستيّ، نرتفع إلى الشركة معه وفي ما بيننا. و”إذ ليس سوى خبز واحد فإننا جميعاً جسد واحد، نحن المشتركين في هذا الخبز الواحد” (1كور10: 17)، وهكذا نصير جميعاً أعضاء هذا الجسد (1كور12: 27) و”أعضاءً بعضنا لبعض” (روم12: 5).

 

4113- وكما أنّ أعضاء الجسد البشريّ لا تؤلّف، على تعدّدها، إلاّ جسداً واحداً، كذلك أيضاً المؤمنين في المسيح (1كور12:12). ثم إنّه في عمل بناء جسد المسيح تتنوع الأعضاء والوظائف. فإنّه واحد الروح الذي يوزّع مواهبه، بحسب غناه ومستلزمات الخدم، لفائدة الكنيسة (1كور 12: 1-11). ومن بين هذه المواهب تحتل النعمة التي منحت للرّسل المحلّ الأول، فالروح عينه يخضع لسلطانهم أصحاب المواهب أنفسهم (1كور14). وهو الروح عينه- الذي يوحّد الجسد بقوّته وبترابط الأعضاء الصميمم-يولّد المحبة بين المؤمنين وينمّيها. لذلك إذا تألّم عضو تألّمت الأعضاء كلّها معه، وإذ أكرم عضو فرحت الأعضاء كلّها معه (1كور12: 26).

 

4114- ورأس هذا الجسد هو المسيح الذي هو صورة الله الغير المنظور، وبه كوّنت الأشياء كلّها. إنّه قائم قبل جميع الأشياء، وبه قيام كلّ شيء . إنّه رأس الجسد الذي هو الكنيسة. إنّه المبدأ، والبكر بين الأموات، لكي يكون له الأوليّة في كلّ شيء (كور11: 15-18). بعظمة قدرته يسود على ما في السماء وما في  الأرض، وبكماله وفعله المطلق يملأ الجسد كلّه بغنى مجده (أف1: 18-23).

 

4115    – فعلى جميع الأعضاء أن تسعى للتمثّل به إلى أن يتكون المسيح فيها (غلا 4: 19). من أجل ذلك أشركنا في أسرار حياته، وصوّرنا على مثاله، ونموت ونبعث معه، إلى أن نملك معه (فيل3: 21، 2 تيم2: 11، أف2: 6، كول2: 12 ألخ). وما دمنا في سفر على الأرض، نترسّم خطواته في الشدّة والاضطهاد، فإننّا نشترك في آلامه اشتراك الجسد في الرأس، متألّمين معه لنتمجّد معه (روم8: 17).ومنه “يستمد الجسد كلّه، بأليافه ومفاصله، الترابط والتلاؤم، ليبلغ نموه في الله” (كول2: 19). وهو الذي يوزع بلا انقطاع في جسده، أيّ في الكنيسة، مواهب الخدم التي بها نتبادل، بقوتّه، الخدمات المجدية للخلاص، حتّى إذا ما صدقنا في المحبّة ننمو في كلّ شيء في اتجاه من هو رأسنا (أف 4: 11-16 يوناني).

 

4116 – ولكي نتجدّد فيه باستمرار (أف3: 24) آتانا أن نشترك في روحه، الذي إذ هو واحد وهو عينه في الرأس  وفي الأعضاء، يحيي الجسد كلّه، ويوحّده، ويحرّكه، حتّى لقد شبّه الآباء القدّيسون فعله بوظيفة الروح التي هي مبدأ الحياة في الجسد.

 

4117 – ثمّ إنّ المسيح يحبّ الكنيسة من حيث هي عروسه، جاعلاً من نفسه غراراً للزوج الذي إذ يحبّ زوجته يحبّ جسده الخاص (أف5: 25-28)، وأمّا الكنيسة نفسها فتخضع لرأسها (أف5: 23-24). “ولمّا كان كلّ ملء اللاّهوت قد حلّ فيه جسديّاً” (كول 2: 9) فإنه يملأ بمواهبه الإلهية الكنيسة التي هي جسده وملئه (أف1: 22-23) لكي تسعى وتبلغ ملء الله كاملاً (أف 3: 19).الكنيسة منظورة وروحية معا

 

4118 -8- وإنّ المسيح، الوسيط الواحد، قد أقام على هذه الأرض كنيسته مقدّسةً، شركة إيمان ورجاء ومحبة، هيكلاً عضوياً منظوراً، وهو يسندها على الدوام، ويفيض بها على الجميع الحقيقة والنعمة. بيد أنّ هذا المجتمع المجهّز بأعضاء ذوي سلطات، جسد المسيح السرّي، الجماعة المنظورة والشركة الروحية، كنيسة الأرض والكنيسة الغنيّة بنعم السماء، يجب ألاّ يعدّ حقيقتين، بل هو حقيقة واحدة مركبة، ذات عنصرين بشريّ وإلهيّ.ومن ثمّ فليس من قبيل العبث في القياس أن يشبّه بسرّ الكلمة المتجسّد.فكما أنّ الطبيعة التي تدرّع بها الكلمة الإلهيّ يستخدمها أداةً حيّةً للخلاص متّحدةً به اتّحاداً لا ينفصم، كذلك أيضاً المركب العضويّ المجتمعيّ الذي تتألّف منه الكنيسة يستخدمه روح المسيح، الذي يحييه، سبيلاً إلى نموّ الجسد (أف4: 16).

 

4119- تلك هي كنيسة المسيح الواحدة التي نعترف بها في قانون الإيمان بأنّها واحدة مقدّسة جامعة رسوليّة،والتي سلّمها مخلّصنا بعد قيامته إلى بطرس لكي يكون لها راعياً (يو21: 17)، والتي أناط ببطرس وسائر الرسل أمر نشرها وقيادتها (متّى 28: 18وما بعده)، والتي أقامها على الدّوام “عموداً للحقيقة وقاعدةً لها” (1تيم 3: 15). هذه الكنيسة التي أنشئت ونظّمت كمجتمع في هذا العالم إنمّا تستمرّ في الكنيسة الكاثوليكيّة التي يسوسها خليفة بطرس والأساقفة الذين هم على الشركة معه، وإن تكن عناصر عديدة للتقديس والحقيقة لا تزال قائمةً خارج هيكلها العضويّ المنظور، من حيث هي مواهب خاصة بكنيسة المسيح، إلى الوحدة الكاثوليكية.

 

4120- ولمّا كان المسيح قد تمّم عمله الفدائي في الفقر والاضطهاد فإن الكنيسة قد دعيت هي أيضاً إلى انتهاج هذه الطريق عينها لكي تشرك الناس في ثمار الخلاص. فالمسيح يسوع “إذ كان في حالة الله لا شيء ذاته، آخذاً حالة عبد” (فيل 2: 6)، ولأجلنا، “هو الغني، صار فقيراً” (2كور8: 9)، كذلك الكنيسة أيضاً، فإنها على كونها تفتقر إلى موارد بشريّة للقيام برسالتها،لم توجد لتطلب المجد الدنيوي، بل لتعلّم بمثالها أيضاً ما التواضع والكفر بالذات.فالمسيح قد أرسله الآب “ليبشر المساكين ويجير القلوب الكسيرة” (لو 4: 18) و”يطلب ويخلص ما كان هالكاً” (لو 19: 10)، كذلك الكنيسة تغمر بحبّها جميع الذين يرهقهم الضعف البشريّ بل ترى في الفقراء والمتألّمين صورة مؤسّسها الفقير  المتألم، وتعمل جاهدةً على تلطيف بؤسهم، وتريد أن تخدم المسيح فيهم. ولكن فيما المسيح “القدّوس البريء ولا عيب فيه” (عب7: 26) لم يعرف الخطيئة (2كور5: 21) بل أتى ليكفّر عن خطايا الشعب فقط (عب2: 17)، فإنّ الكنيسة التي تضم في حضنها الخطأة هي، في آن واحد، مقدّسة ومفتقرة دائماً إلى التّطهير، ولا تني عاكفةً على التوبة والتجدّد.

 

4121   – والكنيسة “تواصل طريقها ما بين اضطهادات العالم وتعزيات الله”، مبشّرةً بصليب الربّ وموته إلى أن يأتي (1كور11: 26). إنمّا تتقوّى بقوة الرّب النّاهض من الموت، لكي تتغلّب بالصبر والمحبّة على مضايقها ومصاعبها التي من الدّاخل ومن الخارج، وتكشف للعالم بأمانة سرّ الرّب الذي لن ينفكّ يغشاه الظلّ إلى أن يتجلّى في النهاية في وضح النّور.الفصل الثاني: شعب اللهالعهد الجديد والشعب الجديد.

 

4122 -9- إنّ من يتّقي الله ويعمل البرّ، في كلّ زمان وكلّ أمّة، لمقبول عند الله (أع 10: 35). وإنّما شاء الله أن يقدّس الناس ويخلّصهم، لا متفرّقين بدون ما ترابط في ما بينهم، بل أراد أن يجعلهم شعباً يعرفه في الحقيقة ويخدمه في القداسة.فاختار لنفسه شعب إسرائيل شعباً، وقطع معه عهداً، ونشّأة شيئاً فشيئاً، مظهراً له نفسه ومقاصده في غضون تاريخه، ومقدّساً إيّاه لنفسه. بيد أن هذا كلّه كان على سبيل التهيئة والرمز للعهد الجديد الكامل الذي سيبرم في المسيح، وللوحي الكامل الذي سينزل به كلمة الله المتجسد نفسه:”ها إنّها تأتي أيام، يقول الربّ، أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهداً جديداً… فأجعل شريعتي في أحشائهم، واكتبها في قلوبهم، وأكون إلهم ويكونون شعبي … وكلهم سيعرفوني من أكبرهم إلى أصغرهم، يقول الربّ” (ار35: 31-34). فهذا العهد الجديد هو العهد الذي أبرمه المسيح، العهد الجديد بدمه (1كور11: 25)، داعياً اليهود والأممييّن ليجعل منهم شعباً يجتمع في الوحدة، لا يحسب الجسد بل بحسب الروح، ويصير شعب الله الجديد.ومن ثمّ فإنّ الذين يؤمنون بالمسيح- وقد ولدوا ثانيةً لا من زرع قابل الفساد بل من زرع لا يفسد، وهو كلمة الله الحيّ (1بط1: 23)، ولا من الجسد بل من الماء والروح القدس (يو3: 5-6)- أقيموا أخيراً “ذريّةً مختارةً، كهنوتاً ملوكيّاً، أمّةً مقدّسةً، شعباً مقتنى… لم يكونوا من قبل شعباً فصاروا اليوم شعب الله (1بط2: 9-10) .

 

4123 – فهذا الشعب المسيحانيّ رأسه المسيح “الذي أسلم من أجل خطايانا وقام لأجل برنّا” (روم 4: 25)، الذي، بعد إذ نال اسماً لا اسم فوقه، يملك الآن مجيداً في السماوات.وهذا الشعب حاله حال الكرامة وحريّة أبناء الله، في قلوبهم يسكن الروح القدس سكناه في هيكله.وشريعته الوصية الجديدة: أن يحبّ كما أحبنا المسيح نفسه (يو13: 34). وغايته أخيراً ملكوت الله الذي بدأه الله نفسه على الأرض، وعليه أن يمتدّ من بعد إلى أن يتمّه الله نفسه، في آخر الزمان، عندما يظهر المسيح حياتنا (كول3: 4)، “وتعتق الخليقة من عبودية الفساد إلى حرّية مجد أبناء الله” (روم8: 21). وهذا الشعب المسيحانيّ، وإن كان بعد لا يضمّ في الواقع جميع الناس، ويبدو في الغالب بمظهر القطيع الصغير، فهو مع ذلك للجنس البشري برمّته، نواة وحدة ورجاء وخلاص بالغ الفعاليّة. لقد أقامه المسيح شركة حياة ومحبّة وحقيقة، وهو في يده أيضاً أداة الفداء لجميع الناس، وأرسله في العالم كلّه نوراً للعالم وملحاً للأرض (متّى5: 13-16)

 4124- وكما أنّ اسرائيل بحسب الجسد قد دعي، فيما كان سالكاً  في القفر، بكنيسة الله (عز13: 1،عد20: 4،تث23: 1 وما بعده)،كذلك اسرائيل الجديد، السالك في الدهر الحاضر في طلب الآتية الباقية (عب13: 14)، قد دعي هو أيضاً بكنيسة المسيح (متّى16: 18)، لأنه هو الذي اقتناه بدمه (أع 20: 28)، وملأها من روحه، وجهّزها بالوسائل المؤاتية لأجل اتّحادها الظاهر المجتمعّي. فإنّ الله قد دعا جماعة الذين في الإيمان ينظرون إلى يسوع، صانع الخلاص ومبدأ الوحدة والسلام، وأنشأ منهم الكنيسة لكي تكون للجميع ولكلّ واحد منهم السرّ المنظور لهذه الوحدة الخلاصيّة. ولمّا كان عليها أن تمتدّ إلى جميع المناطق دخلت تاريخ البشر على كونها تتخطى حدود الشعوب في الزمان والمكان.وإذ تسلك الكنيسة طريقها في وسط المحن والشدائد يعضدها الله بقوّة نعمته التي وعدها الربّ بها لئلا تخلّ بالامانة الكاملة بسبب وهن الجسد، بل تظلّ لربّها العروس الخليقة به، وتستمرّ على التجدّد الذاتي بفعل الروح القدس إلى أن تبلغ في طريق الصليب النور الذي لا يعقبه غروب.

 

Michigan SEO