Lives of Saints

تذكار مار ميخا النوهدري

تذكار مار ميخا النوهدري

الشماس نوري إيشوع مندو

مار ميخا النوهدري: ولد في منطقة نوهدرا في العقد الأول من القرن الرابع الميلادي، حوالي سنة 309 م، ولقب بالنوهدري نسبة إلى منطقة نوهدرا، التي تشمل سهول منطقة نينوى، المحصورة مابين صحراء ما بين النهرين وجبال شمال العراق. كان أبواه مجوسيين، وأجداده من رؤساء المجوس وندماء الملك. أبوه يدعى كور شاه، وقد تنصر والداه واقتبلا المعمودية من يد القديس مار أوجين أبي الرهبان في المشرق.

كان ميخا يميل إلى الكنيسة منذ صغره، فأودعه والداه الكنيسة ليقيم فيها، ويتربى التربية المسيحية. فتعلم اللغة والطقس، وختم كتاب المزامير. وكانت الكنيسة بعيدة عن موطن أبويه، فكان الوالدان يزورانه مرة واحدة كل سنة، ويجلبان له كميات من المال والملابس والمأكل والمشرب. أما هو فما أن يودع والديه حتى يعود ويوزع كل خيراته على الفقراء والمعوزين، ولا يترك له منها إلا الشيء القليل، مما يدل على بذور الخير التي كانت كامنة في كيانه منذ نعومة أظفاره. وبقي هناك حتى اشتد عوده، وقوي عظمه، ونهل من الكتب الإلهية قدراً كبيراً من العلم والمعرفة، وأصبح أهلاً للانخراط في سلك الرهبنة، التي كانت أمنيته ومبتغاه.

توجه للانضمام إلى الحياة الرهبانية في جبل إيزلا، فقبله مار أوجين في ديره وألبسه الأسكيم الرهباني. فقضى مار ميخا في الدير قرابة عشرين سنة، كان فيها مثال الراهب التقي الورع المطيع لقوانين الدير، المتمثل لأوامر الرؤساء، المكمل لكل الواجبات التي تفرضها عليه حياة الرهبنة. فكان مار أوجين يحبه حباً عظيماً ويعامله كأبنه، ويخصه بمنزلة متميزة عن أخوته الرهبان. وقد اصطحبه إلى نصيبين لزيارة أسقفها مار يعقوب النصيبيني، كما رافقه إلى جبل جودي لتكريس الدير الذي ابتناه هناك مار يعقوب النصيبيني، والمعروف بدير قيبوثا ” الفلك “، وذلك في الموضع الذي رست فيه سفينة نوح.

سنة 361 اضطهاد يوليانس الكنيسة، فهرب جميع الرهبان من الدير، ولم يبق فيه سوى مار أوجين وعشرة من الأخوة الرهبان. فعاش مار ميخا في تلك الفترة متوحداً في كوخ صغير، عيشة التقشف والشظف، ممارساً كافة العذابات الجسمية لترويض جسده وإماتة شهواته، قاضياً الليالي بالصلاة والتأمل وقراءة الكتب المقدسة. وقد تعرض عدة مرات لتجارب وإغراءات الجسد والمال، فكان يقاومها ويتغلب عليها بشجاعة وإصرار، من خلال تمسكه بالصوم والصلاة والعبادة ليلاً ونهاراً. وقد كوفيء من الرب بمنحه قدرة إلهية تعينه على شفاء المرضى من عللهم الجسدية والروحية، فشاع خبره في تلك الأصقاع، فأتوا إليه فشفاهم بقوة الله.

 

خطرت لمار ميخا فكرة زيارة الديار المقدسة، للتبرك والصلاة بجوار القبر المقدس. فشد الرحال، وما أن وصل دمشق حتى زار الهيكل الذي يضم رفات مار يوحنا المعمدان. ومن هناك توجه إلى أورشليم برفقة رجلين كانا يقصدانها، وفي الطريق تعرض لهم قطاع الطرق وأرادوا سلبهم، ولما لم يجدوا شيئاً عندهم حسبوهم جواسيس فحبسوهم في مغارة. وفي تلك الليلة حدثت أعجوبة، حيث أن اللصوص بعد ذهابهم ألمّ بهم فظيع قضَّ مضجعهم، وترك سهاد طوال الليل يتقلبون على الفراش من شدة الألم. ولما بحثوا عن السبب، لم يجدوا غير ظلمهم على أولئك المسافرين الأبرياء المسجونين في المغارة، وما هذا الألم إلا عقاب لهم بسببهم.

وما أن طلع الصباح حتى أسرعوا إلى تلك المغارة وأطلقوا سراحهم، وطلبوا منهم العفو والمغفرة. فاشترط عليهم مار ميخا بأن يتوبوا ويكفوا عن أعمال الشر. فقبل اللصوص طلبه، وتابوا وندموا فزال عنهم الألم، وتعافوا لساعتها. ثم واصل مار ميخا ورفيقاه السير إلى أورشليم، حتى بلغوها ودخلوا إليها.

دخل مار ميخا المدينة المقدسة وهو ممتلئ شوقاً ولهفة لزيارة جميع المواقع التي وطئها يوماً المخلص، وأراد أن يدخل إلى كل مكان دخله يسوع، وينصت إلى صوته يجلجل في الهيكل يعلم ويوبخ الكتبة والفريسيين على أعمالهم، ويسير في الأزقة التي سار فيها المخلص حاملاً صليبه على منكبيه. وأخيراً وصل القبر المقدس، فدخله بخشوع ورهبة، وسجد مبتهلاً إلى من دفن فيه، وقام منه أن يعينه على اقتفاء أثره والسير على هديه.

وفي أورشليم التقى بفلابيانس مطران أنطاكية، فرحب به وفرح بلقائه. وصادف في تلك الأيام أن جاء أناس من طرسوس يطلبون من فلابيانس أن يرسم لهم أسقفاً، فأشار عليهم أن يطلبوا مار ميخا فوافقوا. وألح عليه فلابيانس أن يقبل طلبتهم، لأنه مختار من الله لرعاية خرافه فوافق.

وفي يوم عيد العنصرة وضع فلابيانس يده على ميخا، ورسمه مطراناً على طرسوس. وبعد عدة أيام اختفى ميخا، وطلبه أهالي طرسوس فلم يجدوه. فقد خرج ليلاً قاصداً جبل سيناء، وكان الدافع على ذلك تواضعه واشتياقه إلى حياة النسك والتوحد. وما أن وصل هناك حتى زار المكان الذي نزل فيه الوحي على موسى النبي.

وخرج من هناك قاصداً برية الاسقيط، حيث عدد كبير من الأخوة الرهبان يعيشون عيشة الزهد، والانقطاع عن العالم وعبادة الله في صمت وهدوء. وبعد أن اطلع على حياتهم ونمط معيشتهم، ابتعد في عمق البرية وهناك وجد كوخاً اتخذه مسكناً له. وعاش فيه عشرين سنة منقطعاً كلياً عن العالم، يعبد ربه ويناجيه ليل نهار بالصلاة والصوم. وكان يقتات في كل هذه السنين على حشائش البرية، التي أضحت قوته اليومي. وفي إحدى الليالي بينما كان منقطعاً إلى خالقه في صلاة حارة، أوحي إليه أن يعود إلى الشرق، ويبني ديراً في ألقوش. فقام لتوه وشد الرحال عائداً، وفي طريقه مر بأورشليم ثانية للتبرك.

ويبدو أن ألقوش كانت مسيحية في القرن الرابع الميلادي، وكان لها كنيسة تقام فيها الصلوات والشعائر الدينية من قبل الكهنة والشمامسة وجماعة المؤمنين. وهذا ما تؤيده قصة مار ميخا، حيث تذكر أنه كان في استقبال مار ميخا كهنة وشمامسة وجمع كبير من أهالي البلدة. وكان مجيء مار ميخا إلى ألقوش حدثاً فجائياً غير متوقع، إذ لم يدر بخلد الألقوشيين أن يقوم رجل مثل مار ميخا بزيارة قريتهم والمكوث فيها. لذا فخروجهم للقائه واستقبالهم له بالحفاوة والتكريم، كان بإيحاء إلهي وتدبير سماوي.

وكان وصوله في وقت كان قد انتشر فيها وباء، راح يفتك بالأطفال فتكاً ذريعاً. فطلب مار ميخا من الناس أن يتوبوا ويصوموا ويصلوا، فلبوا طلبه بحرارة وشوق، وأقاموا بمعيته الصلاة والابتهال إلى الله. فسمع الله تضرعهم بشفاعته، وزال الوباء من القرية، وتوقف موت أطفالها. فعم الفرح والسرور بيوتها، وأيقن أهلها أن هذا الوافد الجديد هو مبعوث إلهي إلى قريتهم، جاء لينقذهم من المرض ويدعوهم إلى التوبة، ويرشدهم إلى حياة جديدة، حياة النعمة والفضيلة ومحبة الله. وكان لهذا العمل أثر بليغ في نفوس أهالي ألقوش، الذين وجدوا فيه شفيعاً ومرشداً. فأحبوه، واحتضنوه، وقدروه، وأكرموا وفاده.

وعندما قدم مار ميخا إلى ألقوش لم يكن يحمل شيئاً سوى كتاب الإنجيل، وقد انتشر خبره في الأماكن المجاورة، فجاءوا إليه بمرضاهم ومتعبيهم، فشفاهم جميعاً، وقدموا له الذهب والفضة فقبلها منهم. وقد شعر أهالي ألقوش بحاجة مار ميخا إلى منزل مستقل لسكناه، ولاستقبال الوافدين إليه، كما لمسوا لديه الرغبة في تعليم الشبان والأطفال وتهذيبهم. فقاموا ببناء دير ومدرسة في الجهة الجنوبية الشرقية من القرية، ليقيم فيها ويؤدي رسالته التي من أجلها قدم إلى ألقوش. ولما كمل البناء قام مار ميخا بتوجيه الدعوة إلى أسقف معلثايا مع إكليروسه لافتتاح الدير وتقديسه، نظراً لأن ألقوش آنذاك كانت تابعة لأبرشية نوهدرا. وقد جمع مار ميخا في مدرسته كل الأطفال وطلاب العلم من ألقوش وأطرافها، واسكنهم في ديره ليعيشوا سوية، وهذا العمل كان يتطلب مبالغ كبيرة من المال. فاستعان بالذهب والفضة التي قدمها له المؤمنين، واشترى بها أراضي زراعية في شرق وغرب ألقوش، وإلى اليوم يوجد في سهل ألقوش أراضي زراعية تسمى ” أراضي القسس “. كما يوجد غرب ألقوش في قرية بندوايا رحى باسم ” رحى مار ميخا “، ومن المحتمل أن تكون من ضمن أملاك دير مار ميخا. وكان يستعين بما تدر عليه هذه الأملاك للصرف على مدرسته واحتياجات تلامذته. وكان مار ميخا قد تنبأ عن قدوم الربان هرمزد إلى ألقوش بالقول: ” إن الله عتيد ليرسل إليكم نسراً عظيماً، يصعد بمقامه فوق الملائكة، ويعشعش بجانبكم في هذا الجبل، ويولد أفراخاً روحية. وكل من يدعو باسمه يطرد منه الرب كل وجع، ويكون له سلطان على مرارة وسم الدبيب القتال. ويسمى هذا الجبل أورشليم العليا، اخرجوا للقائه بفرح “.

وعاش مار ميخا في كوخ صغير داخل الدير الذي بُني في ألقوش مدة خمس عشرة سنة، يمارس الصوم والصلاة والفضائل المسيحية، ويدير مدرسته التي انتشر خبرها في كل الآفاق. وفي أحد الأيام بعد صلاة العصر، جمع الكهنة والشمامسة وطلاب مدرسته، ووعظهم وصلى عليهم، وقدم لهم نصائحه الأخيرة، ثم ودعهم وباركهم. وتوجه بطرفه نحو ألقوش وباركها قائلاً: ” لا يتحكم بكِ عدواً “. وأغمض عينيه، واسلم روحه لخالقها وباريها. ويذكر أن مار ميخا حفر قبره بيده في نفس الكوخ الذي كان يسكن فيه. وقد دفن في نفس المكان، وأقيمت الصلوات على روحه. وكانت وفاته في الأول من تشرين الثاني سنة 429، وقد ناهز المائة والعشرين سنة.[1]

 

وتحتفل كنيسة المشرق بتذكار مار ميخا النوهدري في الأول من تشرين الثاني.

 

——————————————————————————–

 

1_ مار ميخا النوهدري ومدرسته نوئيل قيا بلو ص 13 _ 28.

تذكار مار كوركيس

تذكار مار كوركيس

القــراءات الطقســية :

القـراءة : اشعيا 60 : 1-7

الرسـالة : رومية 5 : 20 – 6 : 23

الأنجـيل : يوحنا 20 : 1-18

||\\\/\\\/\\\/–:::—\///\///\///||—>>>

قــيامة و حــياة و تجــديد

في بـدء قداس العـيد يجري تطوافُ رتبة الـ ” ܚܘܼܓܵـܝܵܐ – حُّــوجايا ” ويعني ” عَّـيَدَ ، احتفلَ ، رقصَ “(خِــّكا )، يتـبادلُ المؤمنون، في نهايتها ، سـلامَ فرحـةِ العـيد. في نهايةِ التطواف يهـتـُفُ الشمامسة كلهم بصوتٍ واحد وعال ٍ:>> أعطـوا السلامَ بعضُكم لبعض ، بحُّـبِ المسيح <<. يكررونها ثلاث مرات. وبينما يتبادلُ المؤمنون السلامَ يتوَّجهون صوبَ الصليب والأنجيل ، الموضوعين أمام المذبح يحوّطهم الكهنة والشمامسة. يُحَّـيي كلُّ آتٍ قائلا :” قـيامة ُ الربِّ عـليكم “. ويرُّدُ الواقفون :” القـيامة ُ والحياة ُ والتجديدُ عـليكَ ” (حوذرا2- ص410). ثم تجري مسرحية ” اللص والملاك = كّـياسا “. بعدَهُ يتواصلُ القداس ، بدءًا بـ : آودِى لاخْ بْعـيتا رَبْـثا ܐܵܘܕܹܐ ܠܵܟܼ ܒܥܹـܕܬܵܐ ܪܲܒـܬܼܵܐ…والخ.

يركزُ الطقس ويُشّـددُ على الفرح والحياة والأنتصارالتي تعنيها ” القيامة. ويكررُ المزمور16: 9-11: فرحَ قلبي وآبتهجَ كبدي. وحتى جسدي يستريحُ بأمان. لأنك لم تترك نفسي في الجحيم، ولم تسمح لتقـيك ان يرى الفساد. تـُعَّرفني بطريقك الى الحياة. فأشبعَ من فرح حضوركَ. ومن نعيم ِ انتصاريمينِـك”. ولا يني يكررُ المزمور الآخر 117: 24 القائل :” هذا هو اليوم الذي صنعه الربُ ، فـَلنفترَحْ ولـنبتـهجْ به “!. هذا الفرحُ مصدرُه النعمة العظيمة التي نالتها البشرية بقيامة المسيح التي أكـّدت لاهوتـَه ، وثبَّـتت رسالتـَه الخلاصية ، وحقـّقت الوعد بآستعادة الكرامة والحرية فالتمـتـُع بفردوس خيرات اللـه الأبدية.

القــيامة // الأنتصــار

لقد سقط الأنسان عن امتيازه الأول وخسر نعيم صداقةِ اللـه. لم يعرفْ أن يُمارسَ بُـنـُّـوَتـَهُ فيرّدَ على حب اللـه بالخضوع لوصّيته والبقاء في مداره والتمتع بحبه وخيراتِه. لم يعرفْ أن يبقى فوق على مستوى حياة اللـه الروحية. أغرته الأمور الحسية ونوازعه الكبريائية. لم يتبع وصية اللـه. فضّلَ أن يبقى على الحضيض.” عصفورٌ باليد خيرٌ من عشرة على الشجر”!. فسقط. وكان سقوطه عظيما. لأنه خسرَ السمُوَّ الذي كان مجبولا عليه ومدعوا اليه. خسر مشاركة اللـه حياتـَهُ التي نفخها فيه.

أما الآن فقد أدركَ الأنسان، في المسيح ، عظمة محبة اللـه وعرف أن يتجاوبَ مع هذا الحب فيُحب بدوره :” .. وبلغ به الحبُ الى أقصى حدودِه” (يو13: 1). فلهذا قال المسيح :” هاءَنذا آتٍ لأعملَ بمشيئتك “(مز39: 9؛ عب10: 7). كما قالت الأنسانية جمعاء بفم يسوع ، ابنها البار وممـثلها القدوس ، :” يا أبتِ! ان شئتَ فآصرفْ عني هذه الكاس. ولكن لا تكن مشيئتي ، بل مشيئتـُك ” (لو22: 42). فقبل الأنسان ان يكون ملعونا ويُعَّـلقَ على الصليب ليكفـرَ عن خطيئته الأولى ، لأن المسيحَ “افتدانا من لعنةِ الشريعة اذ صارَ لعنة ً من أجلنا” (غل3: 13). لقد انتصر الأنسان على شهواتِه ونوازعه وأخضعها لمشيئة اللـه. فـ “” قــامَ “” من سقطته الأولى. لقد انتصرَ الأنسان على عـدوه الشرير الذي خـدَعه وصار يعرفُ الحقيقة، وآكتشف غشَّ ابليس ومكرَه فصبر على الحق ، ولو كلفه ذلك ثمنا باهظا ، موتُ العار على الصليب. لكنه انتصرَ في استمراره على الحق. وأولاه هذا الأنتصارُ فرحة ًتنسي كل حزن وألم و” تمسحُ كلَّ دمعةٍ سالت من عيونهم ” (رؤ7: 17). فالقيامة أصبحتْ ” هتافَ الأنتصار “!.

الحـــياة // الأنتعـــاش

في السقوط الأول خسرَ الأنسان وعدَ اللـه له بالحياة الأبدية. ولم يتمتع بعدَهُ بحضوره معه في الفردوس. بل طـُرد منها. لم يقدر أن يصل الى شجرة الحياة ليأكل منها فيستعيدَ مجدَه وراحة َ باله. فآعتـُبرَ ميتا. لأنه :” بالخطيئة دخل الموت .. وسرى الى جميع الناس ، لأنهم جميعا أخطأوا “(رم5: 12). لقد تاهَ الأنسان في برية الشر، وتدنى في الدنس الى مستوى الخنازير(لو 15: 16). وفي موته أماتَ حتى ربَّه على الصليب.

لكن شجرة الحياة عادتْ فانتصبت على الجلجلة. وارتقى المسيح الصليبَ. وقطفَ من ثمرشجرة الحياة وناوله الأنسان فأكل. وآستعادَ الحياة لأنَّ :” انساننا القديم قد صُلبَ معه ليزولَ هذا البشرُ الخاطئ “، ” فمُـتنا عن الخطيئة “. وبموتنا عن الخطيئة قد تحررنا منها :”لأن الذي ماتَ تحَّررَ من الخطيئة “. ولما تحررنا من الخطيئة زالَ موتنا الأول. وبزوالِه استعاديْنا الحياة لـ ” نحيا حياة ً جديدة كما أقيمَ المسيح .. بمجد الآب ” (رم6: 1-7). لقد حُّـلت الخطيئة بموت المسيح على الصليب ، وبقيامتِه ” حيّــًا مُـمَّجَدًا ” أ ُبْتـُلِعَ الموتُ ،لأنَّ المسيحَ ” لن يموتَ ثانية ولن يكون للموت عليه سلطان ” (رم6: 9). وان كان المؤمنون قد اعتمدوا في موتِ المسيح فقد نالوا الحياة بقيامتِه. وكما يتضامن كل البشر في آدم الأنسان الأول فأخطأوا هكذا يتضامنون مع المسيح في موتِه الكفاري عن الخطيئة وقيامتِه فنالوا حياة جديدة (رم5: 18). فان كان الهلاك قد ساد بخطيئة آدم ، فبطاعة المسيح سادت نعمة الحياة الأبدية (رم5: 21). وهكذا يحتفل العيد بهذا الأنتعاش ويفرح ويبتهجُ لأن الأنسانَ ” كان ضالا فوجد ، ومَّـيتـًا فعاش ” (لو15: 23).

التجــديد // البــر

خلقَ اللـهُ الأنسانَ صورة له. وجعله سيد الخلائق كلها يتحَّكمُ فيها. ولما أخطأ الأنسان فسدت علاقته باللـه. وصارت علاقته حتى مع بقية الخلائق صعبة لا تستجيبُ له بسهولة. ومع الأجيال تراكم ثقلُ الخطيئة والفساد. وكثرت مساوئ الأنسان (تك6: 5) وتعاظمت خطاياهم (تك18: 20؛ اش 29: 13-21). فتشوّهَ الأنسانُ وآستحب الظلامَ على النور لأن أعماله سيئة (يو3: 19). وتشوهت معه صورة خالقه. لم يثبت الأنسان على العهد مع اللـه ، فأهمله اللـه لفترة (عب8: 9).

وأما الآن ، مع المسيح ، فعاد اللـه ليعقد مع الأنسان عهدا جديدا بدم المسيح (متى 26: 28؛ 1كور11: 25)، عهدا لا يُكتب بالحروف على اللوح ، بل يُزرعُ في الضمير والقلب (عب 8: 8-10). لأن اللـه نفسَه يحُلُ في الأنسان بنفخة جديدة (يو20: 22؛ اع2: 3-4) ويجعلُ كل شيءٍ جديدًا حتى الأنسانَ نفسَه أصبحَ خليقة جديدة (2كور5: 17) يسلكُ سبيل الروح ، لأنه أصبحَ ” ابنـًا للـه و وارثا له ” (رم8: 16-17؛ غل4: 7). وكما صارَ المسيحُ ابنُ اللـه أخا بكرا لكل انسان بالناسوت (رم8: 29) ، هكذا أصبح المؤمن أخُ المسيح ابنا للـه (يو1: 12)، الاهًا بحياته (مز81: 6؛ يو10: 34). لقد دعانا اللـه ،بالمسيح، أبناءَه من الآن (1يو3: 1-2) ، وندعـو اللـه بمحبة ودالة :” أبانا الذي في السماوات ..”.

لقد حققت القيامة وعدَ اللـه بتبنـّي الأنسان (خر4: 22). وبهذا حدثَ جديدٌ للأنسان فانقلب وآنتقلَ من صورة الى بُنـَّوَةٍ للـه. وصورة الأبن لن تفسد بعدُ بل تستمرُ وتتجددُ بقوة الروح القدس الحالُ في الأنسان (طي3: 5) لتجَّددَ باطنَه : فكرَه وقلبَه (2كور4: 16). وهكذا لن يكون للأنسان المؤمن بالمسيح بعدُ أبٌ آخر غير اللـه (متى23: 9). وهذه البُنـُّـوة وهذا التجدد يجعلنا لا فقط صورة حياة اللـه بل يُشركنا في صورةمجده :” وهي تزدادُ مجدًا على مجد ” (2كور3: 18).

هذا هو ما تعنيه كلمات ُ ” القـيامة و الحـياة و التجــدد ” ، وهذا هو ما صنعَتـْهُ قيامة المسيح لنا ، وكأننا نحن الذين قمـنا في المجد بعد أن كنا ساقطين في ذلّ ٍ عذاب. وهكذا قيامة وهكذا عـيد سببُ فرح عظيم ومسّـرةٍ لا توصفُ. انه السلام الموعود بالمسيح (يو14: 27) والفرح الذي ” لا أحد يمكنه أن يحرمنا منه ” (يو16: 22 ؛ 20: 19و 21). وبتحـّية العيد يعترفُ المؤمنُ بهـذه القـيم ويبدي عرفانـهُ لجميل من حقق له ذلك ، يسوع المسيح. لذا تُعلنُ ترنيمة القداس للعيد وتقول :” قيامتـُك ، يا ربَّنا ورئيسَ حياتِنا ، أصبحتْ مجـدًا وغـنـًى في بيتك المقدس. فالكنيسة ُ التي في كل الأصقاع والمفتداة بدمك الثمين هي عروسٌ مزينة بك ،وأمٌ تفرح بك مع أبنـائها،فآحفظـها من كل أذية ، ونحن الذين نمَّجـدُك فيها ارحَمنا وخـلصنا ” (ح2- ص414). وتضيفُ اليه ترنيمة التناول وتختمُ بالقول :” تعالوا يا كلَّ الشعوب نحَّـركُ شــفاهـَنا بالحمـد والشكر لأنَّ المسيحَ ، مخـلصَ الكل، قد قــام ” (ح2- ص 415).

القس بول ربان

22/ 4/ 2011

تذكار الشهيدة مسكنته ” شيرين ” وولديها

تذكار الشهيدة مسكنته ” شيرين ” وولديها

 

الشماس نوري إيشوع مندو

الشهيدة مسكنته وولديها: تنتمي إلى عشيرة زادوق. وخلال الاضطهاد الذي أثاره الحاكم طهمزكرد على مسيحيي كرخ سلوخ ” كركوك “، كانت تخبز الخبز في بيتها، فبلغها خبر استشهاد الكم الهائل من المؤمنين. فتركت الخبز والعجين في المعجن، وأخذت ولديه واحداً على كتفها والأخر بيدها. وهرعت مسرعة إلى بيت تيتا حيث قتل الشهداء، واستطاعت أن تدخل المعسكر لتلتقي الحاكم طهمزكرد في أسفل ” حورا “. فأمسكت بلجام حصانه واستحلفته باللغة الفارسية بألا يحرمها من تلك الطريق التي سلكها الشهداء. فتوقف الحاكم وقد تولته الدهشة من هذا الطلب، وحاول أن يثنيها عن عزمها، ولكن دون جدوى.

فأمر أن يقطع رأسها ورأس ابنها الأكبر. أما الولد الصغير فارتمى فوق جثتي أمه وأخيه وصار يبكي، ويأخذ من دمهما ويمسح به عينيه وجسمه. وكلما حاول الحاكم والوثنيون أن ينتزعوه ويقنعوه بالهدايا والكلمات الطيبة، كان يفلت منهم ويركض إلى جثتي أمه وأخيه ويرتمي فوقهما ويقبلهما باكياً. إذ ذاك أجهز هؤلاء القساة عليه وضربوا عنقه أيضاً، فلحق هو أيضاً بموكب الشهداء.[1]

إن شيرين الشهيدة تلقب في قصة استشهادها بالمرأة المسكينة، لذلك كُنية بمسكنته نظراً لبساطتها وفقرها. وهناك شهيدة أخرى باسم مسكنته، والتي عاشت في زمن دخول كنيسة المشرق النسطرة. ولها ذكر في الحوذرة القديمة ” مدار السنة الطقسية “، في الجلسة الثانية من صلوات تذكار تهنئة العذراء مريم.[2]

وفي مخطوط كزا دذوخراني ” كنز التذكارات ” والمحفوظ في مطرانية الموصل طقس للشهيدة مسكنته يتحدث عنها وهي واقفة وسط قوم أشرار من الوثنيين، تشجع ابنيها على الشهادة، لا يخيفها سيف ولا نار ولا غضب المضطهدين. بل تستبسل مقدمة جسدها عرضة لأقسى العذابات من أجل المسيح يسوع الذي احتمل الآلام والموت عوضاً عن البشر. ونفهم من التراتيل والقصائد التي في طقسيتها بأن استشهادها كان عقب استشهاد ولديها. وهو يخالف بعض الشيء ما ورد في خبر استشهادها في أعمال شهداء كركوك. ونحو القرن العاشر شيد في الموصل كاتدرائية فخيمة على اسم الشهيدة مسكنته وولديها، وفي أوائل القرن التاسع عشر أضحت الكاتدرائية البطريركية لكرسي بابل على الكلدان، واستمرت حتى سنة 1960 حيث نقل الكرسي البطريركي إلى بغداد. وتضم الكاتدرائية أضرحة العديد من البطاركة والمطارنة والكهنة.[3]

وقد تجدد ورمم بناء الكاتدرائية عدة مرات. وفي عهد البطريرك يوسف السادس أودو جدد بناؤها وذلك سنة 1850. ويقال أنه حينئذ نقل جثمان الشهيدة إلى مصلى صغير ملاصق للهيكل الرئيسي، ويعرف الآن بـ ” بيت القبر “. ويقصده كثيرون من الملل والأديان المختلفة للتبرك والاستشفاع.[4]

 

ويحتفل بتذكار الشهيدة مسكنته وولديها في 25 أيلول.

 

——————————————————————————–

 

1_ شهداء المشرق الأب ألبير أبونا ج 1 ص 271.

2_ ذخيرة الأذهان الأب بطرس نصري ج 1 ص 105 _ 106.

3_ كنائس الموصل الأب الدكتور يوسف حبي ص 24.

4_ مجلة النجم سنة 1929 العدد 5 مقال الأب ( المطران ) سليمان صائغ ص 214.

 

Michigan SEO