لتورجيات

تذكار مار كوركيس

تذكار مار كوركيس

القــراءات الطقســية :

القـراءة : اشعيا 60 : 1-7

الرسـالة : رومية 5 : 20 – 6 : 23

الأنجـيل : يوحنا 20 : 1-18

||\\\/\\\/\\\/–:::—\///\///\///||—>>>

قــيامة و حــياة و تجــديد

في بـدء قداس العـيد يجري تطوافُ رتبة الـ ” ܚܘܼܓܵـܝܵܐ – حُّــوجايا ” ويعني ” عَّـيَدَ ، احتفلَ ، رقصَ “(خِــّكا )، يتـبادلُ المؤمنون، في نهايتها ، سـلامَ فرحـةِ العـيد. في نهايةِ التطواف يهـتـُفُ الشمامسة كلهم بصوتٍ واحد وعال ٍ:>> أعطـوا السلامَ بعضُكم لبعض ، بحُّـبِ المسيح <<. يكررونها ثلاث مرات. وبينما يتبادلُ المؤمنون السلامَ يتوَّجهون صوبَ الصليب والأنجيل ، الموضوعين أمام المذبح يحوّطهم الكهنة والشمامسة. يُحَّـيي كلُّ آتٍ قائلا :” قـيامة ُ الربِّ عـليكم “. ويرُّدُ الواقفون :” القـيامة ُ والحياة ُ والتجديدُ عـليكَ ” (حوذرا2- ص410). ثم تجري مسرحية ” اللص والملاك = كّـياسا “. بعدَهُ يتواصلُ القداس ، بدءًا بـ : آودِى لاخْ بْعـيتا رَبْـثا ܐܵܘܕܹܐ ܠܵܟܼ ܒܥܹـܕܬܵܐ ܪܲܒـܬܼܵܐ…والخ.

يركزُ الطقس ويُشّـددُ على الفرح والحياة والأنتصارالتي تعنيها ” القيامة. ويكررُ المزمور16: 9-11: فرحَ قلبي وآبتهجَ كبدي. وحتى جسدي يستريحُ بأمان. لأنك لم تترك نفسي في الجحيم، ولم تسمح لتقـيك ان يرى الفساد. تـُعَّرفني بطريقك الى الحياة. فأشبعَ من فرح حضوركَ. ومن نعيم ِ انتصاريمينِـك”. ولا يني يكررُ المزمور الآخر 117: 24 القائل :” هذا هو اليوم الذي صنعه الربُ ، فـَلنفترَحْ ولـنبتـهجْ به “!. هذا الفرحُ مصدرُه النعمة العظيمة التي نالتها البشرية بقيامة المسيح التي أكـّدت لاهوتـَه ، وثبَّـتت رسالتـَه الخلاصية ، وحقـّقت الوعد بآستعادة الكرامة والحرية فالتمـتـُع بفردوس خيرات اللـه الأبدية.

القــيامة // الأنتصــار

لقد سقط الأنسان عن امتيازه الأول وخسر نعيم صداقةِ اللـه. لم يعرفْ أن يُمارسَ بُـنـُّـوَتـَهُ فيرّدَ على حب اللـه بالخضوع لوصّيته والبقاء في مداره والتمتع بحبه وخيراتِه. لم يعرفْ أن يبقى فوق على مستوى حياة اللـه الروحية. أغرته الأمور الحسية ونوازعه الكبريائية. لم يتبع وصية اللـه. فضّلَ أن يبقى على الحضيض.” عصفورٌ باليد خيرٌ من عشرة على الشجر”!. فسقط. وكان سقوطه عظيما. لأنه خسرَ السمُوَّ الذي كان مجبولا عليه ومدعوا اليه. خسر مشاركة اللـه حياتـَهُ التي نفخها فيه.

أما الآن فقد أدركَ الأنسان، في المسيح ، عظمة محبة اللـه وعرف أن يتجاوبَ مع هذا الحب فيُحب بدوره :” .. وبلغ به الحبُ الى أقصى حدودِه” (يو13: 1). فلهذا قال المسيح :” هاءَنذا آتٍ لأعملَ بمشيئتك “(مز39: 9؛ عب10: 7). كما قالت الأنسانية جمعاء بفم يسوع ، ابنها البار وممـثلها القدوس ، :” يا أبتِ! ان شئتَ فآصرفْ عني هذه الكاس. ولكن لا تكن مشيئتي ، بل مشيئتـُك ” (لو22: 42). فقبل الأنسان ان يكون ملعونا ويُعَّـلقَ على الصليب ليكفـرَ عن خطيئته الأولى ، لأن المسيحَ “افتدانا من لعنةِ الشريعة اذ صارَ لعنة ً من أجلنا” (غل3: 13). لقد انتصر الأنسان على شهواتِه ونوازعه وأخضعها لمشيئة اللـه. فـ “” قــامَ “” من سقطته الأولى. لقد انتصرَ الأنسان على عـدوه الشرير الذي خـدَعه وصار يعرفُ الحقيقة، وآكتشف غشَّ ابليس ومكرَه فصبر على الحق ، ولو كلفه ذلك ثمنا باهظا ، موتُ العار على الصليب. لكنه انتصرَ في استمراره على الحق. وأولاه هذا الأنتصارُ فرحة ًتنسي كل حزن وألم و” تمسحُ كلَّ دمعةٍ سالت من عيونهم ” (رؤ7: 17). فالقيامة أصبحتْ ” هتافَ الأنتصار “!.

الحـــياة // الأنتعـــاش

في السقوط الأول خسرَ الأنسان وعدَ اللـه له بالحياة الأبدية. ولم يتمتع بعدَهُ بحضوره معه في الفردوس. بل طـُرد منها. لم يقدر أن يصل الى شجرة الحياة ليأكل منها فيستعيدَ مجدَه وراحة َ باله. فآعتـُبرَ ميتا. لأنه :” بالخطيئة دخل الموت .. وسرى الى جميع الناس ، لأنهم جميعا أخطأوا “(رم5: 12). لقد تاهَ الأنسان في برية الشر، وتدنى في الدنس الى مستوى الخنازير(لو 15: 16). وفي موته أماتَ حتى ربَّه على الصليب.

لكن شجرة الحياة عادتْ فانتصبت على الجلجلة. وارتقى المسيح الصليبَ. وقطفَ من ثمرشجرة الحياة وناوله الأنسان فأكل. وآستعادَ الحياة لأنَّ :” انساننا القديم قد صُلبَ معه ليزولَ هذا البشرُ الخاطئ “، ” فمُـتنا عن الخطيئة “. وبموتنا عن الخطيئة قد تحررنا منها :”لأن الذي ماتَ تحَّررَ من الخطيئة “. ولما تحررنا من الخطيئة زالَ موتنا الأول. وبزوالِه استعاديْنا الحياة لـ ” نحيا حياة ً جديدة كما أقيمَ المسيح .. بمجد الآب ” (رم6: 1-7). لقد حُّـلت الخطيئة بموت المسيح على الصليب ، وبقيامتِه ” حيّــًا مُـمَّجَدًا ” أ ُبْتـُلِعَ الموتُ ،لأنَّ المسيحَ ” لن يموتَ ثانية ولن يكون للموت عليه سلطان ” (رم6: 9). وان كان المؤمنون قد اعتمدوا في موتِ المسيح فقد نالوا الحياة بقيامتِه. وكما يتضامن كل البشر في آدم الأنسان الأول فأخطأوا هكذا يتضامنون مع المسيح في موتِه الكفاري عن الخطيئة وقيامتِه فنالوا حياة جديدة (رم5: 18). فان كان الهلاك قد ساد بخطيئة آدم ، فبطاعة المسيح سادت نعمة الحياة الأبدية (رم5: 21). وهكذا يحتفل العيد بهذا الأنتعاش ويفرح ويبتهجُ لأن الأنسانَ ” كان ضالا فوجد ، ومَّـيتـًا فعاش ” (لو15: 23).

التجــديد // البــر

خلقَ اللـهُ الأنسانَ صورة له. وجعله سيد الخلائق كلها يتحَّكمُ فيها. ولما أخطأ الأنسان فسدت علاقته باللـه. وصارت علاقته حتى مع بقية الخلائق صعبة لا تستجيبُ له بسهولة. ومع الأجيال تراكم ثقلُ الخطيئة والفساد. وكثرت مساوئ الأنسان (تك6: 5) وتعاظمت خطاياهم (تك18: 20؛ اش 29: 13-21). فتشوّهَ الأنسانُ وآستحب الظلامَ على النور لأن أعماله سيئة (يو3: 19). وتشوهت معه صورة خالقه. لم يثبت الأنسان على العهد مع اللـه ، فأهمله اللـه لفترة (عب8: 9).

وأما الآن ، مع المسيح ، فعاد اللـه ليعقد مع الأنسان عهدا جديدا بدم المسيح (متى 26: 28؛ 1كور11: 25)، عهدا لا يُكتب بالحروف على اللوح ، بل يُزرعُ في الضمير والقلب (عب 8: 8-10). لأن اللـه نفسَه يحُلُ في الأنسان بنفخة جديدة (يو20: 22؛ اع2: 3-4) ويجعلُ كل شيءٍ جديدًا حتى الأنسانَ نفسَه أصبحَ خليقة جديدة (2كور5: 17) يسلكُ سبيل الروح ، لأنه أصبحَ ” ابنـًا للـه و وارثا له ” (رم8: 16-17؛ غل4: 7). وكما صارَ المسيحُ ابنُ اللـه أخا بكرا لكل انسان بالناسوت (رم8: 29) ، هكذا أصبح المؤمن أخُ المسيح ابنا للـه (يو1: 12)، الاهًا بحياته (مز81: 6؛ يو10: 34). لقد دعانا اللـه ،بالمسيح، أبناءَه من الآن (1يو3: 1-2) ، وندعـو اللـه بمحبة ودالة :” أبانا الذي في السماوات ..”.

لقد حققت القيامة وعدَ اللـه بتبنـّي الأنسان (خر4: 22). وبهذا حدثَ جديدٌ للأنسان فانقلب وآنتقلَ من صورة الى بُنـَّوَةٍ للـه. وصورة الأبن لن تفسد بعدُ بل تستمرُ وتتجددُ بقوة الروح القدس الحالُ في الأنسان (طي3: 5) لتجَّددَ باطنَه : فكرَه وقلبَه (2كور4: 16). وهكذا لن يكون للأنسان المؤمن بالمسيح بعدُ أبٌ آخر غير اللـه (متى23: 9). وهذه البُنـُّـوة وهذا التجدد يجعلنا لا فقط صورة حياة اللـه بل يُشركنا في صورةمجده :” وهي تزدادُ مجدًا على مجد ” (2كور3: 18).

هذا هو ما تعنيه كلمات ُ ” القـيامة و الحـياة و التجــدد ” ، وهذا هو ما صنعَتـْهُ قيامة المسيح لنا ، وكأننا نحن الذين قمـنا في المجد بعد أن كنا ساقطين في ذلّ ٍ عذاب. وهكذا قيامة وهكذا عـيد سببُ فرح عظيم ومسّـرةٍ لا توصفُ. انه السلام الموعود بالمسيح (يو14: 27) والفرح الذي ” لا أحد يمكنه أن يحرمنا منه ” (يو16: 22 ؛ 20: 19و 21). وبتحـّية العيد يعترفُ المؤمنُ بهـذه القـيم ويبدي عرفانـهُ لجميل من حقق له ذلك ، يسوع المسيح. لذا تُعلنُ ترنيمة القداس للعيد وتقول :” قيامتـُك ، يا ربَّنا ورئيسَ حياتِنا ، أصبحتْ مجـدًا وغـنـًى في بيتك المقدس. فالكنيسة ُ التي في كل الأصقاع والمفتداة بدمك الثمين هي عروسٌ مزينة بك ،وأمٌ تفرح بك مع أبنـائها،فآحفظـها من كل أذية ، ونحن الذين نمَّجـدُك فيها ارحَمنا وخـلصنا ” (ح2- ص414). وتضيفُ اليه ترنيمة التناول وتختمُ بالقول :” تعالوا يا كلَّ الشعوب نحَّـركُ شــفاهـَنا بالحمـد والشكر لأنَّ المسيحَ ، مخـلصَ الكل، قد قــام ” (ح2- ص 415).

القس بول ربان

22/ 4/ 2011

تذكار الشهيدة مسكنته ” شيرين ” وولديها

تذكار الشهيدة مسكنته ” شيرين ” وولديها

 

الشماس نوري إيشوع مندو

الشهيدة مسكنته وولديها: تنتمي إلى عشيرة زادوق. وخلال الاضطهاد الذي أثاره الحاكم طهمزكرد على مسيحيي كرخ سلوخ ” كركوك “، كانت تخبز الخبز في بيتها، فبلغها خبر استشهاد الكم الهائل من المؤمنين. فتركت الخبز والعجين في المعجن، وأخذت ولديه واحداً على كتفها والأخر بيدها. وهرعت مسرعة إلى بيت تيتا حيث قتل الشهداء، واستطاعت أن تدخل المعسكر لتلتقي الحاكم طهمزكرد في أسفل ” حورا “. فأمسكت بلجام حصانه واستحلفته باللغة الفارسية بألا يحرمها من تلك الطريق التي سلكها الشهداء. فتوقف الحاكم وقد تولته الدهشة من هذا الطلب، وحاول أن يثنيها عن عزمها، ولكن دون جدوى.

فأمر أن يقطع رأسها ورأس ابنها الأكبر. أما الولد الصغير فارتمى فوق جثتي أمه وأخيه وصار يبكي، ويأخذ من دمهما ويمسح به عينيه وجسمه. وكلما حاول الحاكم والوثنيون أن ينتزعوه ويقنعوه بالهدايا والكلمات الطيبة، كان يفلت منهم ويركض إلى جثتي أمه وأخيه ويرتمي فوقهما ويقبلهما باكياً. إذ ذاك أجهز هؤلاء القساة عليه وضربوا عنقه أيضاً، فلحق هو أيضاً بموكب الشهداء.[1]

إن شيرين الشهيدة تلقب في قصة استشهادها بالمرأة المسكينة، لذلك كُنية بمسكنته نظراً لبساطتها وفقرها. وهناك شهيدة أخرى باسم مسكنته، والتي عاشت في زمن دخول كنيسة المشرق النسطرة. ولها ذكر في الحوذرة القديمة ” مدار السنة الطقسية “، في الجلسة الثانية من صلوات تذكار تهنئة العذراء مريم.[2]

وفي مخطوط كزا دذوخراني ” كنز التذكارات ” والمحفوظ في مطرانية الموصل طقس للشهيدة مسكنته يتحدث عنها وهي واقفة وسط قوم أشرار من الوثنيين، تشجع ابنيها على الشهادة، لا يخيفها سيف ولا نار ولا غضب المضطهدين. بل تستبسل مقدمة جسدها عرضة لأقسى العذابات من أجل المسيح يسوع الذي احتمل الآلام والموت عوضاً عن البشر. ونفهم من التراتيل والقصائد التي في طقسيتها بأن استشهادها كان عقب استشهاد ولديها. وهو يخالف بعض الشيء ما ورد في خبر استشهادها في أعمال شهداء كركوك. ونحو القرن العاشر شيد في الموصل كاتدرائية فخيمة على اسم الشهيدة مسكنته وولديها، وفي أوائل القرن التاسع عشر أضحت الكاتدرائية البطريركية لكرسي بابل على الكلدان، واستمرت حتى سنة 1960 حيث نقل الكرسي البطريركي إلى بغداد. وتضم الكاتدرائية أضرحة العديد من البطاركة والمطارنة والكهنة.[3]

وقد تجدد ورمم بناء الكاتدرائية عدة مرات. وفي عهد البطريرك يوسف السادس أودو جدد بناؤها وذلك سنة 1850. ويقال أنه حينئذ نقل جثمان الشهيدة إلى مصلى صغير ملاصق للهيكل الرئيسي، ويعرف الآن بـ ” بيت القبر “. ويقصده كثيرون من الملل والأديان المختلفة للتبرك والاستشفاع.[4]

 

ويحتفل بتذكار الشهيدة مسكنته وولديها في 25 أيلول.

 

——————————————————————————–

 

1_ شهداء المشرق الأب ألبير أبونا ج 1 ص 271.

2_ ذخيرة الأذهان الأب بطرس نصري ج 1 ص 105 _ 106.

3_ كنائس الموصل الأب الدكتور يوسف حبي ص 24.

4_ مجلة النجم سنة 1929 العدد 5 مقال الأب ( المطران ) سليمان صائغ ص 214.

 

تذكار مار أنطونيوس أبي الرهبان

تذكار مار أنطونيوس أبي الرهبان

الشماس نوري إيشوع مندو

مار أنطونيوس الكبير أبي الرهبان: هو ذاك الكوكب الساطع الضياء، الذي أشرق في صحاري مصر العليا، فبدد ظلماتها، وملأها أنواراً سماوية، وجعل تلك القفار تموج بطغمات النساك والرهبان، واسمع تلك الفلوات مئات من السنين، بتسابيح ملائكية آناء الليل وأطراف النهار، ونشر في تلك البلاد عبير الفضائل المسيحية والكمالات الرهبانية، فعطرت تلك الصخور وبللت تلك الرمال، ولم يزل شذاها يفوح ويضوع ويملأ المسكونة.

ولد أنطونيوس نحو سنة 251 في مدينة كوما في صعيد مصر وتعرف اليوم بـ كوم العروس. نشأ في بيت كريم من أرباب الوجاهة والغنى. إلا أنه كان ميالاً منذ نعومة أظفاره إلى التقوى والتمسك بأهداب الفضيلة، وازدراء ملذات هذه الدنيا ونعيمها. ولم يرغب في العلوم العالية والآداب اليونانية، خوفاً من أن تفسد الوثنية عقله وتنال من فضيلته. ومات والداه وهو شاب يافع، وله أخت صبية أصغر منه. فلم تبهره الأموال الطائلة التي ورثها، بل بقي محتفظاً على فضيلته وطهارته، متمسكاً بحبال التقوى. وعني بأمر شقيقته، فكان لها الأخ الصالح المحب الشفيق.

وكان أنطونيوس دائم التأمل بالإلهيات، كثير التفكير في زوال الدنيا ودوام الأبدية. فدخل الكنيسة يوماً، فسمع الكاهن يتلو الإنجيل ويقول: ” إذا أردت أن تكون كاملاً فأذهب وبع كل شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني “. فسقطت تلك الآيات على قلبه سقوط الندى على الرياض، فأنعشت عواطفه وحركت كوامن رغائبه، وسمع في داخله صوتاً يقول له: ” إن السيد له المجد يقول لك ذلك يا أنطونيوس، ويدعوك إلى ذلك الكمال المسيحي “. فسجد للرب وتضاءلت الدنيا في عينيه، ونظر إلى الصحراء القريبة، فاستهواه سكونها وعظاتها الصامتة.

فذهب وباع أملاكه وضياعه وأعطى شقيقته ما يعود إليها من ميراث والديها، ووكل أمرها إلى بعض العذارى المتعبدات. ووزع ما خصه على الكنائس والفقراء، وقصد أحد النساك فتتلمذ له، وبدأ تحت إرشاده حياة الزهد والصلاة والطاعة والتجرد. ويخضع جسده بجميع أصناف التقشف والزهد. فلا يأكل إلا مرة واحدة في النهار، ويقضي أيامه ولياليه في التأمل والصلاة والشغل اليدوي، ويرقد على الحضيض، ويجلد ذلك الجسد الطموح المتمرد المملوء صحة ونضارة وشباباً واندفاعاً. إلا أن الله الذي يريد للفضيلة السامية أساساً صخرياً، سمح للشيطان أن يمتحن عبد أنطونيوس بجميع أنواع التجارب، فهاجمه الشيطان بكل قواه. فذكره بما كان يملك من ثروة واسم كبير ومجد أثيل فبدده. لكنه نظر إلى المصلوب، وصمد لذلك الهجوم الشيطاني بكل ثبات، فرحاً لكونه أضحى فقيراً ذليلاً لأجل المسيح. فعاد الشيطان ونازله في ميدان الأهواء الجسدية، فقاومه بكل ما اوتيه من عزم، بواسطة الصلاة والصيام وإماتة ذلك الجسد المتمرد والالتجاء إلى والدة الإله.

وانفرد أنطونيوس يوماً في الصحراء ودخل قبراً قديماً، وبقي هناك أشهراً يمارس أعمال النسك والتقشف. فكان الشيطان يناوئه كثيراً. وجمع مرة جموعه وهجم عليه بصورة وحوش ضارية مخيفة من السباع والضباع والدببة والخنازير والحيات والعقارب. فكانت تزأر وتعوي وتزمجر وتصفر وتهجم عليه وتمزق جسده بأنيابها ومخالبها. وكان هو يقاومها بإشارة الصليب ويصلي وينظر إلى السماء، وهكذا الليل بطوله. ولما لاح الفجر هدأت العاصفة وعادت تلك الوحوش أدراجها مكسورة، تاركة أنطونيوس مطروحاً على الأرض مخضباً بدمه. أما إرادته فكانت واقفة تهاجم لا تنثني ولا تستسلم.

وبعد أن مارس سنين عديدة أعمال النسك استهوته الصحراء، فترك الديورة القريبة من المدن، وانفرد في الصحراء. فحمل معه شيئاً من الخبز يكفيه ستة أشهر. ولما رأى نفسه وحيداً في تلك الصحراء، شعر بداخله بفرح لا يوصف، وتراءى له مجد الله يملأ تلك البراري الصامتة. لكن الشيطان كان يتبعه وينظر إليه بعين الغضب، لعلمه بأن تلك البراري الموحشة سوف تصبح عما قليل آهلة بالرهبان، وأن ذلك الصمت الرهيب لن يلبث حتى يتحول إلى أصوات التسبيح تتصاعد إلى عرش الرب. وبقي كذلك سنين طويلة، وكان أحد الأخوة يأتيه كل ستة أشهر بشيء من الخبز والتمر والماء. وعندما عرف الناس مقره، أخذوا يأتونه زرافات ووحداناً، ليتبركوا به ويسمعوا أقواله ونصائحه. ورغب إليه كثيرون أن يقبلهم في عداد تلاميذه، ويسمح لهم بإتباع طريقته، فترك عزلته ونزل إلى ضفاف النيل في سهول الفيوم[1]، حيث أنشأ لهم ديورة عديدة، كانت تحيط بصومعته إحاطة الكواكب السيارة بالشمس المضيئة. وكان أنطونيوس مثالاً للجميع بالصوم والصلاة والتأمل العقلي وحفظ الصمت وشغل اليدين. وكان يلبس المسح على جسمه، ويرتدي من فوقه برداءٍ من جلد الغنم. وكان طعامه الخبز والملح وقليلاً من البلح. وكان لا يأكل إلا مرة واحدة كل ثلاثة أو أربعة أيام. وكانت مواعظه لأبنائه ولزواره بسيطة قليلة الكلام، ألا أنها كانت سهاماً نارية تذهب مسرعة إلى القلب فتستقر فيه.

وبعد الاضطهاد الذي جرى بحق المسيحيين سنة 350، وكثر عدد الشهداء في البلاد المصرية، تألم أنطونيوس كثيراً لهبوب تلك العاصفة الهوجاء، وأوصى رهبانه أن يلتجئوا إلى الله بالصلاة والصوم ليخفف عن الكنيسة ويلاتها، ويشدد عزائم الشهداء تحت سيوف المضطهدين العتاة. وذهب إلى الإسكندرية ليشجع إخوانه في الإيمان، ويحملهم على الثبات في احتمال أنواع الآلام. ثم سافر مع قافلة تريد البحر الأحمر[2] عن طريق الصحراء، حتى أتى إلى جبل القلزم ووجد هناك عين ماء وبعض أشجار النخيل. وصعد إلى الجبل فوجد مغارة فدخلها وجعلها مسكنه وصومعة نسكه وعباداته. وأخذ يزرع القمح وبعض الخضار لمعيشته، لكي لا يكون عالة على غيره. وقضى أنطونيوس في تلك الصحراء زمناً طويلاً بعيداً عن أبنائه وأدياره وزواره. ولما طال غيابه أخذ أبنائه بالبحث عنه حتى عثروا على مخبئه، فنزل إليهم وعاد إلى ديورته. وكم سُرَّ وبارك الله لما رأى شقيقته آتية إليه بعد غياب خمسين سنة، ومعها طغمة من العذارى البتولات، اللواتي كن قد تتلمذن لها في أديار النساء التي أنشأتها لهن. وقد أمتاز أنطونيوس في حياته وبعد وفاته بصنع العجائب، ولذا ترى الناس يركضون إليه لينالوا ما يبتغون من النعم. وكان كلما تقدم في السن ازداد كمالاً وتواضعاً وسيرة ملائكية. وكتب إليه الملك قسطنطين يطلب صلاته وأدعيته. وكان شديد الاحترام لرجال الإكليروس، حتى لأصغرهم سناً ودرجة، يركع أمام الأساقفة والكهنة الذين يأتون لزيارته ليأخذ بركتهم، رغم شيخوخته وجلال هيبته وإقبال الألوف على طلب بركاته وصلواته.

وعندما شعر بدنو أجله فرح لرحيله إلى الدار الباقية والأخدار العلوية. فدعا تلميذيه مكاريوس وأماسيوس وقال لهما: ” عما قليل سأنضم إلى آبائي فأثبتوا في الإيمان واهربوا من الهراطقة. لا أريد أن تدفنوا جسدي باحتفال، بل واروه في التراب ولا تعلموا أحداً بمقري. أما ثيابي فوزعوها هكذا: ترسلون إلى البطريرك أثناسيوس ردائي الأول، كان قد وهبه لي جديداً فأعيده إليه خَلقاً. أما ردائي الثاني فترسلونه إلى سيرابيون أسقف توميس. والمسح الذي يغطي جسدي يكون لكما “. ثم باركهما وتمدد على الأرض وفارق الحياة بهدوء وسكينة. فعمل تلميذاه كما أوصاهما، ودفنا جسده ولم يعلما أحداً بمكانه. وكان ذلك في 17 كانون الثاني سنة 356، وكان له من العمر مئة وخمس سنين. وبقي جسده في رمال تلك الصحاري حتى سنة 561 حتى عرف الإمبراطور يوستنيانس[3] بإلهام إلهي موضع قبره، فحملت عظامه إلى الإسكندرية. ثم نقلت إلى القسطنطينية، واستقرت أخيراً في مدينة أرل في جنوب فرنسا. وقد تعبد له الشرق والغرب عبادة كبيرة، فهو بالحقيقة كوكب البرية ومجد الحياة الرهبانية وشفيع الشعوب والأفراد في كل زمان ومكان.[4]

وتحتفل كنيسة المشرق بتذكار مار انطونيوس أبي الرهبان في الجمعة الثانية من سابوع موسى.

——————————————————————————–

1_ الفيوم: مدينة في مصر تقع جنوب القاهرة تسقيها مياه النيل، وتشتهر بزراعة الأرز وقصب السكر والتين والعنب. فيها أنقاض أديرة وكنائس. وهناك تقليد يقول أنها دعيت فيوم لأنها بنيت خلال ألف يوم. المنجد في الأعلام ص 539.

2_ البحر الأحمر: ويعرف ببحر القلزم، وهذا البحر ينحصر بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. وينفذ إلى البحر المتوسط بترعة السويس شمالاً، وإلى المحيط الهندي بمضيق باب المندب جنوباً. تكثر فيه جنوباً مغاوص اللؤلؤ، وتتعدد فيه الجزر الصغيرة. المنجد في الأعلام ص 26.

3_ يوستنيانس الأول ( 482 _ 565 ): إمبراطور بيزنطي حكم بين سنتي 527 _ 565. حاول توطيد وحدة الإمبراطورية في السياسة والدين والقانون. أمر بتدوين القوانين الرومانية. كمل في القسطنطينية بناء كنيسة أجيا صوفيا. حارب الفاندال والفرس، واستعاد إيطاليا والأقاليم الأفريقية. ساعدته زوجته تيودورا ولكن سياستهما أخفقت في الحقل الديني حيث شجعا المونوفيزية. المنجد في الأعلام ص 755.

4_ السنكسار المشتمل على حياة القديسين المطران ميخائيل عساف ج 1 ص 53 _ 65.

 

Michigan SEO