لاهوت

ملخص رسالة البابا العامة ـ نور الإيمان

ملخص رسالة البابا العامة ـ نور الإيمان


التي قُدمت اليوم في دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي

 


الفاتيكان, 5 يوليو 2013 (زينيت) روبير شعيب

قدمت اليوم في دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي الرسالة العامة الأولى للبابا فرنسيس بعنون ـ نور الإيمان

(LUMEN FIDEI)

تشكل الرسالة العامة تكملة لرسائل البابا بندكتس السادس عشر حول الفضائل الإلهية. فبعد رسالتي بندكتس السادس عشر “الله محبة” حول المحبة،  و “مخلصون بالرجاء” حول الرجاء، تأتي رسالة البابا فرنسيس لتكملة السلسلة

تهدف الرسالة إلى إعادة اكتشاف “خاصية نور الإيمان” لأنه، كما يشرح البابا (عدد 4) “عندما تنطفئ شعلة الإيمان، تفقد كل الأنوار الأخرى حيويتها. فنور الإيمان يملك، في الحقيقة، خاصية فريدة، لكونه قادر على إنارة كل وجود الإنسان”.ا

ويصرح البابا في مقدمة الرسالة أن بندكتس السادس عشر “كان قد أوشك على إنهاء المسودة الأولى للرسالة العامة حول الإيمان”. وقد أضاف البابا فرنسيس لمسته إلى النص من خلال “بعض المساهمات الإضافية

الفصل الأول

في الفصل الأول من الرسالة الذي عنوانه “لقد آمنا بالمحبة” (1 يو 4، 16)، ينطلق البابا متحدثًا عن شخصية إبراهيم من العهد القديم، فيشرح أن الإيمان يأتي كجواب لسماع كلمة الله ولدعوته للخروج من الأنا المنغلق نحو حياة جديدة ووعد شخصي

يظهر الله في طبيعة الإيمان هذه كآب، والإيمان كهبة مجانية من الله، تتطلب منا تواضع الإيمان والتسليم له

ثم تتوقف الرسالة العامة على شخصية يسوع الذي يبين لنا بشكل جلي عن حب الله الذي هو ركيزة الإيمان. يسوع هو “الشاهد الأمين” وفيه يعمل الله بشكل ملموس في تاريخنا البشري

ويميز البابا بين وجهين هامين في إيمان-يسوع: هناك الإيمان به، كإله وكموضوع إيمان، وهناك الإيمان بكلمته. فنحن نؤمن بيسوع بشكل عميق عندما نقبل كلمته. وقبول يسوع هذا هو عمل الروح القدس

الفصل الثاني

أما الفصل الثاني، والذي عنوانه “إذا لم تؤمنوا لن تفهموا” (أش 7، 9) فيتحدث البابا عن الرباط الوثيق بين الإيمان والحقيقة، حقيقة الله الموثوقة وحضوره الأمين في التاريخ

ويقول البابا: “إن الإيمان بلا حقيقة، لا يُخلّص، ولا يجعل خطواتنا ثابتة. بل يبقى مجرد خرافة جميلة، انعكاسًا لرغباتنا في السعادة، أمرًا يفرحنا يمقدار حاجتنا في أن نخدع أنفسنا أو ينحصر في مجرد شعور طيب، يعزي ويدفئ، ولكنه يبقى موضوعًا لتذبذبات أمزجتنا، ولتقلبات التاريخ، ومن ثم عاجزًا عن دعم مسيرة دائمة في الحياة” (24).ا

إن إيمانًا من هذا النوع لا يستحق أن نكرس له حياتنا. ولذا لا بد أن يكون هناك ربط حميم وأساسي بين الإيمان والحقيقة. وفي ظل “أزمة الحقيقة” التي نعيشها، إنه لمن الضروري أن نذكر بأهمية هذا الرباط. ويفتح البابا بالتالي بابًا للحوار بين الإيمان والعقل حول الحقيقة في عالم اليوم، لافتًا إلى أن الحقيقة لا يُمكن أن تُختزل بالحقائق المخبرية والعلمية، كما ولا يمُكن أن تضحي مجرد “أصالة فردية”، بل يجب أن تنفتح على بعد موضوعي تسمح بفتح أبواب تواصل بين جميع البشر

الفصل الثالث

يتوقف الفصل الثالث وعنوانه “أنقل لكم ما قد تلقيته” (1 كور 15، 3) على أهمية التبشير، فيوضح أن من قد التقى بحب الله وانفتح عليه، لا يستطيع أن يبقى منغلقًا في ذاته. لا يستطيع المؤمن أن يحتفظ بالإيمان كملك ذاتي فقط

يشع نور المسيح على وجه المؤمن وينتشر كشعلة تستنير وتنير شعلًا أخرى وتمر من جيل إلى آخر

وشدد البابا على أنه من المستحيل أن نؤمن لوحدنا، لأن الإيمان ليس خيارًا فرديًا. الإيمان يعاش في صلب الشركة الكنسية

الفصل الرابع

يتوقف الفصل الرابع – وعنوانه: “يعد الله لهم مدينة” (عبر 11، 16) على الرباط بين الإيمان والخير العام، لافتًا إلى أبعاد الإيمان الاجتماعية والترابط بين الإيمان والعدالة والسلام

يوضح الفصل أن الإيمان ليس فكرًا مجردًا بل هو واقع محوّل. والإيمان في ارتكازه على المحبة يحدس الرابط الأعمق بين البشر الذي ليس المصلحة بل المحبة والشركة

وتتوقف الرسالة العامة بالتالي على مختلف الوقائع البشرية المستنيرة بنور الإيمان مثل العائلة، العلاقات الاجتماعية، العمل، البيئة، إلخ

هذا وتتوقف الخاتمة على مريم “الأيقونة الكاملة” للإيمان، وإليها يرفع البابا فرنسيس الصلاة لكي تساعد إيمان إنسان اليوم ولتذكرنا أن المؤمن ليس وحده أبدًا

الثالوث الأقدس الإله الواحد الحق ٣

الثالوث الأقدس الإله الواحد الحق ٣

هل كان يسوع يدرك أنه الله؟

 

روما (زينيت) الدكتور روبير شعيب

رغم أن يسوع علم تلاميذه أن يتوجهوا إلى الله كآب، إلا أنه لم يُقِم أي رابط مساواة بين علاقته بالآب وعلاقة البشر به. نجد في كلام يسوع تمييز كبير بين “أبي” و “أبيكم” (راجع يو 20، 17).

يقول اللاهوتي لويس فرنسيسكو لاداريا: “لا نجد أبدًا في العهد الجديد مقولة يضم فيه يسوع نفسه إلينا وكأننا على المستوى نفسه. فعلاقة يسوع بالآب هي فريدة لا تتكرر. هذا الأمر يظهر إن في كلماته وإن في تصرفاته، وبشكل خاص في صلاته الفردية”.

إن بنوتنا تختلف كليًا عن بنوة يسوع. لا بل نحن أبناء بفضل بنوة يسوع الفريدة. فنحن نضحي “أبناءً بالتبني من خلال يسوع المسيح” (أف 1، 5؛ غل 4، 5). وكما يشرح بشكل جميع القديس إيرناوس: “نحن أبناء بالابن”.

سنقدم بعض الشواهد الكتابية التي تثبت ما نقوله:

يتحدث يسوع عن الله دومًا كـ “أبي” (راجع مت 7، 21؛ 10، 32؛ 11، 27؛ 16، 17؛ لو 2، 49؛ 10، 22؛ يو 2، 16؛ 5، 17، إلخ). في الأناجيل الإزائية، يتم الحديث عن يسوع كـ “ابن الله” في لحظات محورية من سيرته: في البشارة (لو 1، 35)، في المعمودية (مت 3، 17؛ لو 3، 22)، في التجلي (مت 17، 5؛ مر 9، 7)، في الموت على الصليب (مت 27، 54؛ مر 15، 39).

هذا وإن أعداء يسوع بالذات يؤكدون تحت الصليب أنه قال عن ذاته: “أنا ابن الله” (مت 27، 43).

ويقدم لنا إنجيل يوحنا إطارًا متينًا وغنيًا يكشف عن العلاقة الفريدة بين الآب ويسوع. فيسوع يتحدث عن ذاته دومًا كـ “الابن” بإشارة واضحة جدًا إلى الآب. ويقول علانية “ابن الله” (يو 11، 4)، و “الابن الوحيد” (يو 3، 16).

هذا ويفتتح الإنجيلي مقدمة إنجيله بالاعتراف بألوهية يسوع: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله والكلمة كان الله” (يو 1،1) وبالشكل عينه يختتم المقدمة الشعرية: “الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي الله والذي هو في حضن الله، كشف عنه” (يو 1، 18).

وفي ختام إنجيل يوحنا نسمح الإنجيلي يعلن عن مقصده في كتابة الإنجيل: “لكي تؤمنوا بأن يسوع هو المسيح، ابن الله، ولكيما، بإيمانكم به، تكون لكم الحياة باسمه” (20 ،31).

هذا وإن الأناجيل الأربعة هي مشبعة بإعترافات الناس بأن يسوع هو “ابن الله”.

إذا ما تعمقنا في قراءة الأناجيل، نرى أن يسوع لا يعتبر نفسه “ابن الله” مثل أحد أبرار العهد القديم. يسوع يدعو نفسه ابن الله بمعنى المساواة والوحدة مع الآب. لهذا السبب كان اليهود يريدون أن يرجموه، لأنهم كانوا يظنون أنه يجدف إذ أنه “يدعو الله أباه، مساويًا نفسه بالله” (يو 5، 18).

وبالحديث عن نفسه، يستعمل يسوع في إنجيل يوحنا مرات عدة تعبير: “أنا هو” الذي يشير إلى اسم الله بحسب ما كُشف لموسى (راجع خر 3، 14). خيار يسوع هذا كان يثير غضب اليهود، الذين كانوا يدركون جيدًا معنى استعمال هذا الاسم (راجع يو 8).

وعليه، فالأناجيل تبين لنا بوضوح تام أن وحدة يسوع بالله الآب، ليست مجرد وحدة أخلاقية، وحدة محبة وقداسة من قِبل خليقة أمينة نحو خالقها.

وحدة يسوع بالآب هي وحدة جوهرية، كيانية، جذرية. يقول يسوع دون مراوغة: “أنا والآب واحد” (يو 10، 30).

وعليه فالجواب على السؤال الذي نطرحه في عنوان هذه المقالة هو: نعم وألف نعم!!!

خلاصة القول، إن الأناجيل، التي نملك مخطوطات قديمة جدًا منها تعود إلى القرن الأول، تشهد باستمرار لألوهية يسوع المسيح. لا كقرار أخذته الكنائس، بل كإرث تلقاه المسيحيون، كوديعة لا يحق لهم أن يتلاعبوا بها أو أن ينكروها.

ولكمّ كان يطيب لهم أن يقولوا أن يسوع كان مجرد نبي، أو مجرد معلم وحاخام!!!! أما كان لذلك أن يعتقهم من اضطهاد اليهود ومن غضب الرومانيين؟؟؟؟ ما كانت مصلحة المسيحيين بإعلان ألوهية المسيح، لو تكن وديعة سلّمها لها يسوع؟؟؟؟

هذا، ومن ناحية أخرى، نسأل: كيف لنا أن نفهم بغض اليهود ليسوع لو أنه لم يشر دومًا إلى ألوهيته، جاذبًا غضبهم وغيظهم وكرههم لما اعتبروه تجديفًا؟؟؟

سيناريو سيرة يسوع التي يشهد لها التاريخ تؤكد أنه رُفِض من قبل اليهود بسبب إعلانه عن ذاته كابن الله. والمسيحيون عانوا فورًا بسبب أمانتهم ودفعوا بالدم ثمن إيمانهم. ولذا إعلان ألوهية يسوع كان وسيبقى فعل أمانة وإيمان بطولي.

(يتبع)

الثالوث الأقدس الإله الواحد الحق ٢

الثالوث الأقدس الإله الواحد الحق ٢

الله الآب بحسب الأديان وبحسب يسوع

 

روما, (زينيت) الدكتور روبير شعيب

يسوع ليس أول من استعمل كلمة “أب” للحديث عن الله. هوميروس في الأوديسيا يسمي زيوس “أب البشر والآلهة”. وفي طقوس ميترا الأسرارية يُسمى الإله “أب المؤمنين”. وتُعلم الـ “ريغ فيدا”، الديانة الهندية القديمة، أن النبات يأتي من اتحاد الأرض الأم (بريثيفي) مع السماء الأب (دياوس بيتا).

هذا وإن الأبوة الإلهية في الأديان كانت تؤدي إلى الحلولية. فالأرض ليست مخلوقة من الإله، بل هي تنبع منه مثلما ينبع النور من الشمس.

لهذا السبب، كان العهد القديم حذرًا جدًا في استعمال “الأبوة” في الحديث عن الله. وعندما يتحدث عن هذه الأبوة فهو يشير إليها بتوضيح ضروري.

التوضيح الأول يربط أبوة الله بالعهد، بالميثاق. فإسرائيل هو ابن الله بفضل اختيار الله له وأمانته للعهد (راجع خر 4، 22 – 23؛ تث 14، 1 – 2).

المعنى الثاني يشير إلى الفداء. فالله هو أب لإسرائيل لأنه يفدي ويخلص شعبه: “أنت، أيها الرب، أبونا، من الأزل دُعيت مخلصنا” (أش 63، 16).

المعنى الثالث يشير إلى الخلق. “أنت يا رب أبونا، ونحن كالخزف بين يديك. أنت تصوغنا، ونحن جميعًا عمل يديك” (أش 64، 7). الله أب بمعنى أنه الخالق الحنون. إن فكرة “الخلق” تنفي كل مفاهيم الحلولية وانبثاق الخليقة من الله، وتقيم فصلاً واضحًا بين الخالق والخليقة.

قلما يتوجه العهد القديم إلى الله فيدعوه “آب” بالصلاة. وعندما يستعمل ذلك، يربطه دومًا بكلمة “رب” للتشديد على سمو الله. نرى مثالاً على ذلك في سفر ابن سيراخ: “أيها الرب، أب حياتي وإلهها…” (23، 4).

هناك أمر لافت في العهد القديم: إن أبوة الله لا تأخذ طابعًا أبويًا حصريًا، بل يستعين الكتّاب الملهمون بصور وخصائص أمومية. فيتم التعبير عن رحمة الله، على سبيل المثال، من خلال الحديث عن الرحم الأمومي (رحميم بالعبرية). إن حب الله لنا هو أمومي، ينبع من الأعماق، هو متجذر بكيانه الأعمق.

حنة باربارا غرل تبين كيف أن الكتاب المقدس يقدم ما لا يقلّ عن 20 صورة أنثوية للحديث عن الله. “مثلما تعزي الأم ولدها، هكذا أعزيكم أنا” (أش 66، 13). لقد أصاب ذلك الطفل الذي أجاب على السؤال عما إذا كان الله أبًا أو أمًا عندما قال: “إن الله أبٌ يحب بقلب أًم”.

ولكن هناك أمر آخر هام: إن كُتّاب العهد القديم، لا يكتفون باستعمال التشابيه الأبوية والأمومية للحديث عن الله، بل يبينون كيف أن أبوة وأمومة الله تتجاوز المحدودية التي تميز هذه الأدوار البشرية. نستشهد بآيتين لإيضاح الفكرة: ” قالت صهيون: ’تركني الرب ونسيني سيدي‘.  ’أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى ولو نسيت النساء فأنا لا أنساك” (أش 49، 14 – 15). وأيضًا: “إذا تركني أبي وأمي فالرب يقبلني” (مز 27، 10).

ميزة العهد الجديد

مع العهد الجديد نرى تحولاً جذريًا. يسوع يتوجه دومًا إلى الله بكلمة “آب”. هناك استثناء واحد، عندما يصرخ يسوع على الصليب: “إلهي، إلهي، لِمَ تركتني؟”. ولكن هذا الاستثناء يثبت القاعدة لأنه استشهاد بالمزمور 22.

يتوجه يسوع دومًا إلى الآب بدالة لا سابق لها، ويستعمل كلمة تُستعمل في الإطار البيتي الحميم: “أبّا” (مر 14، 36). لقد انطبعت دالة يسوع هذه في قلب التلاميذ لدرجة أنهم نقلوا الكلمة بالأصل الأرامي حتى في الأناجيل المترجمة إلى اليونانية (راجع روم 8، 15؛ غل 4، 6).

يعلم الناصري تلاميذه النظر إلى الله كأب صالح: “من منكم إذا سأله ابنه رغيفا أعطاه حجرا، أو سأله سمكة أعطاه حية؟ فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم، فما أولى أباكم الذي في السموات بأن يعطي ما هو صالح للذين يسألونه!” (مت 7، 9 – 11).

يدعو يسوع تلاميذه لكي يكونوا كاملين ورحماء مثل أبيهم السماوي (راجع مت 5، 48؛ لو 6، 36) الذي “يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار” (مت 5، 45). ويعلم يسوع تلاميذه أن يتوجهوا إلى الآب بالصلاة بدالة الأبناء قائلين: “أبانا” (راجع مت 6، 9؛ لو 11، 2).

بحق يلخص المؤرخ أدولف فون هارناك النواة الأساسية في المسيحية خصوصًا في “إعلان أبوة الله”.

(يتبع)

Michigan SEO