كتابات قديمة

تَّـنقُــلُ الكهنــة الــدوري

تَّـنقُــلُ الكهنــة الــدوري !

~~~~~~~~~~~~~

 

أهلا وسهلا بالأخ السائل. لاحظتَ النقصَ الكبير في عدد الكهنة الكلدان مقابل كثرة المهاجرين الكلدان في السويد ، قرابة 20.000 مؤمن ، وتألمتَ لذلك.

1+ عــدد الكهــنة  !

 

ليتَ المؤمنين كلهم يحُّسون بهذا النقص أولا. وثانيا ، وهذا الأهم ، أن يفَّكرَوا بأنَّ الكهنة لا يُحصَلُ عليهم من الأسواق حتى تتزوَّدَ كلُ مجموعة أو رعية عددا من الكهنـة على ذوقها وحسبَ حاجتِها ، وتُغَّـيرُهم حسبَ قناعَتها. الكهنوتُ نعمـةٌ الهــية منَّـهُ الله على البشرية ،  داعيا إليه بعضَ الناس ليتوسط الكهنة بينه وبين الناس : من جهةٍ ، وبعدَ التبشير أولا بالمسيح والشهادةِ لهُ بسيرتهم، يُبَّـلغون الناس مشيئة الله ومباديءَ الأخلاقِ الحميدة والبَّناءة ، ويستنزلون بركاتِه على البشرية بتوزيع الأسرار وهي ينابيع نعمِـه ، و تُرشدُهم الى الطريق القـويم إلى الحياةِ الأبدية ، حيثُ الراحةُ والمجدُ والسعادة . ومن جهة ثانية يرفعون الى الله صلوات البشر وحاجاتِهم ، ويعرضون عليه آلامَهم وأمراضهم ويطلبون لها العلاجَ الألهي. إنهم يؤدون دورَالمسيح و رسالتَه ، ويُمارسون سُـلطانَهُ.

 

وقد إختارَ يسوع الرسل أولا ثم التلاميذ إلى أداءِ هذه المهمة. و وعدَ أن يُرسلَ ” فعلة ً إلى كرمه ” ، كما حرَّضَ التلاميذ على الطلب من الله ليستمرفيُرسل ” فعلة ً لحصادِه “. ونلاحظُ اليومَ وجودَ عدد قليل من الكهنة لا يكفي لخدمة الكلدان. وهذا خللٌ. ونتساءَلُ : إلى من يعودُ سبب قلةِ عدد الكهنة ؟ هل إلى المسيح لأنه لا يهتم بكنيستِه ؟ هل أهملَ اللهُ الكلدان؟. أكـيدًا لا. إن كانَ قد ماتَ من أجل كنيستِه فكيفَ يُهملُها ؟. أما قالَ ” أنا معكم إلى نهاية العالم ” ؟ (متى 28: 20). وإن كان معنا ليس حتى يُراقبَ آلامَنا، و مشاكلنا، وحاجاتِنا !. إنه يُريدُ أن يُساعِدنا. ولكن كم نعرضُ عليه حاجاتِنا وكم نرفعُ اليه طلباتِنا، وكم نسأله أن يُغيثنا؟. وأيضا كم نُصغي اليه، وكم نسمع كلامَه، وكم نـتقَّـيدُ بتعليمهِ و وصاياه؟.  وكم نُهَّـييءُ الأرضية َ و البيئة ليعملَ المسيحُ فينا ؟.

 

إن المسيحَ لا بد ويدعو الآنَ ايضا رسلا / كهـنة يتابعون رسالته و خدمته في العالم أجمع ، و من خلال كل الكنائس. ولكن كم واحد منا يُصغي الى إيحائِه و يستجيبُ لدعـوتِه؟. بل كم أب وأم منعوا أولادَهم من إتمام رغبتهم في الأنتماء الى سلك الكهنوت؟. وأخيرا وليس آخرا كم عائلة تتحَّدثُ عن الكهنوت مع أفراد أسَرِتها وتُشَّجعُ إنخراط أحدهم الى الحياةِ الرهبانية ، وتُصَّلي معهم لتكتملَ الدعوةُ ويكثرُ الكهنة ؟.

 

لسنا في بدءِ الهجرة حتى نستوردَ الكهنة. إنَّ بعضًا منا تعَّدوا الثلاثين سنة من وصولهم. أغلب الرعية قد تجَّنسوا بجنسية السويد. وربما ثلثُ أبناء الرعية ولدوا هنا. بما معناهُ أصبحنا كنيسة مستقرة هنا سياسيا وآجتماعيا وماديا. ولم يبقَ لنا غيرَ أن نستقّرَ إيمانيا وروحيا. نحن الآن في مرحلة الأكتفاء الذاتي. وكل واحد يبذلُ جهودا كبيرة ومضنية لذلك. فمن واجبنا أيضا أن نولي الجانب الروحي إهتمامنا مثل بقية حاجاتنا. علينا أن نفكر ونهتم ونصلي من أجل توفير الكهنة الضروريين لخدمتنا. علينا أن نُهَّـيئَ الأجواء في عوائِلنا و رعايانا. الربُ ينتظرُ منا أن نتهَّـيأ لآسقبال دعوتِه ، ونُصغي إلى نـدائِهِ حتى يستجبَ هـو لصلاتِنا فيُنعمَ علينا بكهنةٍ عديدين وكفوئين.

 

2+ تـنَّـقُـلُ الكهــنة  !

وقد أرفقتَ ألمَـك السابق بآقـتراحٍ مفادُه أن يـتّمَ بين الكهنة الذين يخدمون حاليا في السويد ،

كل سنتين أو ثلاث ،  تغييرٌ دوري ليحدثَ تجـديد في العطـاءِ وتحويلٌ في المواهبَ ليكون

التوزيعُ عادلاً نوعا ما، أو أقله لئلا يتمَ فارقٌ كبير في الخدمة بين منطقةٍ وأخرى. أيُّها الأخ العزيز لقد أصبتَ المرمى في آقتراحِكَ ، وإن كان قد سبقكَ غيرُك إلى تقديم نفس الأقتراح. مع أنَّ الكهنة الكلدان في السويد أصبحوا مثلا لهكذا إجراء منذ سنة 2008م. ولو إطلعتَ على خبر سابق نشرته في الفيس بوك لوَّفرتَ على نفسك مشقة الكتابة. ولكنك فعلتَ جـيدا بطرحك السؤال لأن كثيرين لم يطلعوا على ما نُـشر.

 

يومَ إجتمعَ غبطة البطريرك مع الكهنة الكلدان في إسطنبول بين 9/9 و 10/9/2013 قدَّمَ غبطته نظام التنقل بين الكهنة في السويد نموذجا طبَّقه على بقية بلدان أوربا وحتى على أبرشية بغداد البطريركية ليكونوا قدوة لبقية ابرشيات الكنيسة الكلدانية. وعليه قَّـرَر بأن لن يبقَ ، من الآن وصاعدا ، كاهن في نفس الرعية أكثر من ستِ سنوات متتالية. ويمكن أن يتم نقلهُ الى رعية أخرى حتى قبل إنتهاء مدة ست سنوات. وبنفس الهدف : حتى لا يتعلق الكاهنُ بمكان معين ، بل بخدمته ليؤديها على أحسن وجه ؛ ولا يتعَّلق المؤمنون بشخص الكاهن بل بخدمتِه والتعاون معه.

 

 

القس بول ربان

 

الكتابات الدفاعية

الكتابات الدفاعية

لقد اصطدمت المسيحيّة، منذ نشأتها، ببيئتها اليهوديّة، والوثنيّة، فاضطرَّت إلى الدّفاع عن نفسها. وإنّنا نجد أثراً لذلك في العهد الجديد: خطاب الشهيد اسطفانوس (أع 7)؛ وخطاب بولس (أع 17 : 16 – 34).

وفي القرن الثاني طرأت تغييرات على أحوال الكنيسة فأصبح الدّفاع عن المسيحيّة نمطاً أدبيّاً خاصّاً. وهذا ما أجاز للباحثين التكلّم عن “المدافعين” أي الدفعة الأولى من كتّاب النصف الثاني من القرن الثاني، الّذين خصّصوا كتاباتهم للدفاع عن المسيحيّة. ولمّا كانت بيئة المسيحيّين بيئة يهوديّة ووثنيّة فقد وجّه الكتّاب المدافعون دفاعاتهم إلى اليهود والوثنيّين.

 

كان للدفاع عن المسيحيّة بوجه اليهودية هدفان:

الهدف الأول تحديد الفوارق بين المسيحيّة وجذورها اليهوديّة. فركّز الكتّاب خصوصاً على الاعتراف بيسوع مسيحاً، وعلى تفسير العهد القديم بأنّه تهيئة لمجيء المسيح وتبشير به.

والهدف الثاني هو هداية اليهود إلى المسيحيّة وإقناعهم بالإيمان بيسوع المسيح اعتماداً على معطيات العهد القديم عينه.

إنّ الكتابات الدفاعيّة الموجّهة إلى اليهود قليلة في مبادئ الأدب المسيحيّ، إذ إنّ محاوريها قليلون. إلاّ أنّ أهميّتها ليست بالقليلة.

أمّا الدفاع عن المسيحيّة بوجه الوثنيّة فكان له وجه آخر. فلقد كانت الاضطهادات تعصف بالمسيحيّين من حين إلى حين، هنا أو هناك، تؤجّجها الوشايات والحسد والاتّهامات الباطلة وسوء الفهم، وما كانوا ليشعروا بأنّهم مذنبون أساءوا في شيء بل كانوا يرون في هذه الاضطهادات ظلماً.

وقبل أن يذيع داكيوس (250 / 251) إعلانه القاضي بأنّ يقدّم جميع سكّان الإمبراطورية الذّبائح لآلهة رومة تحت طائلة العقاب، لم يكن في الحقّ الرومانيّ نصّ يجيز اضطهاد المسيحيّين. فأصبح الاسم المسيحيّ وحده سبباً كافياً لاضطهاد حامله. ولم يكن في هذه الحالة، من يستطيع أن يأتي إلى نجدة المسيحيّين وحمايتهم، في كلّ أرجاء الإمبراطورية، إلاّ الإمبراطور نفسه. لذلك وجّه المدافعون المسيحيّون في القرن الثاني كتاباتهم الدفاعيّة إلى الإمبراطور أو الأباطرة لافتين انتباههم إلى تجاوزين قانونيّين:

أولاً إذا كان المسيحيّون معرَّضين للاضطهاد لأنّهم مسيحيّون فليس على الدولة إلاّ اضطهادهم من دون حاجة إلى وشايات، كما أعلنه الإمبراطور تريانس في مراسلته مع بلينُس الشاب عام 112.

ثانياً على ذوي السلطة الإتيان ببراهين تثبت ذنب المتّهَمين المسيحيّين، فإنّ الاتّهامات التي تُساق عليهم لا شكّ أنّها كثيرة، من كُفر وزنى وأكلِ لحوم بشر وقتل أطفال، إلاّ أنّه لم يُؤتَ حتّى الآن ببرهان واحد على أحد هذه الاتّهامات.

كان الهدف من الدليل البرهانيّ الذي تسلّح به المدافعون المسيحيّون إزالة سوء التفاهم، وتصحيح الصورة الخاطئة التي رسخت في ذهن الشعب عن المسيحيّين، وسبّبت لهم الاضطهاد. كان على هؤلاء الكتّاب أن يصوّروا المسيحيّة بصورة إيمانيّة وعقيدية مقبولة، تتّفق والخير وشرائع الدولة. فهم يصلّون من أجل الإمبراطور، ويشتركون في الحياة العامّة، وتملي عليهم واجباتهم الأخلاقيّة المسيحيّة احترام الحقّ… إلاّ أن حجر العثرة بقي منتصباً ألا وهو عبادة المسيحيّين لإله واحد، وامتناعهم بالتالي عن تكريم الآلهة في الحفلات الرسميّة. وما كان عليهم إلاّ أن يبرهنوا بوضوح عن تفوّق إيمانهم واتّفاقه والعقل، ممّا قادهم، في داخل الكنيسة، إلى إرساء أُسس علم اللاهوت.

ولم يكن من العسير بسط الإيمان المسيحيّ أمام أناس غير مسيحيّين إذ إنّ بينهم مثقّفين متضلّعين من المعارف الفلسفيّة كوّنوا لأنفسهم صورة عن الله متعالية حدّدوا بها نظرتهم إلى العالم ومسلكهم الأخلاقيّ. فكان الجوّ إذن ملائماً لتقبّل العقيدة المسيحيّة.

إذن كان على الكتّاب المدافعين المسيحيّين أن يتصدَّوا لثلاث معضلات:

أولاً: الردّ على التهجّمات والأعمال والحجج المسوقة على المسيحيّين، بالبرهان على أنّها ليست مبرّرة أو تنقصها الحجج؛ وثانياً: و ضع حدّ للتفاسير الخاطئة المفسّرة للمسيحيّة بالتكلّم عن المسيحيّة كما هي عليه؛ وثالثاً: تأسيس وتعليل واضحين للإيمان المسيحيّ بإظهار النقص في عقيدة الخصوم. وكانت تحدو على هذا الهدف الأخير غيرة رسوليّة لهداية هؤلاء الخصوم إلى المسيحيّة.

ولتبيان حقيقة المسيحيّة تسلّح المدافعون بالبراهين التالية:

. البرهان الأخلاقيّ ولاسيّما برهان المحبّة التي ينادي بها ويطبّقها المسيحيّون.

. البرهان المبنيّ على تنبّؤات السيّد المسيح والأنبياء من قبله.

. برهان الأقدميّة الذي يبيّن الوحدة الداخليّة بين العهد القديم و العهد الجديد، وتحقيق نبوءات العهد القديم في العهد الجديد.

. برهان المعجزات. بيد أنّ المدافعين لم يلجأوا إليه كثيراً إذ إنّ من الناس مسحاء كذبة وسحرة قادرين على اجتراح المعجزات بالاستعانة بالشياطين..

إنّ نصف الكتابات الدفاعيّة التي لنا علم بوجودها مفقودة أو لم يصل إلينا إلاّ من خلال بعض الاستشهادات ورد أكثرها في “التاريخ الكنسيّ” لأوسابيوس.

إنّ أفضل وأقدم مخطوطة تحوي كتابات المدافعين اليونانييّن الذين من القرن الثاني هي المجموعة الباريسيّة 451 (Codex Parisinus) التي كُتبت عام 1914 لأَريتاس رئيس أساقفة قيصريّة الكبّادوك. وكانت قبلاً مجموعة تضمّ مدافعي القرون الثلاثة الأولى جميعاً وأوسابيوس من بينهم. ومن هذه المخطوطة تفرّع معظم مخطوطات المدافعين اليونانيّين، ما عدا يوستينوس وثيوفيلُس الأنطاكيّ والرسالة إلى ديوغنيتس وإرميا.

 ـــــــــ

المرجع:

 المطران كيرلّس سليم بسْترس – الأب حنَّا الفاخوري – الأب جوزيف العَبسي البولِسيّ، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المكتبة البولسيّة، جونية 2001

   عن الموسوعة العربية المسيحية

ضد الهرطقات

ضد الهرطقات

لإيريناوس أسقف ليون

أشـهر مؤلَّـف للقديس إيريناوس أسقف ليون. عنوانه المتـداول “ضـد الهرطقـات” (Adversus haereses)، أما عنوانه الأصلي فهو: “بحث وتفنيد إدعاء الغنوصية الكاذب” Elegoj kai. avnatroph. th/j yeudwno,mou gnw,sewj:. يُقسَم إلى 5 كتب كتبها تفنيداً للغنوصية يفضح به هذه البدعة.

لا نملك نسخته اليونانية الأصلية، بل إحدى الترجمات اللاتينية الأمينة للنص الأصلي، والتي يختلف العلماء في تحديد تاريخها.

من عنوان النص الأصلي يتضح وجود قسمين فيه: الأول (ويشمل الكتاب الأول) “يبحث” في الهرطقة نفسها ويشكّل أحد المصادر الهامة للإطلاع على تاريخ الغنوصية. والثاني “يفنّد” الهرطقة، ويشمل 4 كتب:

– الكتاب الثاني: يفنّد بالمنطق الغنوصية الفالنتينيّة والمرقونية.

– الكتاب الثالث: يستخدم عقيدة الكنيسة في الحديث عن الله والمسيح.

– الكتاب الرابع: يستخدم كلمات الرب.

– الكتاب الخامس: يتحدث عن قيامة الجسد التي ينكرها الغنوصيون.

في خاتمة المؤلَّف يتحدث إيريناوس بقناعة عن المُلك الألفيّ.

 

مع أنه تصعب قراءة المؤلَّف بسبب أسلوبه المعقّد أحياناً والمليء بالإعادات إلا أن إيريناوس نجح في تقديم صورة واضحة عن عقيدة الكنيسة ولاهوتها القديم.

اعتمد إيريناوس في تعريفه العقيدة الغنوصية على قراءآته لكتاباتها، بالإضافة للكتابات التي أُلِّفت ضدّها. لكن من بالغ الصعوبة تحديد هذه المصادر لأنها فُقدت جميعها، وهذا يجعلنا نجهل مدى تأثير هذه الكتابات في مؤلَّفه.

 

بالنسبة للنص الكامل في ترجمته اللاتينية فهو متوفر في عدّة مخطوطات. كما أن هناك مقتطفات عديدة من الأصل اليوناني نقلها لنا كلٌّ من هيبوليتس وإوسابيوس وخاصة أبيفانوس. بحوذتنا أيضاً ترجمة أرمنية للكتابان الرابع والخامس اكتشفها وقام بنشرها إ. ديرميناسيان. كما وصلت لدينا 33 قطعة من ترجمة سريانية.

ــــــــــــ

– المراجع

 

J. Quasten, Patrologia, vol. I, ed. Marietti 1980, pp. 257-259.

 

 

إيريناوس أسقف ليون

        

– (إزمير بين 140 و160 م –  ليون نحو 202 م)

– يُذكر في التقويم الروماني في 28 حزيران.

    

1. لمحة عن حياته

2. كتاباته

3. لاهوته 

 

1. لمحة عن حياته

 

إيريناوس هو قديس وأحد آباء الكنيسة، وواحد من أهم لاهوتيي القرن الثاني الميلادي، ولد على الأرجح بين عام 140 و160 م في مدينة إزمير. تلميذُ للقديس بوليكاربس. ترك آسيا الصغرى لأسباب مجهولة وذهب إلى غالية. كان كاهناً في مدينة ليون على أيام الإمبراطور مرقس أوريليوس. أُرسل إلى روما ليحصل على إيضاحات بشأن مشكلة المونتانية وبعد عودته منها بين عام 177 و 178 م أقيم أسقفاً على ليون خلفاً لأسقفها الشهيد فوتينوس. عندما حرم البابا فيكتور الأول أساقفة آسية الصغرى بسبب الخلافات الفصحية، قام إيريناوس بحثّهم على المصالحة. يقول عنه أوسابيوس بأنه عاش فعلاً ما يعنيه اسمه أي “صانع السلام” (تاريخ الكنيسة 5 / 24 / 17). في صراعه ضد الغنوصية، نجح إيريناوس في هدايةِ الكثير من أهل المنطقة إلى المسيحية. عن باقي حياته لا نعرف شيئاً أكيداً. بالنسبة لوفاته يخبرنا كل من جيروم وغريغوريوس دي تور بأنه استُشهد خلال عهد الامبراطور لوسيوس سيبتيموس سيفيروس نحو عام 202 م، لكن هناك بعض الشك في صحة هذا الخبر.

 

2. كتاباته

 

لم يبقَ لدينا من كتاباته العديدة بلغته الأم (اليونانية) سوى مؤلَّفين. أحدهما يُعتبر الأهم وعنوانه المتداول “ضد الهرطقات” (Adversus haereses)، كتبه تفنيداً للغنوصية يفضح به هذه البدعة. ومما ساعده على ذلك فضلاً عن حماسه الديني هو معرفته الواسعة للتقليد المقدس الذي استلمه من بوليكاربوس ومن باقي تلامذة الرسل. ومع أنه تصعب قراءة المؤلَّف بسبب أسلوبه المعقّد أحياناً والمليء بالإعادات إلا أن إيريناوس نجح في تقديم صورة واضحة عن عقيدة الكنيسة ولاهوتها القديم.

حتى عام 1904 لم نكن نعرف من المؤلَّف الثاني سوى عنوانه: “برهان تعليم الرسل” (تاريخ الكنيسة لأوسابيوس 5 / 26)، لكن في ذلك العام اكتُشفَت ترجمة أرمنية لهذا الكتاب ونُشرت عام 1907. يتكلم الكتاب عن الحقائق الأساسية في المسيحية: الأقانيم الثلاثة، الخليقة، خطيئة الإنسان، تجسّد الله والفداء. يبرهن الكاتب عن صحة هذه العقائد بإستشهاده من كتب العهد القديم.

 

3. لاهوته

 

هناك سببان جعلا من إيريناوس أحد أهم لاهوتيي القرن الثاني: الأول هو كشفه لزيف بدعة الغنوصية والثاني هو أنه أول مَن عبَّر عن التعليم المسيحي بطريقة عقائدية:

 

أ. يؤكد إيريناوس بأن الله الواحد هو نفسه خالق العالم وأبو الكلمة (اللوغوس). هو لا يشرح العلاقة بين الأقانيم الإلهية، إلا أنه مقتنع تماماً بأن تاريخ الخلاص يُثبتُ وجودهم منذ الأزل. إن كلمات سفر التكوين: “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا” (تك 1 / 26) لموجّهة من الله الآب إلى الإبن والروح القدس اللذين يشبههما إيريناوس بيدي الله الآب، التي صنع بهما العالم.

 

ب. يصف إيريناوس ولادة الإبن من الآب بالأمر الذي لا يُدرك ولا يُوصَف ويقول: “أظهر الله نفسه بواسطة الإبن الذي هو في الآب والذي فيه الآب” (3 / 6 / 2).

 

ج. تحتل فكرة “الجمع تحت رأس واحد” (avnakefalai,wsij) المركز المحوري في مسيحانية إيريناوس وبالتالي في كل فكره اللاهوتي. اتّخذ هذه الفكرة من القديس بولس (أف 1 / 10) وطوّرها: فمن خلال عمل الله الذي يجمع كل خليقته تحت رأس واحد هو المسيح، تتجدّد الخليقة وتمحى آثار عصيان آدم الأول لأن آدم الثاني (المسيح) قد صارع الشرير وغلبه فجدَّد كل شيء.

 

د. لقد أثرت الفكرة السابقة في نظرة إيريناوس لمريم العذراء. ومع أن يوستينوس كان أول من قارن بين حواء ومريم إلا أن إيريناوس تعمّق أكثر في هذه المقارنة: كما أن الخليقة سقطت بعصيان إمرأة (حواء) هكذا تنجو بطاعة إمرأة (مريم) لأنها ولدت آدم الجديد، لذا تستحق أن تُدعى “محامية حواء”، وهي بالحقيقة أم الخليقة الجديدة.

 

هـ. نجد أيضاً مفهوم الكنيسة (إكلسيولوجيا) متأثراً بفكرة “الجمع تحت رأس واحد”: فالله قد أراد أن يحقق ويكمل في الكنيسة عمله الإلهي بأن يجمع الكل تحت رأس واحد هو المسيح.

من جهة أخرى يعتبر إيريناوس أن مصدر الإيمان الحق هو تعليم الرسل الثابت. وهو يعرض الإيمان المسيحي متّبعاً قانون إيمان الرسل بحذافيره. لهذا فإن الكنائس المؤسَّسة من قِبَل الرسل هي وحدها القادرة على حفظ الإيمان القويم، فخلافة الأساقفة غير المنقطعة تضمن لها عدم الحياد عن التعليم الصحيح. هذا تماماً ما يفتقده الهراطقة.

 

و. في حديثه عن الإفخارستيا يؤكد إيريناوس حضور جسد ودم المسيح فيها، ومنها يستنتج قيامة الجسد: “بما أن الكأس الممزوج بالماء والخبز المصنوع ينالا إفخارستيا دم وجسد المسيح، فيمنحا جسدنا غذاءً ودعماً، فكيف يقول البعض أنه لا يمكن للجسد أن يقتبل عطية الله أي الحياة الأبدية؟!”.

 

ز. يحتوي قانون العهد الجديد حسب إيريناوس على: الأناجيل الأربعة، رسائل بولس، أعمال الرسل، رسائل ورؤيا يوحنا، رسالة بطرس الأولى وكتاب راعي هرماس. يعتبر هذه الكتب ملهمة على مثال كتب العهد القديم وللكنيسة الكلمة الحاسمة في تفسيرها ذلك أنها “أشجار مزروعة في حديقة الكنيسة”.

 

ح. في ما يتعلق بالإنسان يعلِّم إيريناوس بأنه مؤلَّف من جسد ونفس وروح. فالروح (وهنا من الصعب تحديد طبيعته: أي إن كان المقصود به روح الله أم روح الإنسان!) هو الذي يجعل الإنسان كاملاً. إلا أنه في تفنيده فكرة الغنوصيين القائلة بأن النفس خالدة بطبيعتها وبمعزلٍ عن سيرتها الأخلاقية ذهب إيريناوس إلى حد القول بأن النفس ليست خالدة بطبيعتها بل بسبب سيرتها الأخلاقية الصالحة!.

 

ط. إن لؤلؤة إيريناوس الحقيقية في لاهوته حول الخلاص (سوتِريولوجيا) هو تأكيده بأن كل إنسان بحاجة للفداء وقابل له. فبعد خطيئة أبوينا الأولين فَقَدَ الإنسان صورة الله فيه، لكن خلاص المسيح جدَّدَ فيه هذه الصورة.

في حديثه عن الخلاص يتحاشى إيريناوس استعمال تعبير “تأليه” %qeopoi,hsij$ ويستعمل بدلاً منه تعبير “المشاركة في مجد الله”، فقد كان حريصاً على عدم إلغاء الحدود بين الله والإنسان كما كانت تفعل بعض الديانات الوثنية والغنوصية.

 

ــــــــــــ

 

– المراجع

 

J. Quasten, Patrologia, vol. I, ed. Marietti 1980, pp. 255-279.

 

عن الموسوعة العربية المسيحية

 

Michigan SEO