روحانيات وطقوس

الصــلاة من أجل المــوتى ، و المطهــر

الصــلاة من أجل المــوتى ، و المطهــر  
܀܀܀܀܀»»»»»»:ܲ:««««««܀܀܀܀܀
“|>
بادر الى ارضـاءِ خصـمك ما دمتَ معهُ في الطريــق <|” متى 5: 25
1.
القــيامة
قالَ الربُ:” وأما قيامة ُ الأمواتِ، أفما قرأتم ما قالَ اللـهُ لكم:< أنا الاهُ ابراهيمَ، والاهُ اسحقَ ، والاهُ يعقـوبَ. وما كانَ الاهَ أمواتٍ ، بل الاهَ ألأحياءِ >”(متى 22: 31-32). ومعناهُ أنَّ ابراهيمَ واسحق ويعقوبَ ما زالوا أحياءَ ، لم يَفـنوا وقد مَّـرَ على موتهم عند كلام يسوع- بين 1750 الى 1625 سنة. ولهذا فكلمة ُالقـيامة نفسُها أخذتْ ، في الكتاب المقدس ، بُعـدًا خاصًّـا يعنيالحــياة “. وحتى الأناجيلُ تقولُ ، عندما تتكلمُ عن قيامة يسوع ، أنـَّهُ حَّـيٌ “. بل يلومُ لوقا النساءَ :” لماذا تطلـُبْنَ الحيَّ بين الأموات ” (لو 24: 5). وهكذا نقلتِ النسوة ُ الخبرَ :”>| انهُ حَّي |<“(لو24: 23). وينقلُ يوحنا الخبر كالآتي :” قالتْ مريم … أنها رأت الرب “(يو 20: 18). بينما شـهدَ الرسلُ :>لقد رأينا الربَّ< (يو 20: 25)؛ > يسوعُ هذا قد أقامَهُ اللـهُ ،ونحنُ بأجمَعِنا شُـهودٌ على ذلك <(أع 2: 32). وأكدَّ يسوعُ لتوما :” آمنتَ لأنكَ رأيتني “(يو20: 29). الحـياة ، الرؤية … يسوعُ قائمٌ ، أى هو حَّيٌ يمكنُ أن تراهُ و تتفاعلَ معه. وهذه قيامة يسوع المسيح تهــدِفُ الى اعـطــاءِ الحياة للمـؤمنين (يو 20: 31).
2.
الحــياة الأبــدية
آمنتْ الكنيسة ُ، من عهدِ الرسل ، بهذه الحقيقـة. وكان من الطبيعي أن تتسـاءَلَ : هل كلُّ الموتى يحيونَ أبديـًا ؟ أنْ يبقوا للأبد ، فأمرٌ أكيد في السعادة أو في العذاب(متى 25: 46). ولكن ليس أكيدًا أنْ ينعموا جميعُهم بالحياة مع اللـه. بل يبدو أنَّ كثيرين سيهلكون ، أى يشقون لأنهم يُحرمونَ لقـاءَ اللـه. هذا يعني أنْ ليسَ كلُ الناس يخلصون. وقد أكـدَّ مرقسُ بأنَّ هناك من لا يخلصُ :” ومن لم يؤمن يُـقضى عليه”(مر 16: 16. كما أكدَّ يسوعُ أنَّ ” من لم يؤمن بالأبن لا يرى الحياة َ الأبدية ، بل يلزمُهُ غضبُ اللـه”(يو 3: 36). و أكدَّ ايضا أنه حتى بين الذين آمنوا بهِ قد يخسرُ بعضُهم الحياة :” لم يَهلِك منهم الرسلأحدٌ الا ابنُ الهلاك..”( يو 17: 12). لتتـحَّققَ عدالةُ اللـه :” فانهُ عدلٌ عند اللـه أن يُجازي بالضيق أولئك الذين يُضايقونكم… وينتقمَ من الذين لا يعرفون اللـهَ ، ومن الذين لا يُطيعون بشارةَ رّبنا يسوع. فانهم سيُعاقبونَ بالهلاكِ الأبدي ، مُبعَدينَ عن وجه الرب وعن مجد قــوّتِهِ..”(2تس 1: 6-9). و يهلك ُ ايضاالذين عاثوا في الأرض فسادا(رؤ11: 18)، و “دخانُ عذاباتِهم يرتـفعُ أبدَ الدهور” ( رؤ 14: 11).
وهنا يتبادرُالى الذهن عفـويا سؤالٌ مُحَّـيرٌ: هل يوجـدُ حلٌّ آخر، أو حالة ٌ أخرى بين الخلاص والهلاك؟ حالة ُلا قدّيس ٍ ولا خاطيء ؟ مُؤّكـدٌ بأنهُ ليسَ كلُّ الناس ، عند وفاتهم ، قديسين بحيثُ ينعمون بالحياةِ مع اللـه حالَ وفاتِهم. ومع ذلك ليسوا خطـأة ً ليهلكوا للأبد. كانوا خطـأة ً وتابوا. لم يعيشوا حياتـَهم دوما في محبةِ اللـه. لم يسلكوا دائما بما يُرضي اللـهَ كلـيًا. حتى داودُ الذي دعاهُ الكتابُ ” قلبَ اللـه” فقد أخطـأ. لكنه تاب بعمق ٍ حتى صاح :” ارحمني يا اللـه كعظيم رحمتِك… اغسِلني كثيرا من اثمي… قلـبا نقيا أخلق فيَّ يا اللـه “(مز 51).
ولكن هل يندمُ كلُ الناس مثله بعمق على جميع أخطائهم ؟ أم يظلون يتعايشون منقسمين بين حب اللـه و حب ذواتهم (1كور 7: 34)؟. ورغم استقامةِ النيات تبقى الأعمالُ أحيانا ناقصة ، ويبقى السلوكُ شاذا مخالفا لوصايا اللـه. ولكن يُنهون حياتهم بالندامة والتوبة. ماذا يكون مصيرُ هؤلاء ؟ فكرَّت الكنيسة بهذا مليا. وفي ايمانها سألت الوحي هل من جواب ؟ ورأت الجوابَ فعلا في كلام الرب. يقولُ :” كيف دخلتَ الوليمة َ وليس عليك بدلة ُ العرس “(متى 22: 12). اذن لآقتناء الحياة الأبدية ومشاركة العرس الألهي يحتاج المؤمن الى ” بدلة عرس ” يوفرها قبل دخول الوليمة.
سبق زكريا النبي وفسّرَ بدلة العرس بأنها تعني ” الطهارة والبراءة” من كل قذارة ودنس. ويقول:” انزعوا عنه الثيابَ القذرة.. انظر نقلتُ اثمَك عنكَ ، وسأ ُلبـِسُك ثيابا بيضاءَ ناصعة”(3: 4). وقد أكدَّ سفرُ الرؤيا أنَّ المخّلصين يلبسون ثيابا بيضاءَ (رؤ 4: 4 ؛ 19: 14) رمز النقاوة والطهارة ؛ و ” من هم الذين يلبسون الحللَ البيضاءَ ..؟ انهم غسلوا حللهم وبَّيضوها بدم الحمل “(رؤ 7: 9)؛ ” والحملُ يرعاهم ويهديهم الى ينابيع ماء الحياة ، واللـهُ يمسحُ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عـيونهم”(رؤ 7: 17). كما أكدَّ ايضا أنَّ عروسَ المسيح هي التي قد تزَّيَنتْ ” ولبستْ الكتانَ الأبيضَ الناصع. والكتانُ هو الأعمالُ الصالحة التي عمـلها القديسون”(رؤ 19: 8)؛ والمخلصون ” يعيشون في وليمة عرس الحمل ” (رؤ 19: 9).
وكيف يمكن الحصولُ ومتى على ” بدلة العرس ” الناصعة البياض ، أى على طهارة القلب ؟ بالتأكيد ليس بعد الوفاة. لأنه كما تقولُ صلاة الدفنة ، في شرح مثل العذارى العشرة، ان قول الحكيمات لا يكفي لنا ” يعني أن الأفعال بعدَ الموت لا تستحق اى جزاء؛ وأنَّ رفض قرض الزيت يعني انْ لا رحمة َبعد الموت ، بل العدالة فقط. وهذا استنادا الى الوحي الذي قال في سفر الجامعة :” لا يعرف الأمواتُ شيئا ولا جزاء لهم بعد”،…لأن” لا عملٌ ولا تفكيرٌ ولا معرفة ولاحكمة في عالم الأموات..”(جا9: 5و 10). اذن يجب ان يتم ذلك قبل الوفاة.
3.
المطـهــــــر !
يمكن للخطأة أن يتنقوا ويتطهروا بالندامة والتوبة الكاملة. والتوبة تعني التراجعُ عن حب الذات والعالم وعن اتباع مبادئه، والتوَّجه الى محبة اللـه والسمو في هذا الحب الألهي الى المستوى الذي يُمَّكِنُ المرءَ من رؤية اللـه. وهنا يتبادرُ الى الذهن سؤالٌ محرجٌ ظاهريا، هو: اذا عاشَ انسانٌ في الأثم بعيدا عن محبة اللـه وتابَ على فراش الموت ، هل يقدر أن يستعيدَ علاقـَته مع اللـه في محبة فائقة متكافئـة مع قداسةِ اللـه ؟ الدمارُ والتشويهُ اللذان سريا في نفس الخاطئ هل يصطلحان بلحظةٍ واحدة وبقوة بحيث ترجع النفس الى البراءة التي خلقت عليها ، ويكون جديرا بمواجهة قداسة اللـه؟ نعتقد انه تمَّ ذلك على الجلجلة للص اليمين بما انَّ الربَّ قالَ له :” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو23: 43). الا اننا نعلم ايضا قساوة الآلام التي تحملها قصاصا لخطاياه!. ولكن هل يمُّرُ كل التائبين بظرف مماثل ؟ انه أمر صعبٌ. وما يكون مصيره اذا ؟ وكيف يعيدُ ويُنـَّمي محبة اللـه ، ويكرهُ الشر، ويسمو في القداسة المطلوبة لمواجهة قداسة اللـه ، القائل ” كونوا قديسين في سيرتكم كلها “(1بط 1: 15)؟
انَّ اللـه يغفرُ في هذه الحالة خطيئة التائب فلا يهلك. تلك رحمتـُهُ. ولكن عدالته تطلب من التائب أن يتنقى كليا من لكة الشر ويرتفع في حبه الى مستوى حب اللـه نفسه ، ليكون ابنا حقيقيا له و وريثا لمجده (رم 8: 18). كما تقتضي عدالة البشر ان يكون الناس في نفس المستوى من الكرامة الأنسانية.
نعطي مثالا: رجلٌ سقط في بئر القاذورات. يأتيه الأسعاف ويُخرجونه من البئر قبل ان يختنقَ ويموت. فلا يموت ، بل يحيا. ولكن هل يكفيه اخراجُه من البئر ضمان الحياة وهل هذا يغسله ذاتيا من الوسخ المتعّلق به الذي لطـَّخ جسمه كله وشَّـوهَ صورته ؟ انه يستنشق الهواء النقي. زال خطر الموت. ولكن هل يتمتع رأسا بنظافة ونقاوة تؤّهلهُ ليجالس أهل الديوان ؟
هكذا الأمرُعن الخاطئ التائب. يزول عنه خطر الهلاك بالتوبة ويضمن الحياة. ولكن ليس أهلا ليتمتعَ حالا بعدَ وفاتهِ برؤية اللـه بدون تطهير من الفساد الذي شوَّه حبَه للـه وقللَ منه ، بل وكاد ان يزول لولا التوبة!. انه يحتاجُ الى غسل جذري وعميق من نتائج الفساد الذي سلكه لفترة ، وبعده لبس ” بدلة العرس ” التي تبَّيضه ليستحق دخول مجلس وليمة اللـه. ألا يحتاج ذلك ؟ بلى ، تقولُ الكنيسة ُ، يحتاجُ!. اكرر ليس كل الناس. بل فقط من لم تتوفرله الفرصة بعد توبته ليتنقى من شوائب الخطيئة.
هذا التطهير يُسَّميه مار بولس ” النار الممتحنة ” الفاحصة لحياة الفرد وأعماله والتي من خلالها يخلص التائب المشّوه(1كور3: 14). أما الأنجيليان متى (5: 25-26) ولوقا(12: 58-59) فيشيران اليه بفقرة ” تصفية الحساب “؛ قال متى : ( قال لوقا نفس الكلام)
بادر الى ارضاءِ خصمك ، ما دُمتَ معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصمُ الى القاضي. والقاضي -الى الشرطي ( قابض الديون)، فتلقى في السجن. الحق اقول لك لن تخرج منه حتى تدفعَ آخر -فلس“.
1.
الخصمُ = هو اللـه. اللـه أب. لكن الأنسان منذ نشأته وقف من اللـه موقف الند والخصم المنافس(تك 3: 6-7). اللـه خلق الأنسان ، وضعه في جنة وأعطاه كل ما يحتاج اليه ليعيش بسعادة دون عمل وتعب وشقاء. طلب منه فقط حبَه والثقة به. عكس ذلك اراد الأنسان ان يكون الاها منافسا ، يقرر بحريته وعلى مزاجه ما هو صح وما هوحق. أعطى الله للأنسان عقلا وطاقات فكرية وروحية وجسدية ليقود الكون الى كماله. فوق كل شيء هو أعطاه الحياة. ولا أحد غير اللـه يقدر ان يحاسب الأنسان على ذلك. وبدأ اللـه حسابه مع الأنسان منذ البدء. ” ماذا فعلتَ ؟ دمُ أخيك يصرخ اليّ …”(تك 4: 10)؛ ورأى الرب ان مساوئ الناس كثرت.. تأسف في قلبه..قال: أمحوالأنسان.”(تك 6: 5-7)؛ ,” قال الرب : كثرت الشكوى على أهل سدوم وعمورة..”(تك 18: 20). ويستمر اللـه يحاسبُ الناس جيلا بعد جيل : “سيأخذ اللـه ملكوته منكم ويسلمه ..”(متى21: 43)؛ قال ” اطلبُ من هذه التينة ثمرا فلا اجد. اقطعها! لماذا نتركها تعطل الأرض..”(لو13: 7).
2.
الطـريق = مسيرة الحياة الزمنية.
ما دمتَ معه في الطريق”. ما دمتَ تعيش على الأرض وتقدر ان تعمل أعمالا تستحق أن تكنز بها كنوزا في السماء. الحياة أعطيت لك لتعمل أعمال اللـه وتكمل خليقته كما يريدها أن تكون. أعطي لك أن تحيا في الحق وتسلك في المحبة. لقد ارتضى اللـه عن يسوع المسيح ؛” هذا ابني الحبيب الذي به ارتضيتُ. اسمعوا لهُ”(لو9: 35)؛ اقتدوا به ” وأنا أعطيتكم ما تقتدون به، فتعملوا ما عملتـُه لكم “( يو 13: 15). يسوع معك يرافقك :” ها انا معكم طول الأيام “(متى 28: 20). فكن مع يسوع ، واعمل مثله فيرضى عنك اللـه . لا تُخاصم اللـه. تعامل معه كأنه أبوك. أرضِهِ فيُرضيَك هو!. هو ” الطريقُ والحقُ والحياة ” فلا تنفصل عنه ، ولا تهدر حياتك سدى.
3.
القــاضي = يسوع المسيح ! ” …وجلس عن يمين اللـه” (مر16: 19).” وجلست الملكة عن يمين الملك “(مز 45: 10). اليمين هي القدرة ، والجلال ، والنقاء وكل فضل وخير. لقد استلم يسوع مقاليد الحكم. هو دّيان البشرية ؛:” لقد جعل اللـه القضاءَ كله للأبن “،” وأولاه سلطة القضاء لأنه ابنُ الأنسان “(يو 5: 22و27؛ رؤ 11: 15) الذي ما جاء الا ليكمل مشيئة اللـه (عب 10: 7).
4.
الشـرطي = الملاك ! الملاك يخدم أمام اللـه وينفذ أوامره ، ويؤدي كل خدمة يكلف بها. ” وصنعتَ خـدّامك لهيبَ نار” (مز 104: 4؛ عب 1: 7). والملائكة أرواحٌ ” مُسَّخرون يُرسلون من أجل الذين يرثون الخلاص”(عب 1: 14). هذا ما أكده الملاك رافائيل اذ قال: “أنا أحد الملائكة السبعة الذين يرفعون صلوات القديسين ويخدمون امام عرش الواحد القدوس”( طوبيا 12: 15؛ لو 1: 19؛ متى 24: 31؛ لو 24: 23 ؛ رؤ 20: 1-3).
5.
الســجن = المطهر ! تلميحٌ الى المَسجون اكثر مما الى المكان. السجينُ يتألمُ ويتعذبُ لأنه حُرمَ حريته ، وأخضِعَ لوضع مُهين ٍ ومُزرٍ يدُّ لُ على عدم كرامة الشخص ونزاهته. لقد خالف القـواعـد العامة المتبعة للتعامل مع اللـه ومع الآخرين. لقد أجرم بحق العدالة والحق والمحبة. يجب أن يدفعَ ثمن ذلك ويُصلحَ حالهُ. لو بقي على حاله حُّـرا طليقا قادرا على ادارة اموره بنفسه لظل على حاله. حالة السجن تـُفـقـدُه كل تلك الميزات؛ ” كنتَ ، وأنت شاب ، تشدُ يديك وتذهب حيثُ تريد. اذا صرتَ شيخا مددتَ يديك وشـدَّ غيرُك لك حزامكَ ، وأخذك الى حيثُ لا تريدُ..”(يو 21: 18)؛ في حالة التطهير يخضع لما يؤلمه وما ينزع عنه كل أثر للخطيئة والأنانية. ” كما في النار”((1كور 3: 15) يتنقى مثل الذهب من كل أمر غريب عن طبيعته ، أى صورة اللـه. سيُصَّفى قديسا ، طاهرا ، نقيا يليق بأن يواجه ويُشارك قداسة اللـه ومجده. فيكون صورة لائقة وناطقة تعكُسُ مجدَ اللـه.
6.
آخر فلس = تصفية حساب ٍ كاملة ! وبعد التصفية تعود الأمور الى حالتها السابقة. بعد دفع كل الديون الشخصية ، برفق آثامه بدم المسيح المطهر والدخول تحت صليب اللعنة والعار معه فيتنقى ويتصَّفى اذ يغسل ” حلله ويُبَّيضُها بدم الحمل”، عندئذ ” يدخلون هيكل اللـه… فلن يجوعوا ولن يعطشوا… لأن الحمل يرعاهم ويهديهم الى ماء الحياة. واللـه يمسحُ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عيونهم”(رؤ7: 15-17). لم يبقَ دينٌ. بلغوا درجة القداسة المطلوبة ليكونوا مع اللـه “وجها لوجه”(1كور 13: 12).
هكذا فالمطهر حالة تصفية الحساب ودفع المطلوب وليس قيامًـا بعمل جديد أواضافة فضل. انه توفيق حالة المؤمن الخاطئ التائب مع ما تقتضيه حالة الخلاص. لذا فهو ليس غفرانا جديدا يُمنحُ بقدر ما هو تحقيقٌ للغفران الحاصل عليه قبل الوفاة، وتكفيرٌ وتنقية يرفع النفس لحالة وريثة مجد اللـه. هكذا فعل الأبنُ الضال بعد ان عاد وتاب؛ فآستحَّم أولا ليتنقى من أوساخه ثم لبس البدلة الفاخرة والخاتم والحذاء.. (لو15: 22).
وتاريخُ الكنيسة يؤكدُ ان كثيرين لن ينالوا الخلاص حالا بعد الوفاة بل يقضون وقتا ، أحيانا ، طويلا جدا في التطهير من تداعيات خطاياهم. وفي ظهورات العذراء في فاتيما سنة 1917 رأى الرعاة الصغار، للحظاتٍ قصيرة ، مشهد المطهر والنفوس المتألمة فيه. وأصابهم الرعب من هول ما رأوا. فطلبت اليهم السيدة العذراء ان يصلوا كثيرا من أجل ” نفوس المطهر”. لذا تؤكدُ الكنيسة بأن نفوسا كثيرة ليست جاهزة ، عندما تموت ، وان كانت تائبة لتتمتع بالرؤيا الطوباوية مباشرة وحالا بعد الوفاة ، مثل لص اليمين. بل تحتاج الى تطهير اولي يُهَّيئها للتخلص من موانع نتائج الخطيئة، و يوصلها الى مستوى القداسة والبرارة التي خلقها اللـه عليها اصلا ثم فقدتها بالخطيئة والتي تقتضيها قداسة اللـه، حتى تكون صورة حقيقية له و وريثة خيراته. فتقول الكنيسة :” الذين يموتون في نعمةِِ اللـه وصداقتِه ( أى : تائبين )ولم يتطهروا بعدُ تطهيرا كاملا [[ ليسوا في المستوى المطلوب من اللـه. آدم أخطأ مرة واحدة فآستحى وخاف من اللـه وآختبأ ولم يقدر أن يواجه قداسته وجلاله. فكيف بالذين يخطأون يوميا مئات المرات ؟؟]]، وان كانوا على ثقة من خلاصهم الأبدي ، يخضعون من بعد موتهم- لتطهير يحصلون به على القداسة الضرورية لدخول السماء”( التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ، سنة 1992، الرقم 1030).
4.
المـــوتى !
ويرتقي هذا الأيمان الى بداية الكنيسة حيثُ رفعَ المؤمنون الصلواتِ والأدعية َ، وقدموا الصدقاتِ وأعمالَ التوبة من أجل موتاهم على أمل اسعافهم فيما لوكانوا بحاجة الى ذلك. ويقول القديس يوحنا فم الذهب(+407):” لا نتردد في مساعدة الذين رحلوا وتقدمةِ الصلوات لأجلهم”(التعليم المسيحي… الرقم 1032). لأن التطهير قد يتحققُ : اما بعذابٍ مباشر يتحمله الميتُ بسبب حرمانه رؤية اللـه، ونـدَمهِ أنَّهُ لم يُحب اللـه كما ينبغي ، وكان ذلك بوسعه!؛ أو بعذاب غير مباشر يتحملهُ عنهُ الأحياء. وهذا الأمرُ ايضا واضحٌ في الكتاب المقدس بعهديه.
فهذا أيوبُ ( 1: 5) يُطهّرُ أبناءَهُ من خطاياهم ، الموهومة ، بذبيحةٍ يقدمها هو عنهم ، وحتى بدون علمهم. وهذا يهوذا المكابي ( 2 مكابيين 12: 46) يقدمُ ذبيحة تكفيرية وصلاة ً من أجل الموتى ” ليُحَّـلوا من الخطيئة”. وهذا بولسُ ( 1كور 15: 29) يبرهنُ عن قيامة / حياة الموتى بما كان يفعلهُ أهلُ كورنثية اذ يعتمدون في سبيل الأموات!. واذا كانت صلواتُ القديسين الأحياء أو الأموات عُـطورا يقربها الملاك أمام عرش اللـه (طو 12: 15 ؛ رؤ5: 8 ؛ 8: 3) من أجل البشرالأحـياء ، أفما يقبل اللـه صلوات المؤمنين الأحياء تقربها الكنيسة أمام عرش اللـه من أجل البشرالأموات ؟ منذ القرون الأولى أمنت المسيحية ُ بأنها جسد واحد في السماء والأرض. جسدٌ يوَّحِـدُه رأسُه المحيي يسوع المسيح الواحد . آمنت أنَّ بوسع أبنائها أن يتعاونوا في خلاص بعضهم البعض. وهكذا قدمت الكنيسة منذ البداية ذبيحة المسيح/القداس من أجل أبنائها الأحياء والأموات ، تماما كما قدَّمَ المسيحُ يسوعُ نفسَه/قدّاسَهُ الأول على الصليب من أجل الأموات – من آدم الى المسيح – والأحياء من المسيح والى نهاية العالم!- من كل الأجيال حتى لو ولدوا بعد مئات ملايين السنين.
هكذا كـرَّمَ المسيحيون موتاهم منذ البداية ، وأظهروا لهم في دفنهم كلَّ اكرام ٍ وحُّبٍ ايمانـًا منهم بأنهم أحياء. وصََّـلوا من أجلهم لأيمانهم بأنه قد يحتاجُ بعضهم الى التطهير الكامل ليشترك في السعادة الأبدية بأقرب وقت. فشاركوهم في حمل اثقالهم عملا بشريعة المسيح:” ليحملَ بعضُكم أثقالَ بعض ٍ وبذلك تـُتمون العملَ بشريعة المسيح”(غل 6: 3). ولهذا نحيط ُ اليومَ نحن ايضا أمواتنا بكل اكرام واجلال ، بكل محبة وعون. لا نريدُ أن نتخلصَ منهم سريعا. ولا أن ندفنـَهم كيفما كان. لا نخافـُهم ولا نقـفـلُ عليهم الغرفة. ولا نتشاءم من وجودهم ونتخيلهم تجول أرواحهم لتفترسَنا وتأخذنا معها. فلا نطلب ان نبعدهم عن دارنا حتى لو أخذوا الى الكنيسة الا اللهم الى قاعة محترمة خصيصة لتكريم الموتى!. لنحتفظ بجثمانهم بيننا الى ساعة الدفنة. لنرتل بقربهم ونمجد اللـه على الحياة والموت، ونحمدُه عليها. لنصَّل ِ ونطلب لهم الراحة الأبدية والمجد في فردوس اللـه. ولا يهمنا لو أجريت المراسيم في كنيسة صغيرة أم في الكاتدرائية. ولا نستصغر حضور كاهن واحد ، ولا نصر على حضور العشرات منهم. بل ليكن كل همنا ان نرافقهم بحبنا وآحترامنا وصلاتنا ،كما رافقت مريم ابنها يسوع . لنتقيد بنظام الكنيسة متعاونين وداعين لموتانا ليرثوا الحياة مع المسيح في أسرع وقت.
5.
بعد المــوت !
نؤمن بأن الميتَ قد تحددَ في فعلهِ ، ولا قدرة له بعدُ أنْ يعمل لا خيرا ولا شرا. ” لا يكفي الزيتُ لنا ولكـُنَّ”(متى 25: 9). فلا يقدرُ أن يغيرَ حالته الخاصة التي انتهى اليها بالموت. لقد انتهى زمن عمله.” غيرك يشد لك يديك وحزامك…”(يو 21: 18-19). كان الآباء قبل المسيح في انتظار الخلاص. هم ايضا كان قد انتهى زمن عملهم واستحقاق مصير افضل من الذي بلغوه؛ ” ..كثيرون تمنوا ان يروا ما أنتم تبصرون ولم يروا ، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا”(لو 10: 24). لو كان بوسعهم عمل شيء لغيّر الكثيرون من مواقفهم السابقة وحَّسنوا حالهم ، ليكونوا في مصير افضل. لا أحد يقدر عندئذ ان يزيد على قامته ذراعا واحدة.!. المسيحُ وحده قادرٌ أن يغّيره بفدائه واستحقاقه اللامتناهي. فالأبرار الذين كانوا في انتظاره ، لم يكونوا هالكين ومع ذلك لم ينعموا برؤية اللـه الى أن ” أبلغت اليهم البشارة .. ليكونوا احياء في الروح عند اللـه”(1بط 4: 6). تم ذلك عندما أ ُحييَ يسوعُ ” حياة الروح ، فآنطلق بهذا الروح يُبَّشرُ الأرواحَ التي في السجن ، وكانت قد عصت فيما مضى ، حين قضى اللـه بلطفه بالأمهال” (1بط 3: 19). اذا كان الموتى لا يقدرون تغيير حالهم فالمسيحُ هو يقدر ويُجريه فعلا فيحول النفوس التائبة المتألمة الى حالة السعادة والهناء. وهكذا تقدر استحقاقات المسيح نفسه أن يغير حالة ” الأنفس المطهرية ” التي تقضي فترة التنقية ، وذلك مقابل تضحيات أو آلام يتحملها غيرهم من الأحياء بدلا عنهم ، كما تحمل المسيح بدلا عن الكل.
6.
دور الكنيسة !
لذا تـُحَّرضُ الكنيسة : أولا : على سماع كلام اللـه في الأنجيل والأستعداد للموت بحياة مستقيمة ومتحدة باللـه، اسهروا “! ؛ وثانيا : على اسعاف الموتى بتحمل التضحيات عنهم ، وتقديم الصدقات وعمل الخير عن أرواحهم حتى لا يطول تطهيرهم وبُعدُهم عن اللـه ،احملوا أثقال بعضكم بعض ؛ وثالثا : أقامة الصلاة من أجل الموتى ، بخاصة “< أنفس المطهر >” كما طلبته مريم العذراء. وما القداديس المقامة عن أرواح الموتى الا تجاوبا مع هذا الأيمان. نستطيعُ نحن الآن- ونحن أحياء ان نحسنَ سيرَتنا ، ونـنفع موتانا ايضا. ومن هذا المنطلق تحاولُ كل مراسيم الدفنة أو الجنانيز، الصلوات والترانيم والمداريش والقراءات الكتابية ، أن تحَّفزنا لمساعدة الميت ، والأستفادة بالتأمل وأخذ الدروس. ولتكن مشاركتنا في هذه المراسيم بـوعي وايمان وحب وارادة صالحة وثابتة. لنكمل ونحيا ما تنصحنا به الكنيسة من خلال طقوسها.
وطقوس الكنيسة تحمل تعليمها. وتقول : الموتُ ليس نهاية ً، بل هو انتقال الى الحياة الحقيقية. يبقى الميت قريبا وعزيزا، وسنلتقي به اذا جمعنا المصيرُ نفسه. فليس الموت فرصة للبكاء ولمظاهر اليأس والقنوط،، أولمواقف اجتماعية أخرى بعيدة عن روح الأنجيل ودعـوتِهِ. بل هو فرصة ٌ للتفكير وأعادة النظر في السلوك الشخصي ، وللعمل الجدي استعدادا للقاء الرب في الموت. فكل وفاة دعوة لنا ونداء من أجل تصفية كل حساباتنا من الآن ، حتى لا ندخل السجنَ المُطـَّهر. لأننا لن نخرج منه الا بعد دفع الثمن /الفاتورة كاملا. ودفعُ الثمن هنا أرخص بكثير وأسهل جـدا. فالموت يدعونا الى التفكير بالحياة الأبدية ، باللـه ، بالموت نفسه وهو جسرٌ نعبرُ عليه وبه الى الحياة الحقة. و من يدري هل نحظى بأن يُسعفـَنا أحد بعد موتنا بصلاة أو صدقة عن روحنا؟؟ فتقول الكنيسة : اعمل لنفسك وأدِّ واجبَك بنزاهةٍ وباخلاص . لا تـُلق ِ حملكَ على غيرك. قد لا يحمله أحد عوضا عنك. ولا أحد ملزمٌ أصلا به. ” بادر الى ارضاءِ خصمك ما دمتَ معه في الطريق !و لا ننسى أن الطقوس تعليمٌ وصلاة ، وأن المشاركة فيها ، في الدفنة خاصة ، خيرٌ كبير ، ربما أعظم من كأس الماء البارد الذي لا يضيعُ أجرُهُ.

[i] الـراحة َ الأبـدية أعط ِ المــوتى ، يا رب !
و ليُشــرقْ عليهـم نــورُك الأبـــــــــــدي   الأب بول ربان ![/i]

Michigan SEO