راعويات

البابا: ما من موهبة تعفي من الطاعة للرعاة

البابا: ما من موهبة تعفي من الطاعة للرعاة

بندكتس السادس عشر يستقبل مجموعة من الأساقفة الذين عينوا مؤخراً

بقلم أنيتا بوردين

روما، الجمعة 16 سبتمبر 2011(Zenit.org)–

لا هبة معفية من الطاعة للرعاة، حسبما يذكر بندكتس السادس عشر الذي يشجع الأساقفة في الوقت عينه على “الترحيب بالهبات”. كما يشجع البابا بخاصة أساقفة الشرق الأوسط

فقد استقبل البابا في كاستل غاندولفو الأساقفة التابعين للطقس اللاتيني أو الشرقي الذين عينوا مؤخراً والذين يجتمعون حالياً في مؤتمر في روما بصحبة عميد مجمع الأساقفة، الكاردينال مارك أويللي، وليوناردو ساندري، عميد المجمع الروماني للكنائس الشرقية

ووجه بندكتس السادس عشر تشجيعاً خاصاً إلى كنائس الشرق الأوسط “المتألمة

وأوضح بندكتس السادس عشر أنه ينبغي على الأسقف أن يميز صحة الهبات وممارستها: “يجب أن يكون واضحاً أن لا هبة معفية من الرجوع والخضوع لرعاة الكنيسة

في الوقت عينه، وجه البابا دعوة إلى الأساقفة لكي يرحبوا بـ “الهبات التي يظهرها الروح لبناء الكنيسة”، واضعين سيامتهم “في خدمة كهنوت المؤمنين المشترك، ونموهم الروحي وقداستهم”.

يشارك المعمدون في كهنوت المسيح بعمادهم، “لذلك، تقع على الأساقفة مسؤولية السهر والعمل من أجل أن ينمو المعمدون في النعمة ووفقاً للهبات التي يوجدها الروح القدس في قلوبهم وفي الجماعات

وذكر البابا يوم الشبيبة العالمي في مدريد كرمز لـ “خصوبة غنى الهبات في الكنيسة” و”وحدة الكنيسة حول البابا”: إنها “حيوية تعزز عمل الكرازة الإنجيلية وحضور الكنيسة في العالم

وشدد البابا قائلاً: “اقبلوا إذاً الهبات بامتنان من أجل تقديس الكنيسة وحيوية التبشير

كما أوصى بندكتس السادس عشر الأساقفة الجدد بأن يكونوا رجال صلاة: صلاة تتغذى من كلمة الله، من الدراسة الشخصية، من التأمل والراحة الضرورية، لـ “إرشاد الجميع إلى وحدة الإيمان والمحبة

“بقداسة حياتكم وبالمحبة الرعوية، ستكونون مثالاً وعوناً للكهنة، معاونيكم الأوائل والأساسيين”… “لكيما في الشركة، تشهد الكنيسة ليسوع المسيح لكي يؤمن العالم

كذلك، قال البابا أن الأسقف “ليس رجلاً وحيداً” موصياً إياهم بتنمية “الأخوة الأسقفية”، المودة فيما بينهم ومع كهنتهم، والعمل “دوماً في شركة مع البابا” ومع “إخوتهم

التعليم المسيحي وصور للتلوين للأطفال لزمن الميلاد

صور للتلوين لزمن الميلاد


حرصــًا على توضيح زمن الميلاد لأطفال خورناتنا ولأقتراب هذا زمن المقدس والمهم أقدم لمعلمي ومعلمات التعليم المسيحي بعض من صور الميلاد التي يمكن طبعها وتوزيعها على أطفال التعليم المسيحي ليولونوها وليغتنوا أكثر وأكثر بمعرفة طبيعة وكيفية ميلاد مخلصنا وربنا يسوع المسيح

يمكنكم تتبع هذا الركن الذي سأنشر فيه بعد فترة بعض الصور المختلفة التي يمكن أستعمالها لشرح نصوص من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد


الأب مهند الطويل

 

مقالة المواهب و الخدمة في الكنيسة – الأب أوغسطينوس كوسا

المواهب والخدمة في الكنيسة

الأب أوغسطينوس كوسا

مقدمة

قبل ان أتكلّم عن المواهب والخدمة في الكنيسة، أريد أن أعطي لمحة سريعة عن معنى كلمة “كنيسة” ومفهومها ومضمونها.

كلمة”كنيسة” مشتقة من العبرية ومعناها “مجمع” (كنيس). والكلمة العبرية تشير إلى تجمع شعب الله القديم بعد خروجه من أرض مصر وبلوغه طور سينا حيث تجمّع لسماع كلام الله (الخروج 19). وبعد سبي بابل وتشتت هذا الشعب بين الشعوب الوثنية قام أشعيا النبي وتنبّأ قائلاً: “في ذلك اليوم يعدُد السيد فيعد يده ليحوز بقيمة شعبه… وسينصب راية للأمم ويجمع المنفين ويضم المشتتين… من أربعة أطراف الأرض ( أشعيا 11/11). وهكذا نشأ عند هذا الشعب رجاء بتجمع جديد ونهائي بدعوة من الله.

وإذا كانت جماعة المؤمنين بالسيد المسيح قد اتخذت اسم “كنيسة” فلأنها تعتقد أنّها تحقق نبؤة أشعيا هذه، وإن تجمع شعب الله الجديد بدأ يتحقق فيها.

كلمة كنيسة تتضمن ثلاثة معان.

فهي تعني أولاً: جماعة العبادة الطلقسية.

وثانياً: جماعة المؤمنين في منطقة معينة (الكنيسة المحلية).

وثالثاً: جماعة المؤمنين في العالم ( الكنيسة الجامعة).

ولا بد من الاشارة إلى ان هذه المعاني الثلاثة مرتبط بعضها ببعض وتعبّر بصيغ مختلفة عن حقيقة إليهة واحدة.

مما تقدم نستطيع القول ان:

الكنيسة هي جماعة شعب الله الذي يدعوه ويجمعه في هذا العالم بيسوع المسيح.

وكنيسة الله الجامعة تتجسّد وتتحقّق بدورها في جماعة الكنيسة المحلية.

وكل من هذه الجماعات المحلية تتحقق بدورها في جماعة العبادة الطقسية الافخارستيا.

فالكنيسة هي كنيسة الله في المسيح، مشاركة البشر للمحبة الإلهية التي بلغت إليهم بواسطة الابن وفي الروح، وإن ملكوت الله يقدُم على هذه المشاركة، أي على اتحاد اقيمها في الوحدة مع الله. وهو أيضاً يصعد إلى الله عواطف البشر وأكرامهم وإجلالهم وطلباتهم. لذلك نقول ان وظائف الكهنوت هي ثلاث: نبوية وذبيحة ليتورجية وملكية. والمسيح هو كاهن لأنّه يقوم بهذه المهام بشكل فريد: فقد كشف بحياته ورسالته حب الله للبشر ومشروعه اللاخصي ( وظيفة نبوية).

وقدّم ذاته على الصليب ذبيحة لخلاص البشر (وظيفة ذبيحة ليتورجية). وكرّس بتجسّده البشرية جمعاء وقدّسها ليجعلها ملكاً لله (وظيفة ملكية).

2- كهنوت شعب الله

يبين لنا القديس بولس الرسول ان هناك وحدة صميمة بين المسيح والمسيحيين، لذلك تشارك الكنيسة جسد المسي؛، في رسالة الرأس بحيث ان الكنيسة المتحدة بالمسيح وبراسلته تواصل هذه الرسالة التي يسهم فيها كلّ عضو من أ‘ضائها. فالمعمودية ولايمرون هما اللذان يخولان المسيحي القيام بهذه الرسالة، كما ان الافتتخارستيا تغذي فيه المحبّة وتنميها، والمحبة هي قلب هذه الرسالة. هذا ما حمل يوحنا الرسول على القول في سفر الرؤيا: “ذاك الذي أحبّنا وغسلنا من خطايانا جعل منّا مملكة من الكهنة لإلهه وابيه ( يوحنا 1/6) لذلك نقول ان المؤمنين المعمدين يشاركون في كهنوت المسيح وفي وظائفه الثلاث.

3- الكهنوت المشترك والكهنوت الخدمي

وخلافاً لما قاله لوثير وتقوله الكنائس الإنجيلية عامة، ينبغي ان نميّز بين كهنوت المؤمنين العام وبين كهنوت الخدمة والرئاسة. فالاثنان يختلفان لا بالدرجة فحسب بل بالجوهر أيضاً ( دستور عقائدي في الكنيسة 10).

وإذا كانا تقابلان،فلأن كلاهما، وكل على طريقته، يشتركان في كهنوت المسيح الوحد. فكهنوت الخدمة (كهنوت الأساقفة والكهنة) بما قلد من سلطان في الرسالة الكهنوتية يجمع الشعب الكهنوتي ويدبره ويقيم ذبيحة الشكر بالنيابة عن المسيح، ويقدمها لله باسم الشعب. أما المؤمنين فيشتركون بقوّة كهنوتهم العام في تقديم هذه الذبيحة. وبهذا المعنى نتكلم عن كهنوت العلمانيين كما يتضح ما يلي:

كهنوت المسيحيين العام ومشاركتهم في وظائف كهنوت المسيح الثلاث. لقد بحث المجمع الفاتيكاني الثاني ذلك كله في الدستور العقائدي في الكنيسة ( نور الأمم) ) الفقرات 11 –12 و34-35-) ونورد خلاصة ما جاء فيه:

1- الوظيفة الذبيحة الطقسية

يمارس المعمدون هذه الوظيفة بمشاركتهم في تقدمة ذبيحة الشكر – الافخارستيا أي بتقديمه ذواتهم وحياتهم تقدمة كامالة مع تقدمة ذبيحة المسيح ويمارسون أيضاً هذه الوظيفة بقبولهم الأسرار بإيمان، علماً انها كلها نابعة من جنب يسوع المطعون على الصليب. وكما ان حياة يسوع بكاملها كانت تقدمة وكهنوتاً، لأنّها كانت حياة مبقذولة في خدمة البشر، فيتوجب على المسيحي ان يقدم ذاته في خدمة الله والبشر.

2- الوظيفة النبوية المواهبية

ان شعب الله الجديد والمقدس يشارك في وظيفة المسيح النبوية أيضاً. وتتم ممارسة هذه الولظيفة بشهادة الحياة المثقرونة بإعلان صريح للإنجيل وبالمواهب التي تسهم في بناء شعب الله. فلا بد أن تكون هناك علاقة وثيقة بين شهادة الحياة لاتي يُحييها الإيمان وبين الاعلان عن هذا الإيمان. ف5إذا ما تحقق ذلك كان له وقع عظيم وفعالية كبيرة لأنّعه يتمّ في ظروف الحياة العامة وينبوع خاص في الزواج المسيحي. ويرتبط اعلان الإنجيل هذا بالروح الذي يعمل في كلّ معمد. فجميع المعمدين مدعوون للاسهام في بناء جسد المسيح لأن الروح يوزع مواهبه ويقسم عطاياه لى كلّ واحد منهم “فكل واحد يتلقى من تجليات الروح للخير العام (1 قورنتس 12). وهذه المواهب هي نعم خاصّة تؤهلهم للقيام بأعمال وخدمات لها فائدتها في تجديد الكنيسة وتوسيع انتشارها وللسلطة الكنيسة ان تحكم بأصالة هذه المواهب وترتيب العمل الصادر منها.

الوظيفة الملكية

ان المسيح بتجسيده كرّس الطبيعة البشرية وقدّسها ودخل في مجد ملكوته وهويتابع بروحه عمل التكريس والتقديس هذا في العالم بواسطة أعضاء جسده. هذا ما نسميه وظيفة العلمانيين الملكية. فهي تقوم على استكمال عمل المسيح على مر التاريخ وبوقة روه إلى ان يصبح المسيح كلاً في الكلّ ويكتشف ملك الله أي ملك الحقّ والحياة كملك العدل والمحبة والسلام. ويعود اتمام هذه الرسالة بدرحة اولى إلى العلمانيين نظراً لنشاطهم الدنيوي وخبرتهم واختصاصهم في مختلف الملجالات الاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية.

الكنيسة برمتها موهبانية: يقول المجمع الفاتيكاني: إن شعب الله المقدّس يشارك اينما في مهمة المسيح النبوية (12). وهذا يعني ان جميع المعمدين يتحلون بمواهب الروح القدس وهم بالتالي متساوون ومدعوون للاسهام بخدمتهم في بناء جسد المسيح. وفي هذا الصدد جاء في الدستور العقائدي في الكنيسة ما يلي: وان كان البعض قد اقيموا بإرادة المسيح معلمين وكلاء اسرار الله ورعاة لغيرهم، فالجميع متساوون في الكرامة وفي العمل المشترك لبنيان جسد المسيح. والتعبير الذي وضعه الربّ بين الخدّام المكرسين وبين سائر شعب الله، يتضمن علاقة تجعل الرعاة يرتبطون بسائر المؤمنين ارتباطاً لازماً. فرعاة الكنيسة على مثال الربّ يخدم بعضهم بعضاً ويخدمون سائر الذين يعاونون الرعاة والمعلمين بطيب خاطر. وهكذا على الرغم من تنوعهم ، يؤدي الجميع شهادة للوحدة العجيبة في جسد المسيح. وهذا التنوع عينه في النعم والخدم والأعمال يجمع أبناء الله في الوحدة لأن هذه المور جميعها يعملها الروح الواحد عينه (32).

نلاحظ ان المجمع يثبت المساواة الحقيقية بين جميع افراد شعب الله. فكلهم مدعوون للاسهام في بناء جسد المسيح، لان الروح يوزع مواهبه على كلّ واحد منهم:”كلّ واحد يتلقى من تجليات الروح للخير العام. فأحدهم يتلقى من الروح كلام الحكمة، والآخر يتلقى وفقاً للروح تفسير كلام المعرفة، وسواه الإيمان في الروح نفسه..(1 قورنتس 12). وعليه يحق لكلّ واحد بل يجب عليه ان يمارس هذه المواهب لصالح البشر وبناء الكنيسة. ولكن هناك علاقة تربط الاعضاء بعضها ببعض وهي علاقة خدمة متبادلة بحيث ان تنوع المواهب والوظائف لا يتعارض مع وحدة الجسد.

فالموهبة هي نداء ودعوة من الله إلى الفرد ليقوم بخدمة معينة في الجماعة وهذه الدعوة تجعل المدعو قادراً أيضاً على اتمام هذه الخدمة. فهي اذن ظاهرة تهم الكنيسة بكاملها أي تهم كلّ مؤمن بوصفه عضواً في جماعة الكنيسة الواحدة. فلا يمكننا والحالة هذه ان نحصر مالموهبة في اصحاب الخدمة من رجال الدين، ففي نص الأولى إلى أهل قورنتس، يعدد بولس المواهب الوظيفية (كلام الحكمة وكلام المعرفة) وغير الوظيفية في قائمة واحدة. ولذلك نقول ان الكنيسة بوصفها جماعة المؤمنين هي برمتها موهبانية، فتنوع المواهب يهدف إلى مصلحة الجميع في بناء جسد المسيح الواحد كما ان هذه المواهب تؤلف بعضها مع بعض وحدة متناسقة تحت عمل الوح الواحد مصدرها، وفي سبيل هذه هدف واحد إلاّ وهو بناء جسد المسيح.

غير انه إذا كان مبدا التنسيق بين هذه المواهب هو الروح القدس، فللسلطة الكنسية دور أيضاً في التنسيق بين هذه المواهب والخدمات في الكنيسة. ولكن السلطة الكنسية لا تستيطع القيام بمهمتها على الوجه السليم إلا بمقدار ما ترجع هي نفسها إلى المعيار الداخلي، أي إلى الروح، وبمقدار ما لا تستأثر بهذه المهمة. فالكنيسة ككل هي اذن صاحبة الخدمة وعليها ان تشهد العالم بحضور المسيح الخادم لن الروح القدس قد أفيض في جميع المؤمين، وهذا يعني ان مهمة الرعاة ومهمة الجماعة تنحدران كلتاهما من قدرة رب الكنيسة ومن روحه. فالروح القدس هو مصدر كلّ موهبة والاساس الأوّل لكلّ بنية كنسية. هذا هو مفتاح تعليم بولس الرسول في الخدمات الكنسية.

الخدمة في ا لكنيسة

ان مسألة الخدمات في الكنيسة يجب ان تدرس في إطار الكنيسة ككل. لذلك أحلل عقلاقات المسيح بالكنيسة، ثمّ أحدد ما معنى ان الكنيسة هي خادمة العالم، ونبين أخيراً الصفة الخدمية العامة التي تصف بها شعب الله. الكنيسة مؤسسة على المسيح، والمسيح هو مثال الخدمة فيها.

1- المسيح هو رأس الكنيسة

بعد ان تأسست الكنيسة على المسيح، أرسلت لمتابعة رسالته وإعلان الملكوت في الأرض كلها. ليست هي الملكوت، إنما هي بدؤه ونواته. وقد جُعلت جسد المسيح، والمسيح هو رأسها ( الدستور في ا لكنيسة 7و 30 ). فإذا كان المسيح رأس الكنيسة، فحياته تفيض في الكنيسة، وعلى الكنيسة ان تقتدي بمثلة وتتشبه به.

2- المسيح مثال الخدمة

لذلك وجب ان يكون موقف يسوع في الخدمة مثالاً لعمل الكنيسة ونشاطها، وقد ذكر المجمع لا أقل من اربعة عشر مرّة نص إنجيل مرقس القائل بأن المسيح ” لم يأت ليُخدَم بل ليَخدم” (10/45). ويعني ذلك ان المجمع وجد من خلا هذا النص موقفاً أساسياً ليسوع، وكان عليه ان يبرز معناه ويستخلص منه نتائجه.

3- الكنيسة الخادمة

ظهر الملكوت في موقف الخدمة الذي وقفه يسوع. لذلك وجب على العلمانيين والرهبان والراهبات والشمامسة والكهنة والمطارنة والبطاركة والبابا، أن يسلكوا في الكنيسة طريق الخدمة، على مثال يسوع. فموقف التسلط في الكنيسة وفي الكرازة وفي العلاقات بين الكنائس، موقف بعيد كلّ البعد عن روح المسيح وروح الإنجيل. ومما يدلنا أيضاً على أهمية موقف الخدمة في نظر المجمع، هو استعماله أكثر من ثماني مرّات لنص بولس في الرسلة إلى أهل فيلبي، يقول:” فمع انه في صورة الله، لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذاً صورة العبد، وصار على مثال البشر” (2-6/7).فذلك يعني ان الكنيسة بأجمعها مدعوة إلى موقف الخدمة هذه. هذا وتتحدث النصوص المجمعية عن كنيسة المسيح الخادم، لذلك نقول ان الكنيسة برمتها، في كيانها وبعلاقاتها الجوهرية بالمسيح هي كنيسة خادمة. انها على غرار المسيح، لم تأتِ إلى العالم لتُخدَم بل لتخدُم وتعطي حياتها وتبذل ذاتها في حياة الخدمة، خدمة الإنسان في بناء الملكوت، مبتعدة عن كلّ انكفاء ذاتي وتصعب روحي لأنّها جعلت لخدمة العالم.

الكنيسة خادمة العالم

فماذا يحب ان نفهم من العبارة ط الكنيسة هادمة العالم”. ما مضمون خدمتها؟ يمكننا ان نجيب بإجاز ان رسالة الكنيسة تُعنى بجميع الناس وبالإنسان كمل، أي بكل إنسان وبكل الإنسان ( بولس السادس).

1- الكنيسة تُعني بجميع الناس:

لقد جاء المسيح ليهلص جميع البشر، وقد أوكل إلى كنيسته معمة شاملة ” “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم”، متى 28/29) وتستند هذه الشمولية على وحدة الجنس البشري التي جاء المسيح ليعيد تأليفها، ويجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد(الدستور في الكنيسة، 13). ولسنا هنا بصدد شمولية نظرية مجردة عن الواقع لأننا في حديثنا عن جميع البشر لا نستثني أحداً. انها شمولية واقعية عملية، على حد ما بيّنه لنا في مثل “السامري الصالح” حيث يظهر ان القريب هو من تجعل أنفسنا قريبون منه. فبالتالي أي إنسان يصبح “قريباً” حتى وان كان خصماً. فعلينا إذن ان نفحص تصرفاتنا العملية لنتأكد إذا كانت حقاً لا تستثني أحداً من الفقراء والمعوزين مثلاً. أوليسوا هم الذين لا يجعل احد نفسه قريباً منهم؟ هذا ولا بد من اشارة إلى ان هذه الشمولية العملية تمر بطريق الفروقات والمنازعاتز فالشمولية العملية ليست أمراً مسلماً به، ولا قضية مكتسبة مسبقاً. ولا يكفي ان نصرح بها ونعلنها لكي تصبح حقيقة واقعية، بل علينا ان نعمل باستمرار في سبيلها ونعززها. وهكذا يتبين لنا ان دعوة الكنيسة إلى الشمولية هي بالنسبة إلى المسيحي برنامج عمل ومهمة شاقة طويلة.

2- الكنيسة تُعني بالانسان ككل وجميع أبعاده:

لقد تنبه المجمع إلى ذلك كما يتبين لنا ذلك من القرار ” الكنيسة في عالم اليوم”، حيث يثبت ان المسيح هو مركز التاريخ ورب التاريخ، ويكشف لنا حقيقة الإنسان ( ” ما تكلّم إنسان مثله قط” يوحنا 7/47). والكنيسة على خطى المسيح تكشف لنا أيضاً حقيقة الإنسان. انها متداخلة في تاريخ البشر لأنّها مكونة من البشر. ولكن يوجد في الإنسان ما يتجاوز حدودالأرض. هذا ما عناه المجمع بعبارة ” الإنسان ككل” ودعوة الإنسان الكلية، مظهراً ان الانسانية في صميمها هي دينية، وان الدين في صميمه هو انساني. والكنيسة تُعنى بذلك كله.

وظيفة الخدمة لدى العلمانيين

أعرض الان لخصائص رسالة العلمانيين على حد ما وصفها المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور في الكنيسة (نور الأمم) وفي قرار مجمعي في رسالة العلمانيين.

رسالة العلمانيين في الكنيسة

لقد استعمل المجمع لفظة “رسالة” لكي يصف نشاط جميع المسيحيين في الكنيسة وفي العالم، وحدد هذه الرسالة على النحو التالي: انها تقوم على اشراك جميع البشر في الفداء وفي الخلاص ( الاتحاد مع الله) وعلى توجيه العالم بأسره نحو المسيح (وحدة لابشر) (في رسالة العلمانيين 2). هذا من ناحية ، ويقول من ناحية اخرى ان المسيحيين بأجمعهم مدعوون إلى هذه المهمة بحكم دعوتهم المسيحية، أي بحكم اتحادهم الشخصي بالمسيح (3)، عن طريق سرّي المعمودية والميرون ( رقم 33). فالعلمانيون يمارسون اذن “الرسالة” بموجب صفة نابعة من ذاتهم وكيانهم المسيحي.

رسالة العلمانيين هي خدمة حقيقية

يقول المجمع ان هذه الرسالة هي خدمة حقيقة على غرار خدمة الكهنة، ويشرح مضمونها مستعيناً بمفاهيم الكهنوت الذبيحي الليتورجي والنبوي المواهبي والملوكي.

1- الكهنوت الذبيحية الليتيورجي

لقد وكل المسيح إلى العلمانيين قسماً من وظيفته الكهنوتية التي قدم فيها ذاته على الصليب. والعلمانيون بما انهم مكرسون للميسح بالمعمودية وبمسحة الروح القدس، فقد تلقوا الدعوة العجيبة والوسائل لكي يتثمروا ثمار الروح. لذلك فإن أعمالهم وصلواتهم ومشاريعهم الرسولية وحياتهم الروحية، ان قاموا بها بالروح القدس، ومتاعب حياتهم ان احتملوها بصبر، صار قرابين روحيةن ويمكن ان تقدم للآب في الاحتفال بالافخارستيا مع تقدمة جسد الربّ (الدستور في الكنيسة 34).

لذلك فالعلمانيون ليسوا مجرد مشاهدين في الاحتفالات الطقسية، ولا مجرد مستهلكين لدى تقبلهم الاسرار المقدسة، ولا مجرد مساعدين فيها عند الضرورة. إنما هم مشاركون حقيقيون فيها. فالجماعة المسيحية هي برمتها كهنوتية، كما بينذا سابقاً وتقوم برمتها بالعمل الطقسي. وهناك بعض الخدمات يستطيع العلمانيون القيام بها بالنيابة عن رجال الدين وبتفويضم نهم في حال عدم وجود خدّام مكرسين، أو بسبب عدم تمكن هؤلاء من ممارسة خدمتهم بسبب في سرّ الزواج، كما يستطيعون ان يحيوا الصلوات في الكنيسة ويكرزوا ويوزعوا القربان المقدمس وذلك في حال عدم وجود الرعاة وبتفيض منهم. فمجال وظيفة العلمانيين الذبيحية الليتورجية واسع جداً، كما ان خدماتهم متنوعة، ولا بد إذن من تنسيقها مع بقية الخدمات الكنيسة المرسومة.

2- الكهنوت النبوي المواهبي

يقوم المسيح بوظيفته النبوية ليس فقط بوساطة السلطة الكنسية فحسب، بل بوساطة العلمانيين أيضاً، إذ انه اقامهم شهوداً وسلحهم بروح الإيمان ونعمة الكلمة حتى تتلألأ قوّة الإنجيل من خلال حياتهم اليومية والعائلية والاجتماعية. فهم يصبحون دعاة بالامور المرجوة ان اقترنت حياتهم بالإيمان وبالاعتراف بالإيمان. وهذه الكرازة (البشارة بالمسيح لاذي مات وقام حباً لنا) بوساطة سيرتهم وإعلان صريح للكلمة تكتسب فعالية خاصّة لأنّها تتسم في ظروف حياة العالم المادية، فيظهر مثلاً سمو الزواج المسيحي والحياة العائلية حيث يكون الزوجان الواحد للآخر ولأولادهما شهوداً للإيمان بالمسيح ولمحبته، ويتعاونان هكذا مع الكنيسة ككل في نشرا لملكوت. والاعلان الصريح للكلمة يتضمن التربية لاسميحية وتعليم اللاهوت والكرازة في إطار العائلة ومراكز التعليم المسيحي والمجالس الرعوية. ويستند القيام بعهذه المهام إلى الوظيفة النبوية المواهبية التي بموجبها ينحمون بروح الإيمان وبنعمة الكلمة (الكنيسة في عالم اليوم 35). وفي هذه المناسبة يلح المجمع على ضرةرة تأهيل العلمانيين ويتمنى “لو ان عدداً كبيراً منهم يتلقون ثقافة دينية كافية في العلوم الدينية ولو ان يتخصص البعض منهم دراستها (الكنيسة في عالم اليوم 62).

3- الكهنوت الملوكي

ويريد الربّ ان يوسّع بوساطة العلمانيين ملكوته، وهو ملكوت الحقّ والحياة، وملكوت القداسة والنعمة، وملكوت العدل والمحبة والسلام.. وذلك بأن يتعاونوا على التقدم بقداسة السيرة وبتطوير العالم وبتوزيع الخيور فيما بين الناس توزيعاً اوفى، وأن يتضافروا لتقييم المؤسسات وظروف الحياة بحيث تكون عوناً على ممارسة الفضيلة فيصبح حقل هذا العالم أكثر استعداداً لزرع الكلمة. وهذا يعني ان مهمة الكنيسة في تركيس العالم وتقديسه ليصبح ملكاً لله تتحقق بوساطة العلمانيين. وهذا يعني ان هؤلاء يمارسون رسالتهم بدرجة اولى في إطار مهنتهم ( والمهنة لغة تعني خدمة) وفي اطار عائلاتهم. لقد دعاهم لارب لكي يقدسوا العلم من داخل العالم كالخميرة في العجي. غير ان ذلك لا يعني ان المسائل الروحية هي من اختصاص رجال الدين فحسب، في حين ان العلمانيين يتختصون فقط في الأمور الزمنية. ان مجال خدمة العلمانيين هو ولا شك كهنتهم ولكنه لا يقتصر عليها، كما بينّا في اعلاه.

ارتباط رسالة العلمانيين بالسلطة الكنسية

لقد بيّن أيضاً المجمع ارتباط رسالة العلمانيين بالسلطة الكنسية. فدعا العلمانيين ان يقتنعوا بسرعة وطاعة مسيحية ما يقره الرعاة المكرسون، ممثلو المسيح، بصفتهم معلمين وذوي السلطة في الكنيسة. كما دعا الرعاة ان يتفهموا كرامة العلمانيين الكهنوتية ومسؤوليتهم في الكنيسة، ويشجعوها، وأن يأخذوا بآرائهم الفطنة ويكلفوهم بثقة بمهمات في خدمة الكنيسة، ويشجعوهم في ان يبادروا من تلقاء انفسهم إلى العمل ( الدستور في الكنيسة 37). وال ىالرعاة تعود مهمة التنسيقبين مختلف نشاطات العلمانيين. ويختم المجمع في الفصل الرابع من ” الدستور في الكنيسة” بدعوة كلّ علماني ليكون أمام العالم شاهداً لقيامة الربّ يسوع وحياته، وعلامة لله الحي. ودعا أيضاً جميع العلمانيين، وكلاًمنهم على قدر طاقته، ان يغذّوا العالم من الثمار الروحية، وان يبثوا فيه هذا الروح الذي ينعش الفقراء والودعاء وفاعلي السلالم الذين طوّبهم الربّ في الإنجيل، وبكلمة واحدة ان يكونوا ” في العالم بمنزلة الروح في الجسد.

خاتمة

إن الخدمة الكنسية الثلاثية هذه خدمة الكنيسة كلها في جميع فئاتها من إكليريكيين ورهبان وعلمانيين وإن كانت كلّ فئة تؤدي بصفة خاصّة خدمة من ضمن الخدمات الثلاث، إلا أنّها تؤدي الخدمتين الاخرتين بصفة عامة. وإن الخدمة موجهة إلى البشر أجمعين. فليست الكنيسة هي لجل ذاتها وأبنائهان بل الكنيسة هي لأجل البشر أجمعين وأما الهدف من هذه الخدمات، فهو ان يأت ملكوت الآب على الأرض بين البشر كما هو في السماء. وانه تسهم الكنيسة في مجيء يسوع، مجيئه الثاني المجيد. فالملكوت والمجيء الثاني عمل الله الذي يشرك الكنيسة في هذا العمل، فيرسل إليها الروح القدس الذي قودها ويقويها في سبيل ذلك.

 

 

Michigan SEO