خمس دقائق مع الكتاب المقدس

قانون الكتاب المقدس للعهد الجديد ٥

الفصل الثاني: الحلقة الخامسة

قانون الكتاب المقدس للعهد الجديد

تُعلن الكنيسة أنّ عدد أسفار العهد الجديد سبعة وعشرون سفرًا: كيف انتهت الكنيسة إلى هذا العدد؟ أوّلاً إنّ للكنيسة وحدها الحق والسلطة لتحكم إذا كان هذا الكتاب أو ذاك ملهَمًا أم لا. وبالتالي فالكتب التي قبلتها الكنيسة في قانونها هي وحدها إلهية مقدّسة وملهمة. ولقد قال القدّيس أغوسطينس إنّه يقبل الأناجيل من يد الكنيسة. وثانيًا إنّ هناك مقاييس تثبت إلهام هذا الكتاب دون ذاك. فالكتب المقدّسة تُقرأ في الجماعة الليتورجية، ويجب أن يتفق تعليمها وتعليم الرسل، كما يجب أن يرجع أصلها إلى الرسل. ولكنّ هذه المقاييس تبقى غير كافية، والكلمة الفصل تبقى للكنيسة التي تسير على أنوار الروح القدس. ونودّ أن نتوقف عند بعض المحطات التي أوصلتنا إلى تحديد قانون كتب العهد الجديد. كُتبت الأناجيل إلى كنائس محلية، ولكنّها ما عتّمت أن انتشرت في الكنائس المسيحية.

فنرى إنجيل يوحنا الذي كتب في آسية الصغرى (تركيا اليوم) منتشرًا في كنيسة مصر وقد عُثر على جزء صغير منه مخطوطٍ على ورق البردي سنة 120. كما ان الأسقف بابياس (+125) عرف إنجيل متّى ومرقس ويوحنا. أمّا يوستينوس فيحدّثنا عن الأناجيل الأربعة، وقد جمعها طاطيانس السوريّ في إنجيل موحّد أسماه الدياتسارون، بين سنة 160 وسنة 170. أمّا رسائل القدّيس بولس فقد أخذ المؤمنون يقرأونها باكرًا على غرار الأناجيل وسائر كتب العهد القديم (1 تس 27:5؛ كو 16:4). يكفينا أن نذكر رسالة بطرس الثانية (16:3) التي تقابل بين رسائل القديس بولس وسائر الكتب المقدّسة.

أمّا آباء القرنين الأوّل والثاني فهم يوردون الاستشهادات العديدة من الأناجيل ورسائل القدّيس بولس، في رسالة برنابا وأغناطيوس الأنطاكي وبوليكربوس… ولكن، أمام الخطر المحدق بتعليم المسيح، سيدافع الآباء عن عقيدة الكنيسة المتعلّقة بالكتب القانونية. وهذا الخطر جاء من مرقيون ذلك الفيلسوف الذي أنكر الطابع الإلهي على كتب العهد القديم، كما أنّه لم يحتفظ من العهد الجديد إلاّ بإنجيل القدّيس لوقا وببعض رسائل القدّيس بولس. فذكّره إيريناوس وترتليانس بالتقليد الذي تمارسه الكنيسة. وجاء الخطر أيضاً من مونتانوس وتبّاعه الذين أقحموا في العهد الجديد كتبًا تروي الوحي الذي جاءهم من الله، ناسين أنّ الوحي انتهى بموت آخر رسول من رسل المسيح. والخطر الثالث جاء من جماعات يهودية وغنوصية وغيرها كتبت أناجيل ورسائل ورؤى ابتداء من القرن الأوّل المسيحي.

وهذا ما حدا الكنيسة على أن تحدد عدد الكتب المقدّسة التي تدخل في قانون العهد الجديد. أمّا اللائحة الأولى فنقرأها في مخطوطة اكتشفها عالم في ميلانو في ايطاليا سنة 1740 فعرفت باسمه، بقانون موراتوري (الذي يورد اسماء الاسفار التي تعترف بها كنيسة رومة سنة 180-190 م). يحتوي هذا القانون على لائحة كتب العهد الجديد مع استبعاد بعض الكتب المنحولة التي اعتادت بعض الجماعات المسيحية أن تذكرها مع الكتب القانونية (الاناجيل ثم اعمال الرسل ورسائل مار بولس ويهوذا ويوحنا وسفر الرؤيا). ثمّ نجد لائحة عند إكلمنضوس الإسكندراني وأوريجانس، وأوسابيوس القيصري وإيرونيموس… ففي كنائس رومة كما في كنائس الإسكندرية وانطاكية، عرفت المسيحية لائحة قانون العهد الجديد وتراث كتبه في احتفالاتها الليتورجية وفسّرها الآباء للمؤمنين.

أمّا النصوص الكنسية الرؤية فنقرأها في سينودس هيبونة (393) وقرطاجة (397 و 418) في أفريقيا، وفي مجمع القسطنطينية الثالث (680- 681، المسمّى ان ترولو أو في القاعة الملكية في الشرق). ويمكننا أن نعدّ رسالة البابا اينوشنسيوس الاول (405) إلى أسقف تولوز في فرنسا بمثابة وثيقة رؤية تعدّد كتب قانون العهد الجديد وتستبعد كل ما عداها. يقول: “اليك ملحقًا يدلّك على لائحة الكتب القانونية”، وبعد أن يوردها يتابع: “أما الكتب الباقية المنسوبة إلى يعقوب الصغير وبطرس وتوما وأندراوس فهي مرفوضة ومحرّمة”. ويقول البابا جلاسيوس (492- 496): “إنّ هذه الكتب (المنحولة) وما شابها قد علّمها ودوّخها الهراطقة والمنشقّون وتبّاعهم.

فنحن نرفض هذه الكتب ونستبعدها في كل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الرسولية ونحرّمها مع كاتبيها”. وعندما تعلن الكنيسة لائحة الكتب المقدّسة في مجمع فلورنسا (1442) والمجمع التريدنتيني (8 نيسان 1546) في إيطاليا، فهي تكتفي بأن تردّد اللائحة الرسمية مشدّدة على أنّ الله هو واضع العهد القديم والعهد الجديد، وأنّ الكتّاب الذين كتبوا إنّما فعلوا بإلهام الروح القدس. فمن لا يقبل هذا التعليم فليكن محرومًا .

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم ٤

الفصل الثاني: الحلقة الرابعة

توسع قانون الكتب المقدسة للعهد القديم

 

إنّ القانون المسيحي للعهد القديم يحتوي كل الكتب المقدّسة كما نقرأها في الترجمة اليونانية، وهذا يعني أنّ الكنيسة تضيف إلى الكتب القانونية الأولى (أي تلك المكتوبة بالعبرانية والآرامية والتي أقرّت في مجمع “يمنية”) الكتب القانونية الثانية، فتعتبر أنّ الإلهام يشمل أسفار طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروك وسفرَيْ المكّابيين، عدا بعض فصول من أستير ودانيال كتبت باللغة اليونانية. ويجدر القول إنّ الكنائس البروتستانتية تعتبر الكتب القانونية الثانية كتبًا منحولة تهدف إلى تغذية التقوى المسيحية دون أن يشملها الإلهام كالكتب القانونية الأولى. كرّس المسيح والرسل من بعده سلطة كتب العهد القديم، ورجعوا إليها مرارًا معتبرينها كلام الله. فيسوع يوبّخ الفريسيين لأنّهم “ينقضون كلام الله بسنّة من عندهم ” (مر 13:7)، والقدّيس بولس يعدّ العهد القديم “كلام الله الذي اؤتمن عليه اليهود” (روم 2:3). ولقد لجأ المسيح ورسله مرارًا إلى شهادات من العهد القديم في بشارتهم وفي كتاباتهم، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ العهد الجديد قد اتخذ العهد القديم على أنّه كلام الله وأساس إيمان. فالعهد الجديد يذكر تقريبًا جميع الكتب القانونية الأولى وهو يورد آيات من سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين والعدد… كما أنّه يذكر نصوصًا من الكتب القانونية الثانية فيورد أو يلمح إلى آيات مأخوذة من طوبيا ويهوديت وسفر الحكمة وابن سيراخ والمكّابيين الثاني. ومجمل القول أنّنا نجد ما يقارب ثلاثماية وخمسين استشهادًا من العهد القديم في العهد الجديد، أخذ أكثرها عن النص اليوناني السبعيني وليس عن النص العبراني الماسوري. كما أنّه عندما يرد أحد النصوص في الأناجيل تسبقه عادة العبارة التالية: “لتتم الآية”، “ليتم الكتاب ” (مت 1: 22 ؛ لو 22: 37؛ 24: 44؛ يو 12: 38 ؛ 13: 18…). وهذه العبارة ترد سبعًا وثمانين مرة لتبيّن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، ولتدل على أنّ ما وعد به العهد القديم، قد تحقّق في العهد الجديد بشخص يسوع المسيح الذي هو نقطة الوصل بين العهدين.

 

نورد نصيّن من العهد الجديد. الأوّل ( 2 طيم 14:3- 17): “فاثبتْ أنت على ما تعلمته وكنت منه على يقين. فأنت تعرف عمّن أخذته، وتعلم الكتب المقدّسة منذ نعومة أظفارك، فهي قادرة على أن تزوّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بالمسيح يسوع. فالكتاب كلّه من وحي الله يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر، ليكون رجل الله كاملاً معدًّا لكل عمل صالح “. والنص الثاني ( 2 بط 1: 19- 21): “فازداد كلام الأنبياء ثباتًا عندنا، وانكم لتَحسنون عملاً إذا نظرتم إليه كأنّه مصباح يضيء في مكان مظلم، حتّى يطلع النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم. واعلموا قبل كل شيء أنّه ما من نبوءة في الكتاب تقبل تفسيرًا يأتي به أحد من عنده، إذ لم تأت نبوءة قط بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله “. من هذين النصين نستنتج أنّ كل الكتاب من وحي الله، وأنّ الكتب المقدّسة التي تعلّمها تيموثاوس على يد أُمّه اليهودية (أع 16: 1) تعني أوّلاً كتب العهد القديم، وهي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بيسوع المسيح. فالنبوءات كالشرائع لم تأتِ بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله.

 

فكلام الله وصلَنا عن طريق الآباء والانبياء كما وصلنا عن طريق المسيح، وهو كلمة الله ذاتها نقرأها في العهدين القديم والجديد. يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين (1: 2): إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا قديمًا مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلامًا مختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الايام، وهي آخر الأيّام، بلسان الابن الذي جعله وارثًا لكل شيء وبه أنشأ العالمين. اعتاد آباء الكنيسة أن يوردوا الآيات من العهد الجديد والقديم على السواء، ليبرهنوا عن عقائد الإيمان، كما أنّهم أخذوا يشرحون للمؤمنين على السواء كتب العهد القديم والعهد الجديد، لأنّهم اعتبروا أنّ ما كتب قبل المسيح هو أيضاً كلام الله وقد كُتب بوحي الروح القدس. لا شك في أن كل ما كُتب قبل المسيح يجد كماله في المسيح، ولكنّه يبقى كلام الله.

هناك اختلافات طفيفة اذن ما بين قانون الكتب المقدسة العبري وما بين قانون الكتب المقدسة المسيحي للعهد القديم. يعود هذا الاختلاف الى انه كان هناك قانونين للكتب المقدسة العبرية في بداية العهد المسيحي: القانون الفلسطيني باللغة العبرية والذي تمت الموافقة عليه من قبل اليهود، والقانون الاسكندري باللغة اليونانية، والذي كان اوسع من الاول والذي كان يدعى ايضا “السبعينية” والذي تم تبنيه من قبل المسيحيين. ولكن عدد الكتب لم يكن محددا في فلسطين او في المهجر.

 

بما ان اكثر المسيحيين الاوائل كانو من اصل يهودي فلسطيني (عبرانيين او يونانيين) (اع 6: 1) فانهم في البداية تبنوا الكتب المقدسة العبرية. ولكن من خلال كتب العهد الجديد نستطيع ان نفهم بانه كانت هناك كتبا اخرى غير محسوبة ضمن الكتب العبرية. لان ما يستعمله كتاب العهد الجديد يدل على ان عدد الكتب المستعلمة في ذلك الوقت كان يفوق ليس فقط القانون الفلسطيني العبري ولكن حتى القانون الاسكندري اليوناني. عندما انتشرت المسيحية في العالم اليوناني كان المسيحيون الاوائل يستعملون ايضا الكتب المترجمة الى اللغة اليونانية. هكذا فان المسيحيين الاوائل استعملوا بصورة اكثر الترجمة السبعينية.

 

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم ٣

الفصل الثاني : الحلقة الثالثة

تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم

كل جماعة دينية لها كُتُبها المقدّسة تقرأها وتسمعها وتتأمّلها لتجد فيها قاعدة حياة لها في الزمن الحاضر وتتميّز هذه الكتب التي نسمّيها كتبًا قانونية عن سائر الكتب التي تغذّي روح التقوى والإيمان دون أن يكون لها الطابع المقدّس. فالكتب القانونية تعتبر حاملة كلام الله. هكذا فعل اليهود خاصة في اجتماع “يمنية” على شاطئ البحر المتوسط حول السنة 90 ب. م. فأقرّوا لائحة الكتب المقدّسة بطريقة نهائية واعتبروا أنّ كل ما كتب حتّى ذلك الوقت باللغة العبرية والآرامية هو كلام الله، وأنّ ما عداه لا يتعدّى أن يكون كتبًا تقوية. هكذا يعتبراليهود أسفار الشريعة الخمسة هي كلام الله لموسى، والكتاب يقول إنّ “موسى كتب جميع أقوال الرب ” (خر 24: 4)، وإنّه كتب ما كتب بناء على طلب الرب. فبعد الحرب مع بني عماليق، قال الرب لموسى: “اكتب هذا لتحفظه ذكرًا، واقرأه على مسامع يشوع ” (خر 17: 14). وقبل الوصول إلى أرض الميعاد، “كتب موسى مسيرتهم مرحلة مرحلة بعد خروجهم كما أمره الرب ” (عد 2:33). وعندما اكتشف الكاهن حلقيا في بيت الرب “كتاب الشريعة” الذي هو كتاب القوانين التي فرضها الله على شعبه، قرأ أمام الملك يوشيا (640- 609) وكل سكّان أورشليم كلام كتاب الشريعة ذاك (2 مل 23: 2). ومنذ ذلك الوقت أخذ الكتّاب يستندون إلى نصوص كتاب الشريعة. فيروي سفر الملوك الأوَّل (2: 1- 3) كيف أنّ داود طلب إلى ابنه سليمان أن يسير في طرق الرب ويحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه كما هو مكتوب في شريعة موسى (تث 29: . ويذكّر سفر الملوك الثاني (14: 6) بأنّ سفر شريعة موسى يمنع قتل الآباء من أجل البنين، والبنين من أجل الآباء (تث 16:24).

وفي زمن الجلاء، وبعد أن هُدم الهيكل وزالت الملكية، أخذ نفوذ الشريعة وتأثيرها يزدادان، فكان المنفيون يجتمعون حول الكهنة يستمعون اليهم يقرأون عليهم فصولاً من أسفار موسى. وبعد الرجوع من المنفى ستقرّ الجماعة اليهودية بالشريعة دستورها المقدّس، كل من لا يعمل بها يقضى عليه بالموت أو بالنفي أو بالحبس (عز 26:7). وابتداء من القرن الخامس، كانت شريعة موسى تقرأ في مجامع فلسطين والشتات، وكان الكتبة يدرسونها ويشرحونها، والمؤمنون الأتقياء يحفظونها ويردّدونها. ولمّا انفصل السامريون عن الجماعة اليهودية (سنة 408 ق. م.) حملوا معهم كتب موسى دستورًا مقدّسًا دون غيره من الكتب.

ولكن اليهود كان لهم مع التوراة كتب الأنبياء. فإرميا كتب ما كتب المرّة تِلوَ المرّة بناء على طلب الرب ( 36: 2، 28، 32)، وكذلك فعل حزقيال وأشعيا (30: ؛ أمّا المزامير فقد اعتاد المؤمنون تلاوتها في اجتماعاتهم خلال المنفى ثمّ في الهيكل وفي المجامع، فصارت كتاب صلاة شعب الله؛ أمّا سائر الكتب الحكمية فقد أخذت مكانتها في الحفلات الدينية فكان المؤمنون يقرأون نشيد الأناشيد في عيد الفصح، وسفر راعوت في عيد العنصرة، ومراثي إرميا في ذكرى خراب أورشليم (586)، وسفر الجامعة في عيد المظال، وسفر أستير في عيد خاص يُحتفل به في 14 و 15 آذار.

ثمّ نقرأ في سفر المكّابيين الثاني (13:2) رسالة تقول إنّ نحميا أنشأ مكتبة جمع فيها أخبار الملوك (ما نسميه الكتب التاريخية) والأنبياء وكتابات داود (أي المزامير). كما نقرأ في مقدمة سفر يشوع بن سيراخ (كتب حول سنة 180 ق. م.) تقسيم العهد القديم ثلاثة أقسام: الشريعة أي كتب موسى الخمسة، والأنبياء، أي ما نسميه الكتب التاريخية (الأنبياء الأوّلون) والكتب النبوية (أي الأنبياء اللاحقون)، وسائر الكتب أي المزامير وبقيّة الكتب الحكمية. وسيذكر سفر يشوع بن سيراخ، في سياق كلامه، يشوع بن نون (46: 1 ) والقضاة (46: 13) وصموئيل (46: 16) والملوك (47 :1) وأشعيا النبي (48: 25) وارميا (8:49) وحزقيال (49: 10) وسائر الأنبياء الاثني عشر (49: 12، نسميهم الأنبياء الصغار لأنّ ما كتبوه كان قليلاً). ولم ينسَ أن يذكر سفر الأمثال (16:47) وأيوب (49: 9 في النص العبري) ونحميا (49: 15).

ونرى كل جماعة يهودية تهتم بأن يكون لها أسفار الشريعة الخمسة وسائر الكتب التي تُقرأ في اورشليم. فالرسالة إلى أرستيس (القرن الثاني ق. م.) التي تسمي الأسفار المقدسة الكتابَ (بيبلوس في اليونانية) والتي تتحدّث عن ترجمة النصوص العبرية إلى اليونانية، تذكر كيف أنّ رئيس كهنة اورشليم، اليعازر، أرسل إلى الاسكندرية نسخة كاملة عن الكتب المقدّسة.

أمّا يوسيفوس المؤرّخ فقد كتب بحثًا “ضدّ أبيون ” (سنة 97- 98 ب. م.) يقول فيه: لا تجد عندنا عددًا غير محدود من الكتب (كما عند اليونان) بل اثنين وعشرين كتابًا فقط (بعدد الحروف الأبجدية) تحتوي أخبار كل زمان… أوّلاً كُتب موسى وعددها خمسة… ثمّ الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى… والكتب الأربعة الأخيرة تحتوي أناشيد الله وفرائض أدبية للناس… إنّ الاحداث تبيّن بأي احترام نقرب من كتبنا الخاصة… فهي كتب يحرّم علينا أن نمسّها بسبب طابعها المقدّس كما يقول سفر عزرا الرابع (23:14- 47) الذي كتب في القرن الأوّل ب. م.

لقد قيل: الجماعات تعيش ثمّ تفكّر بطريقة عيشها. والجماعات الدينية لا تسعى إلى تحديد إيمانها أو إلى إقرار كتبها المقدّسة إلاّ إذا داهمها خطر. فالجماعة اليهودية لم تشعر في البدء بالحاجة إلى تحديد لائحة الكتب المقدّسة التي تعتبر قاعدة إيمانها. ولكن عندما هُدم الهيكل مرة أولى، تعلّق الشعب بالتوراة كعلامة حضور الله بينه. وعندما هدم الهيكل مرّة ثانية وتشتّت الشعب اليهودي أحسّ المؤمنون بالحاجة الى إعلان لائحة بكتبهم المقدّسة كما بدأوا بتدوين التقاليد الشفهية كالتلمود والتراجيم لئلاّ تضيع.

والكنيسة التي تعدّ نفسها شعب الله الجديد، قد تسلّمت من شعب الله القديم الكتب المقدسة على أن الله قد أوحاها، فصارت الكتب القانونية عند الشعب اليهودي كتبًا قانونية عند الشعب المسيحي.(بولس الفغالي، المدخل، 181-185).

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

Michigan SEO