خمس دقائق مع الكتاب المقدس

هل الصوم ضروري ؟

يصف الإنجيل سؤال بعض الناس عن الصوم: ا
«وكان تلاميذ يوحنا والفريسيين صائمين، فجاء بعض الناس إلى يسوع وقالوا له: “لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين ، ولا يصوم تلاميذك؟”. فقال لهم: “أتنتظرون من أهل العريس أن يصوموا والعريس بينَهُم؟ فما دام العريس بينَهُم، لا يَقدِرونَ أن يصوموا. ولكن يجـيءُ وقت يُرفَعُ فيه العريسُ مِنْ بَينِهِم وفي ذلك الوقت يصومون…”» (مرقس 2: 18-22). ا
سؤال الإنجيل قد يتردد صداه في أيامنا هذه، بشكل مختلف: “أي صوم هو الأفضل؟ فالأديان الأُخرى شرَّعت أصواماً متعددة. وهل علينا أن نصوم؟”. هناك أسئِلة مثيرة تدور في أذهاننا: فحسب الإنجيل علينا أن نصوم، لأن العريس قد رُفع! ولكن في نفس الوقت، قد قال لنا يسوع: أنه حاضر دائماً: “أينما إجتمع أثنان أو ثلاثة بأسمي، كُنتُ هُناكَ بَينَهُم” (متى 18: 20)، “ها أنا مَعكُم طَوالَ الأيّامِ، إلى انقِضاءِ الدَّهرِ” (متى 28: 20). ا
من الضروري إعادة إدراك روحية هذه الممارسة (أي الصوم) ووضعها في قيمتها الروحية الحقيقية التي أراد الكتاب المقدس أنْ نَصل إليها في الصوم، مع عدم إقتراض نماذج غريبة عن المعنى المسيحي للصوم، وعدم نسيان، أن هناك العديد من المسيحيين، الذين يقومون بممارسة الصيام، “سرا ” اليوم، بناءً على وصية الرب يسوع: “أمَّا أنتَ، فإذا صُمتَ فأغسِلْ وجهَكَ وأدهَنْ شَعرَكَ، حتى لا يَظهَر للنَّاسِ أنَّكَ صائم، بل لأبيك الذي لا تراه عينٌ، وأبوك الذي يرى في الخفية هو يكافئك” (متى 6: 17-18). ا
في الكتاب المقدس نجد نوعين من الصيام: الصوم الزُهدي والصوم النبوي، الصوم الطقوسي والصوم الحدثي. الصوم الطقوسي هو ما كتب في الناموس أو ذاك التقليدي والذي يأتي حسب الزمن أو الحدث الذي قرر مثل هذا النوع من الصيام. أما الصوم النبوي هو لمرة واحدة، وذلك إستجابة لدعوة محددة من الله عن طريق الأنبياء، لأوقات صعبة أو لإحتياجات خاصة. ا
في الكتاب المقدس يقتصر الصوم على النوع الطقسي. الصوم الوحيد الذي هو فرض على الكل هو صوم موسى والمعروف بصوم كبوريم العظيم، يوم الغفران: «”هذا يكون لكم فريضة أبديَّة: في اليوم العاشر مِنَ الشَّهرِ السابع تُذلِّلونَ نفوسَكُم بالصوم ولا تعملون عملاً، الأصيل فيكم والغريب والدَّخيلُ” (لاويين 16: 29). من ثم تم، بواسطة التقليد إضافة أنواع من الأصوام، لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية في تاريخ شعب إسرائيل: “وليسألوا الأنبياء والكهنة الذين في بيت الرب القدير، “هل نبكي على خراب الهيكل في الشهر الخامس كما نذرنا أن نفعل من سنين كثيرة؟” فكانت إليَّ كلمة الرب القدير قال: “قُلْ لجميع الشعب والكهنة: حين كنتم تصومون وتنوحون في الشهر الخامس والسابع في تلك السبعين سنة، هل كان صيامكم لي أنا؟”» (زكريا 7: 3-5، راجع أيضاً 8، 19).
الأصوام الكبرى في الكتاب المقدس هي الأصوام النبوية أو الحدثية. النبوية، كما صام موسى أربعين يوما وأربعين ليلة قبل أن يستلم لَوحَي الوصايا (راجع خر 34: 28)، وصامَ إيليا قبل لقاءه بالله في حوريب (راجع 1 ملوك 19: 8)، الرب يسوع، قبل أن يبدأ رسالته صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً. قصة يونان النبي وملك نينوى هي الأخرى تشير إلى نوع من أنواع الصيام (يونان 3: 7 وما يليها). أمّا الحدثية فهيَّ تعني الصوم بسبب حدث معيّن، حدث في الماضي، مثل صوم الباعوثة، الذي جعلته الكنيسة صوما طقسياً. ا
يمكننا أن نقرأ نصاً نموذجياً عن الصوم وهو من سفر يوئيل والذي علينا أن نتذّكره كل سنة ببدء الصوم الكبير: “أُنفخوا في البوق في صهيون، وتقدسوا للصوم ونادوا على الصلاة. إجمعوا الشعب، وقدّسوا الجماعة. أُحشدوا الشيوخ، وأجمعوا الصغار والأطفال. أخرِجوا العريس من مخدعه والعروس من خدرها” (يوئيل 2: 15-16). ا
وكخلاصة ولكي نُجيب عن السوآل نقول: نعم يجب أن نصوم، وأن يكون صومنا مصحوباً بالتوبة، لأن الصوم زمن التفكير بالله وبخطايانا، لذلك يجب أن لا يكون، لأننا اعتدنا الصوم مثل آبائنا أو للظهور أمام الناس اننا صائمون، يجب أن يكون صومنا نابع من رغبة صادقة في التقرّب من الله ومعرفته أكثر. ا

الأب سامي الريّس

تكوين العهد الجديد ١٠

الجزء الثاني: الحلقة العاشرة

تكوين العهد الجديد ١٠ : صياغة الأناجيل

 

3- هدف الاناجيل

كان هدف الاناجيل: تنمية الايمان وتغذيته. هناك صعوبات تقنية: ورق البردي غالي الثمن. كيف نمسك القصبة؟ والحبر لا يدوم طويلاً. لهذا أجبر الإنجيليون على تدوين وثائق قصيرة ومحدّدة. وهذا ما يدعونا إلى مقابلة المقاطع المتشابهة في الاناجيل.

* قد نعجب من اختلافات واضحة، بل بعض “تناقضات” حرفية بين الأخبار. فالكلمات ليست هي هي، أو هي لا تتوالى في الترتيب عينه. مثلاً، جعل لوقا (6: 11- 16) دعوة الاثني عشر قبل الخطبة الأولى (لو 20:6- 49). وجعلها متى (10: 1- 4) بعد خطبة الجبل (مت 5- 7). وهكذا نجد أنه يستحيل علينا أن نكتب سيرة مفصلّة ليسوع بأن نتبع تسلسل الاناجيل، أو بأن نمزجها بعضها ببعض. وهذا نفهم أن هذه الكتب لم تهتمّ أول ما تهتم بالناحية التاريخية. هي إنطلقت من الناحية التاريخية، من حياة يسوع وأعماله وأقواله، لتقدّم لنا شهادة عن يسوع.

* لا تكتفي الاناجيل بأن تقدّم لنا الوقائع بصورة بسيطة. فهدف الإنجيليين ليس حصراً بأن يقدّموا “سيرة يسوع” مع الدقة المادية في خطبه وتصّرفاته. هدفهم تنمية وتغذية ايمان المسيحيين انطلاقاً مما قاله يسوع وعمله. واخذ الكتّاب بعين الاعتبار تأثير أعمال يسوع وأقواله على حياة الجماعات التي يتوجّهون إليها. لهذا قاموا بعملية اختبار ولم يكتبوا كل شيء (يو 30:20؛ 25:21).

أعلن الإنجيليون الحدث يسوع المسيح. ولكنهم ظلّوا، شأنهم شأن الرسل، يدعون القارئين إلى الايمان والى حياة مسيحية حقّة. والتأمت الجماعة فضمت وشاركت وتعمّقت ودوّنت ما تعيشه وتعرفه عن المسيح. في هذا المعنى نقول: الكنيسة كوّنت الاناجيل.

* كان كل انجيلي شاهداً لسامعيه، وقد نال نداء خاصاً به. هنا تبرز شخصية كل كاتب وأسلوبه وطريقة التعبير عنده. فهؤلاء الكتّاب يوردون مضمون التقاليد السابقة كما وصل إليهم حرفياً ولا يجعلون القطعة لِجانب الاخرى بدون نظام أو ترتيب. إنهم يعودون إلى مراجعهم وينظّمون مجموعات يشدّدون فيها على أمور ويفضلونها على أخرى. هذا الاسلوب نكتشفه حين ندرس كل انجيل على حدة. ونأخذ مثلاً يوحنا مع ما فيه من ابتكار: عاد إلى مراجع متنوّعة وقديمة. ولكنه ظلّ حراً في استعمال هذه المراجع، فلجأ إلى التوسّعات الطويلة ليبرز المعنى العميق لأعماله يسوع وأقواله.

* رغم الاختلافات البارزة التي توضحها كل مقابلة بين الاناجيل الثلاثة الأولى (نسميّها الاناجيل الازائية، لاننا نضع نص متى ازاء نص مرقس أو لوقا فنجد التشابهات والاختلافات)، يورد كل من متى ومرقس ولوقا أقوالاً وأحداثاً متعلّقة بيسوع في الفاظ متقاربة وفي تصميم متشابه. مثل هذه التشابهات تطرح سؤالاً: هل ترتبط الأناجيل بعضها ببعض؟ لن نقدّم هنا الفرضيات العلمية المتعدّدة. ولكننا نورد نقطتين:

– الاولى: أثّر مرقس تأثيراً كبيراً على التدوين النهائي لمتى ولوقا، إن على مستوى البيئة العامة، وإن على مستوى الشكل الأدبي.

– الثانية: هناك مواد جهلها مرقس واستعملها متى ولوقا. قد يكون في أساسها متى الأرامي.

 

الاب د. غزوان يوسف شهارا

تكوين العهد الجديد ٩

الجزء الثاني: الحلقة التاسعة

تكوين العهد الجديد ٩ :

 صياغة الأناجيل

 

  ج- المرحلة الثالثة

هي مرحلة تدوين الاناجيل. في السنوات 70- 100. سنحاول بشكل موجز أن نعيد بناء “التاريخ السابق” لأناجيلنا الحالية: ما هي الظروف التي دفعت المسيحيين الأولين ليقوموا بهذه الصياغة؟ إن تاريخ اربعين سنة (المرحلة الثانية) جعلت التقاليد الشفهيّة تدوّن في اربعة كتيبات هي متى ومرقس ولوقا يوحنا.

 

1- تدوين الاناجيل

* برزت باكراً الحاجة لتدوين مجموعات جزئية ومستقلّة بعضها عن بعض، لهذه الجماعة أو تلك. منها ما تعلّق بالموت والقيامة أو بأحداث متعلّقة بيسوع (المعجزات)، أو بأقوال المعلّم (الأمثال، الجدالات). وأتاحت هذه المجموعات استعمال النصوص بطريقة أسهل في الكرازة أو في التعمّق في الايمان.

 

* هل نستطيع أن نفترض مجموعات أوسع؟ معظم المواد المشتركة بين متى ولوقا والغائبة عن مرقس، قد تدل على ينبوع خاص (= المعين). وقد تلّمح “وثيقة” إلى نص أو خبر من العهد القديم، فتبدو مكتوبة قبل سنة 50 في لغة بسيطة لأوساط مسيحية من أصل يهودي. ويمكن أن تكون دوّنت قبل سنة 60 تفسيرات أحد النصوص لمسيحيين من أصل وثني. وقد يكون نص ثالث صدى لتقاليد مختلفة ظهرت في وقت مبكر… غير أن هذه المجموعات المكتوبة لم توقف اعلان الإنجيل بصورة شفهية. فقد ظل التقليد الشفهي يغني التقليد الخطي حتى التدوين النهائي. وهذا ما نراه واضحاً في انجيل يوحنا أو في خاتمة انجيل مرقس (9:16- 20: كانت النسخة الأولى تنتهي في 8:16).

 

2- لماذا دوّنت الاناجيل

ومرّت السنون… وتمنى المرتدّون طبعاً أن يعرفوا معرفة أفضل الطريق الذي عاشه على الأرض يسوع الذي قام من بين الاموات والذي يؤمنون به الآن: أن يتذكّروا ويفسّروا ما عمله يسوع وقاله، يلقي النور في طريقهم. ووصلت المسيحية الفتية، التي انفصلت شيئاً فشيئاً عن اليهودية خصوصاً حوالي سنة 70، وصلت إلى بلدان عديدة في حوض البحر المتوسّط، كما لامست مختلف أوساط العالم في ذلك الزمان. أجل، ان المسيحية ابتعدت جداً عن مكان ولادتها. كيف تصبح فلسطين قريبة من هؤلاء المسيحيين الجدد؟ حين يدوّن الإنجيل. وغاب الشهود الاولون. يعقوب قُطع رأسه في فلسطين. بطرس صُلب في رومة… وآخرون غابوا لألف سبب وسبب. ما العمل لكي لا نخسر شيئاً مما عاشه ونقله هؤلاء الشهود؟ لهذه الاسباب وغيرها رأت الاناجيل النور بين سنة 70 وسنة 100.

 

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

Michigan SEO