تأملات في انجيل الاحد

الأحــد السادس للرسـل

الأحــد السادس للرسـل 

2017.07.09

 تُتلى علينا اليوم القراءات : اش2: 1-19  ؛  1كور10: 14-32  ؛  لو12: 57-13: 9

1* القـراءة : اشعيا 2 : 1 – 19

سبقَ إشعيا فأخبرعن تمَّرُدِ الشعب المختارعلى الله ناكرًا جميله وأفضالَه. لقد آنَ وقتُ الحسابِ . سيكشفُ له الله مخازيَه وقباحاتِه وأخطاءَه وجهالاتِه. ويبدأُ الله بعملية التصفية والتنقية. عندئذٍ سيخجلُ الناسُ من تخَّلفِهم عن الكرامة التي وسمهم بها الخالق. فقدوا الحقَّ بفقدانهم الحب و العدل والرحمة. وقفوا تجاه الله أندادًا وخصوما. لن يسمح الله لهذا الوضع أن يستمّر. سيتدَّخل ويُعَّلم البشر أنَّ الجاه ليس بالخيل والمركبات، وأن القوة ليست بالسيوفِ والرماح، وأنَّ الغنى ليس بالفضّةِ والذهب. هذه كلها وسائل فقط. فإذا تحَّولت الى قيمة ذاتية وهدف ستحُّط من كرامة الأنسان. وقد أصبحت كذلك للأنسان حتى إستعبدته وكَّبلتْ قواه. أما كرامة الأنسان وقيمته فهي في أن يسمع كلام الله. وبما أنه لا يسمع فسيتدخلُ الله بنفسه و” يأخذ الحكمَ و القضاء بيده”. سيقيم الله مع البشر يقاسمهم حياتهم ويُثَّبتُ لهم دستوره، فلن يكونوا بعد مُلزمين بآتباع تعاليم القادة البشريين. سيكشفُ للناس أخلاقَه الخاصّة ويُعلمُهم كيفَ يصونون كرامتهم وحقوقهم لا بالحرب والقتال بل بالسلم وفِلاحةِ الأرض لآخراجِ قوْتِها وضمان العيش الكريم. سيحَّلُ الله بين البشر(يو1: 14) ليحيا معهم فيروا فيه كيف يكون المجد، ويعاينوا قوة كلمة الحق، ويُشاهدوا مثالا للحياة. سيخزون من إنحطاطِ أخلاقِهم ويتأكدون أن لا عظيم وقدير وثري غيرُ الله. أما ما يعتبره الأنسان عظمته وشموخه وفخرَه فسينهارُ أمام علو الله وجبروته وعلمه. بل سيزول كليا. عندما ” يزلزلُ الله قوى الأنسان” عندها سيختبيءُ بسبب مستحاه في” كهوفِ الصخرِ و شقوق السفوح من أمام هيبةِ الرب وعظمةِ بهائه”، ويكتشفُ أنَّه لا يملكُ سوى نسمة الحياة

2* الرسالة : 1كور 10 : 14 – 32

يغزلُ الرسول على نفس المنول. عايش بولس إهتداء الوثنيين الى الأيمان بالمسيح على يده. هؤلاء المهتدون، المسيحيون، عرفوا الله وآتحدوا بفكره وحتى بحياته. لقد تناولوا جسد الرب يسوع ودمه فآكتسبوا حياته. بذلك عرفوا الحق والخير. لقد سمعوا كلام الله وآختبروا حُبَّه و رأوا أعماله. لكن البعضَ منهم ما زال يميلُ غريزيًا الى عادات الوثنيين.  وإن كانوا يُمَّيزون بينها وبين تعليم الله ومطاليبه إلا إنهم حاولوا التوفيق بينها. كان للأحتفالات الدينية الوثنية طابعٌ مميز من تناول الأطعمة والمشروبات. كانوا يحّنون اليها. لكنها كانت إباحيةً والمشاركة فيها مُخاطرة للوقوع في حبائل ابليس. فحَّذر منها بولس ” إنها ذبائح للشياطين لا لله. وأنا لا أريد أن تكونوا شركاء الشياطين…لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب ومائدة الشياطين” (آية 20-21). ومن الممكن أن يفعله مسيحيٌّ بنية صافية وبريئة. لكنه ليس حُرًّا في سلوكه المادي. لأنه أصبح واحدًا مع بقية المؤمنين من خلال تناوله جسد المسيح الواحد، إذ يقول” نحن على كثرتنا جسد واحد .. لأننا نشترك بالخبز الواحد” (آية 17). وهذا يتطلب من المسيحي أن يحيا لا لأنانيته فقط بل ينتبه الى مصلحة الآخرين، كما فعل المسيح. وإذ يوجد خطرإعطاء الشكوك في عدم التمييز بين الألهي والأنساني، فليس كلُّ شيءٍ بَّناءًا ولا حلالا إلا إذا قاد الى مجد الله. فيقول الرسول :” إذا أكلتم أو شربتم، أو مهما فعلتم، فآعملوا كلَّ شيء لمجد الله ، ولخلاص جميع الناس. وإن كانت الأطعمة بذاتها طاهرة نقية (تك1: 31؛ 1طيم4: 4-5؛ أع10: 15)

لكن إستعمالها بشكل سيّئ، فارغ عن المحبة مع عدم تقدير الظرف، قد يؤذي الآخرين ويُفقدُ حتى الأيمان. لذا تابع بولي التعليم قائلا :” لا تجعلْ من طعامك سببا لهلاك من مات المسيح لأجله، ولا تُعَّرضْ ما هو خيرٌ لكلام السوء.. لا تهدم عمل الله من أجل الطعام ” (رم14: 15-20). وبموجز الكلام يدعو بولس المسيحي الى معرفة الله والتقيد بشريعته وأن يكون نورًا يُضيءُ للآخرين درب الحق والحب. الله مات من أجل الأنسان فهل يتخَّلى عنه الأنسان من أجل خيرات زمنية تنتهي بالزوال، والله خيرٌ أبدي؟. والأنسان الآخر، أيًّا كان، هو أخوه وقد فداه المسيح فهل نُهمله نحن أو نسيءُ اليه؟. لا يليق ذلك بمن عرفَ المسيح وإتَّحد به وآتَّحدَ مِن خلاله بالآخرين؟

3* الأنجيل : لوقا 12 : 57 – 13 : 9 

عبر فقراتٍ ثلاث يدعو الربُّ سامعيه وقارئيه الى التوبة. الأولى التوبة في هذه الحياة وليس بعد الموت حيث لا تنفع. الثانية التوبة عن السوء بشكل متواصل وليس عند لحظة الوفاة، لأنَّ الموت قد يداهم البشر دون إنذار وعندها قد لا يجد الأنسان مجالا للتوبة. والموت والحساب يشمل كلَّ الناس فلا يتكل أحد على ميزة بشرية. والثالثة التوبة مرهونة ومقيدة بالسيرة الحسنة  . والله لا يكمن للخاطيء حتى يعاقبه، ولا يُهملُه أيضا، بل يمهله فرصة التوبة بالأعمال الصالحة : التي أعَدَّها الله لنا من قبلُ لنسلك فيها” (أف2: 10)

ضرورة التوبة في هذه الحياة تقوم على أساس أنَّ الأنسان أساءَ إستعمال الحياة ودَّنسها. نفخَ اللهُ الوجود في الأنسان وأشركه في وجوده. فحياة الأنسان ملك الله وعلى الأنسان أن يُعيدَها إليه سالمة نقية. هكذا فعل يسوع على الصليب (لو23: 46). ومن يُدنس الحياة يُخاصِمه الله فيُحاسبه. وما دام الأنسان حَّيا على الأرض عليه تصفية حسابه مع الله فيتوب عن سيِّئاتِه. و إلا سيرفضه الله بعد الموت، كما رفض الغني المهمل والفاقد للمحبة والرحمة (لو16: 26) وكذلك العذارى الخمس الجاهلات اللواتي لم يسهرن على نقاوة سيرتهن (متى25: 11-13).

والتوبة تشمل كلَّ الناس لأنهم أخطأوا جميعَهم في الأب الأول (رم5: 12 و18)، فلا يوجدُ إنسانٌ بارٌ ولا واحد (مز53: 2-4؛ رم3: 10-18). والله لا يُقاصصُ الأشرارعلى هذه الأرض . بل ينتظرُ منهم التوبة ليحيوا معه للأبد (حز18: 23). والمسيح دعا الكل الى التوبة (متى4: 17) لأنَّ ملكوت الله لا يقبل الفاسدين (1كور15: 50). ويُعطي الخطأة الفرصة لتغيير سيرتهم السيِّئة، كما فعل مع الزانية (يو8: 11). وكما فعل صاحبُ الكرم بالتينة غير المثمرة فأعطى لها خدمة سنة إضافية لتكثيف الجهود في تقويمها (آية 8-9)

وأخيرًا المؤمن بالمسيح أصبح نورًا للعالم. “أنتم نور العالم وملح الأرض”. الوثنيون لم يعرفوا الله. أما المسيحي فقد عرف الله وحمل راية المسيح ويتابع مهمة يسوع الخلاصية. عليه أن يُنير، بأقواله وأعماله، درب الحق والحب والغفران لأهل العالم. ولا يحَّقُ له أن يجُرَّهم بسوئه الى الهلاك، “فالويل لمن على يده تأتي الشكوك والعثرات” (متى18: 7). إنه بذلك لا فقط لا يعطي ثمارًا صالحة بل “يُعَّطل” العمل في حقل الرب. وعلى هذا لا يساومُ الرب. ومن يُعَّطلُ عملَ الله يُجَّدفُ على الروح القدس

القس بـول ربــان

الأحــد الخامس للرسـل

الأحــد الخامس للرسـل 

   2017.07.02

عـيد مار توما رسول وشفيع الكنيسة الكلدانية

تُتلى علينا اليوم القراءات :  اش42: 1-13  ؛  1كور9: 16-27  ؛  يو20: 19-29

1* القـراءة : اشعيا 42 : 1 – 13

نشيد عبد الرب. العبد أي الأنسان. أبلغَ النبي رسالة الله : لقد إختار إنسانًا رضيَ به، وأحَّلَ روحَه فيه، يُعَّلمُ البشرية سلوكَ الله، العدلَ والمساواة. لن يتصَّرفَ بعنف ولا يُكرِهُ أحدًا على شيء. لا يرذل المُعَّوقين. لا  ينبذ الضُعفاء. لا يُعاقِبُ الخطأَةْ، ولا يلتوي مع الشر، ولا يغلبه أحد. البشرية عطشى الى مثل هذه الشريعة. تصبو منذ دهور الى العدل. ومرسلُ الله سيُؤَّسسُ سُلطانه على العدل وينشُره في الأرض. سيُحَّققُ أُمنية الله بخلق شعبٍ يُصبحُ عهدًا وضمانًا لغيره و” نورًا لهدايةِ الأمم” (آية 6).  وسيكون هذا المُرسَلُ النموذجَ الحَّي لجميع رسل الله الأصيلين. ومن يُضادده ويرفض هؤلاء لن يكون من الله. فرسول الله يفتحُ عيون الناس على حقيقة الحياة وصحَّة الأخلاق، يُنَّجي المظلومين ضحايا شَّرِ الأنسان، ويُنقذ المتأَلمين من قساوة قلبه التائه في ظلام الجهل والأنانية. لن يسمح الخالقُ للخليقةِ أن تتبَوَّأَ عرشَ المجد من دونه، ولا أن تُدّنس الحياة. إِنها لن تقدر أن تصبح ” إلَـهًا ” من نفسها. تقدر ذلك فقط عندما تسمع كلام الله فيدعوها هو ويرفعها الى الجلوس معه

هذا العبد هو المسيح. أرسله الله فتجَسَّدَ ، وفي ناسوته إمتلأ من الروح الألهية. جاءَ ليؤَّسسَ مملكة الله على الأرض. وضع أساساتها، وسَّن دستورها، وأقام لها قادةً ومعلمين وحُماة. إنهم رُسلُ الله. لأنَّ الذي أقامهم، ويقيمهم، هو” المُرسل من الله والحامل روحه “، النابض بفكر الله وقلبه. فمن يحملُ اليومَ المسيحَ الى العالم ويشهدُ له يجب أن يتحَّلى بهذه الصفات ، علامات إرسال الله له. ومن يسمع كلام الله ويتبع المسيح ليرفع المجد والتسبيح لله على نعمته هذه أَنَّه لم يترك الأنسان يتخَّبطُ في الجهل أو يضعفُ أمام أعدائه بل له ملجأٌ أمين وعونٌ ثمين

2* الرسالة : 1كورنثية 9 : 16 – 27

يتحَّدثُ بولس عن ” البشارة والمُبَّشر”. البشارةُ هي الشهادة للمسيح ومتابعةُ عمله بإشعاعِ نور الله للناس. ولُبُّ عملِ المسيح وموجزُ رسالتِه أن يُخَّلصَ الأنسان ويُنيرَ أمامه دربِ الحَّقِ و الحياة. الله هو الذي يُحَّدِدُ فيُقيمُ ويرسلُ ” المُبَّشِرينَ” بكلامه. إختارهم يسوع وسَّماهم” رسُلاً “. ولا يزالُ يختارهم ويُرسلهم الى العالم ليخدموا البشرية مثله؛ ” كما أرسلني الآب اُرسِلكُم أنا ” (يو20: 21). فالبشارة ليست وظيفة نفعية، وإن كان من حَّقِ المبَّشِرأن يعيشَ من البشارة (آية 13)، حتى يُطالبَ المُبَّشرُ بأُجرة (أية17)، بل هي وصَّيةٌ وخدمةٌ عَهدَ اللهُ بها الى المُبَّشر. لذا أجرة المُرسَلِ أن يتنازل عن حَّقِه،” مجَّانًا أخذتم فمَجَّانًا أعطوا” (متى10: 8). فمن إعتمد بآسم المسيح ومارسَ خدمةً كهنوتية يُبَّشرُ بالمسيح ويشهد له إِلزامًا ،” فالبشارةٌ فرضٌ عليَّ، والويلُ لي إن لم أُبَّشِر” (آية 16). أما ثمار أداء البشارة فهي” إكليل المجد الذي سيجازيني به الرب” (2طيم4: 8)

البشارةُ إحدى مواهب الروح. لأنَّه وإِن كانَ الرَّبُ المُرسِلُ واحدًا هو يسوع المسيح، وإِن كانت البشارةُ نفسُها واحدةً هي متابعة عمل الله والشهادة له، إِلا إِنَّ الخدمةَ والمواهبَ والأعمال على أنواعٍ مختلفة ” ينالُ منها كلُّ واحد نصيبَه ، فيه يتجَّلى الروحُ للخير العام” (1كور12: 4-7)؛ فأَعطى ” بعضَهم أن يكونوا رسُلا، وبعضَهم أنبياءَ، وبعضَهم مُبَّشرين وبعضَهم رعاةً ومعَّلمين “(أف4: 11). وإِن كانت البشارة بالمسيح إلزامًا على كلِّ مسيحي مُعَّمَد بآسمِه إِلاّ إِنَّ ذلكَ لا يُلغي لا شخصيته ولا حُرّيتَه. إِنَّ فسيفساءَ تنَّوُعِ الموهبة والخدمة يؤولُ الى آكتمال حاجةِ الجماعة المؤمنة. كلُّ رسولٍ له شخصيتُه وطاقتُه يستغّلُها لأداءِ خدمتِه لتكتملَ حاجةُ الجماعة. وكلُّ واحدٍ حُرٌّ أن يقبلَ الخدمة التي يطلبها منه الله أو يرفضُها. يهوذا رفضَها بينما قبلها بقية زُملائِه.

ولمَّا كانت البشارةُ خدمةً للآخرين قد يتعاجزُ البعضُ عنها ،” يا أبتاه إن كان ممكنا أبعِد عني هذه الكأس” (لو22: 42)، وعندئذ على الرسول أن يتذكرَ أنها مشيئة الله. والله يعرف أحسن من الأنسان ما هي مصلحته الحقيقية، ويريدُ له كلَّ الخير، فمطلوبٌ منه أن يقبل التحَّدي والبذل ،” بل لتكن مشيئتك “(لو22: 44)، فيقسُو على نفسِه ويستعبدُ جسدَه حتى لا يخسرَإكليل المجد (آية 27)

3* الأنجيل : يوحنا 20 : 19 – 29

ظهور يسوع يومَ القيامة للرسل بدون توما ثم بعد أسبوع للرسل مع توما. حتى الرسول ممكنٌ أن يضعفَ فيشُّكَ. إِنَّه إِنسانٌ ضعيفٌ. دعوته لأداء عمل الله لم يُؤَّلِهْـهُ. زوَّدَه الله بالقدرة على إِتمام عمله. لم يُغَّيرْ طبيعَته. كلَّفَه بأداء عملٍ إلهي لكنه لم يعصِمْهُ من الخطأ ولا حَصَّنه ضِدَّ التجربة و الشَّر. إنَّما يُزَوِّدُه بقوةٍ تتـفَوَّقُ على أعدائه فلا يفشلُ في عملِه. يبقى إستيعابُه محدودًا أمَّا نجاحُه فمرهونٌ بمدى إِلتصاقِه بالله ومحَّبتِه له وآتكالِه عليه. لقد حَزَّعلى فلبِ توما أنَّ الربَ وَقَّتَ زيارَته في غيابِه. لا يتحَّملُ أن يكون أنقصَ من رفاقِه. فيتمَرَّدُ عفويًا وغريزيًا عن تصديق روايةِ الرسل. لا يمكن ليسوع أنْ يتعَّمَدَ غيابه فيتراءى للبقية. والرسلُ لا يكذبون. فما الأمرُ؟. يوسفُ أيضًا إحتار في حَمْلِ مريم وشَكَّ في ما هي مشيئة الله فقَرَّرأن يخرج عن اللعبة (متى1: 19-20). رأى توما أيضًا أن لا يَنْجَّرَ” الى الأقوال “!. فصمدَ في موقفِه إلى أن ينجليَ موقفُ الرب. هذه أسلم حكمةٍ عندما يختفي المنطق.

على توما أن يستسلمَ، رغمَ النار التي تكويه في داخلهِ، الى منطق الله وينتظرَ الجواب. ولم يتأَخَّرَ. على الرسول أن يتحَّلى بالصبر وأن يتجَرَّدَ من ذاتِه ليمتليءَ من الله حتى يستطيعَ أن يشُّعَه. عندئذ يراهُ ويفهمه. لا يحُّقُ للأنسان ان يثق جدًّا بحكمته فيقتنع كثيرًا من نفسِه. عليه و لاسيما كمُرسَلٍ ألا ينسى تعليم سيّده ويثقَ بحكمته. عليه أن يتقَّمصَ شخصية سّيده ويحيا وجوده ويستجليَ فكرَه لا أن يُعارضَه. جاءَه يسوع وعرضَ عليه الشروط التي أقامها توما لتصديق القيامة. فلم يكن بوسعه سوى أن يُعلن أفضل صيغةٍ للأيمان المسيحي، ” يسوع أنتَ رَبٌّ وإلَه “. أنت لمْ يُقِمك أحدٌ. ولا سرقوا جسدَك. أنت حَّقًا الأله الذي يهتَّمُ بأبنائِه ويُلَّبي بُغية قلبِهم ويسُّدُ رمقهم ويروي عطشهم.  ظهرتَ لرفاقي من نفسك. أمَّا أنا فآستجبتَ طلبي. لم ترضَ أن أُحرَمَ من دُفئِكَ. علَّمتني أن أتحَّمل  الضيق والألم وأن أتجَرَّدَ عن شوقي وراحتي لأقبلَ أن أتجاوبَ مع مشيئتك، فلا أُجادِلكَ ولا أبتغي معرفة مخَّططكَ، بل أتبعُك بصبر وثقة وأُنَّفذُ أمرَكَ. عَلَّمتني أنَّ الأيمان ليس بالأقوال بل أنْ أكونَ أنا أنتَ فأحيا فيك وأتابعَ عملك مستعملاً كلَّ قوايَ فكري وقلبي بروحِيتِك، وتكون أنتَ فيَّ ” ربّي وإلهي “!

القس بـول ربــان

الأحــد الرابـع للرسـل

الأحــد الرابـع للرسـل  

  2017.06.25

تتلى علينا اليوم القراءات :  اش1: 10-20  ؛  1كور9: 13-27  ؛  لو6: 12-46

1* القـراءة : اشعيا 1 : 10 – 20

كره الله ذبائح الشعب المختار ورفض صلواتهم لأنها معجونة بالخطيئة ومعروضة بالإثم والنفاق. لقد طغى شَرُّ أعمالهم وتعاظمت مساوئُهم. فرغوا كليًا من العدل والبر والأستقامة. لقد طفح كيلهم. ولو فقط تابوا عن إثمهم لغفر لهم الله وجَنَّبهم شرَّ النكبات والويلات التي ستحُّلُ بهم  عبادتهم باطلة، لأنها حرفية من الشفاه فقط، أما القلب فمنشغلٌ عن الله بالشهوات والمنفعة و الأمور الدنيوية. سَّيئات الشعب تفاقمت وصارت ثقلاً على الله فسَئمَ إحتمالها (آية 14

وهكذا لقد تفاقم اليوم إثم الأنسانية. ترفضُ الأمم سماع كلام الله. والحُّكام والقادة لا يبالون لا بدعوة الله الى التآخي والتعاون بين الناس ولا بتحذيرهم من الظلم والسوء الذي يوقعونه كلَّ يوم بالناس. يُنافقون فيتظاهرون بالأهتمام بالخير العام. ويسَّمون ظلمَهم بالسياسة وتحريرالأمم. ويُغَّطون إثمهم بنتَف الخير والرحمة التي يُبدونها نحو ضحاياهم. لقد توحَّشَ البشر فتكالبوا على السيادة والقيادة، وتسابقوا على السلب والنهب وتنافسوا على القسوة والإهمال. يتظاهر بعضُهم بالأيمان والآخرون بجودة الأخلاق وكرَمَها، لكن الله لا ينخدعُ بهم. والويلُ للعالم إذا رفعَ الله يدَه وسحَبها عن حماية العالم. وإذا لم يسمع الناسُ اليومَ كلامَ الله ولم يتقَّيدوا بشريعة المحبة والإخاء فقد لا يكون مصيرهم أفضلَ من مصير الشعب المختار الذي عرف مرارة السبي و قساوة الأستبعاد فالأستعباد. والعولمة التي بدت سُحُبُها تُغَّطي فضاء العالم ليست أخَّفَ وطأَةً من السبي. وعلى المؤمنين بالمسيح تبديد تلك السحب بنشر إيمانهم المستقيم وزرع أخلاقِهم الشَّفافة حتى ولو ساروا عكس التَّيار وضِدَّه

2* الرسالة : 1كور 9 : 13 – 27

يتحدَّثُ الرسول عن خَدَمَةِ البشارة ومعيشتهم. من يخدم الهيكل يقتات من الهيكل. كذلك من يُعلن البشارة ينالُ رزقه منها. إنه مبدأٌ الهي لئلا يقع ظلمٌ لا على البشارة ولا على من يخدمها. ولكن خيرات البشارة ليست فقط مادية. ولا كل مبَّشر يخيا من جودتها. لأنَّ خير البشارة هو خلاصُ الناس وليس كسب خيراتِهم. ومن يعمل في خلاص أبناء الله لا يهتم أولا بما تدُّرُ عليه مهمته من قوتٍ ومال. همه الأول والأخير خدمة النفوس. ومثل هذا الرسول يعرفُ كيف يتكيف مع الظروف ويقبل التضحيات ويُضَّحي بحقوق كثيرة لأجل فقط أن يُؤَّديَ الخدمة المطلوبة منه بهدف تحقيق مشيئة الله ومتابعة عمله الخلاصي

خدمة البشارة تُكَّلِفُ جُهدًا وتتطلبُ تضحياتٍ لكنها توعدُ بالمقابل مجدًا ونعيمًا أبديين. أما الجهدُ فلأنها تعمل ضدَّ تيَّار العالم وتلقي بالتالي معارضة و مقاومة وعلى الرسول ان يصمدَ ويجاهدَ. أما التضحية فلأنَّ الرسولَ يتنازلُ عن مشيئته وآجتهاداته الخاصّة ليكَّمل مشيئة الله الذي يدعوه ويوجهُ عمله. وعليه عندئذ أن يثق بالله ويسيرَ في طرقِه ويمتثلَ لآرشاده. إنه مؤتمَنٌ على أمانةٍ يُبَّلغُها ويحميها ممن يترَّصدون لها. ويشَّبه بولس المؤمن بالمُسابق للفوز بالجائزة. وكلُّ مسابق ” يمارسُ ضبط النفس في كلِّ شيء من أجل الأكليل”. هكذا المسيحي يضغطُ على نفسِه من أجل الأمانة للمسيح والثبات فيه. والمسيحي يُبَّشر غيرَه ويدعوهم الى سلوك معَّين، لاسيما تحمل نتائج إيمانهم، يضمنُ نيلَ الجائزة الألهية. والرسول الصادق والذكي يطَّبقُ هو أولا ما يدعو غيره إليه حتى يكون أولَّ الفائزين بإكليل المجد ولا يخسرُه. وقد يحتاجُ هو نفسه الى تحمُّلِ نتائج مهمته فيؤدي رسالته بوعي وتصميم و تجَّرُد. فيقول بولس :” فأنا لا أجري كمن لا يعرف الهدف، ولا أُلاكِمُ كمن يضربُ الهواء، بل أقسو على جسدي، وأَستعبِدُه لئلا أكون، بعدَما بشَّرتُ غيري، من الخاسرين ” (آية 27). تعَّلمَ المسيحي المعادلة :” إنَّ طريق المجد يمُّرُ بصليبِ البذل والألم “، فـ ” يا أبتاه ! لا تكن مشيئتي بل مشيئتُك ” 

3* الانجيل : لوقا 6 : 12 – 46

يذكر لوقا إختلاءَ يسوع في الصلاة قبل إختياره إثني عشرَ من بين أتباعِه سَمَّاهم ” رسلا”. ثم يروي خبرَ الجموع التي تتبعه بكثرة وشفائه المرضى منهم حيث ” كان الجميعُ يحاولون أن يلمسوه، لأنَّ قوَّةً كانت تخرجُ منه وتشفيهم كلَّهم “(آية 19). ثم يسردُ التطويبات مقَّسمًا إيَّاها بين ” تهانٍ ولعنات”. فيُهَّنيءُ المساكين والجياع والحزانى والمنبوذين أوالمضطهَدين بسبب إيمانهم مُدَّعيا أنها سببُ فرحٍ وآفتخار. ثم يُعطي الويلَ للأغنياء والشباعى والضاحكين ومن يمدحهم الناس. يعبرُ بعدها حالا الى سردِ بعض البنود من الدستور المسيحي مثلَ : محبة الأعداء، الأحسان الى الظالمين، الصلاة من أجل السَّيئين، مسامحة المعتدين وغيرها مختصِرًا إِيَّاها بعبارة ” عاملوا الناس كما تريدون أن يُعاملوكم” (آية 31). ينقل لوقا دعوة يسوع تلاميذه ألى التفَّوُق على بر الكتبة والفريسيين وعامة أهل العالم فلا ينتظرون من الآخرين لا المِثلَ ولا التقديرَ ولا المجازاة. كما لا يسمحون لأنفسهم دينونتهم ولا محاسبتهم ولا مسايرتهم. دعاهم عوض ذلك الى الأهتمام بتنقية الذات وصنع الثمر الصالح

بهذا يدعو يسوع أتباعَه الى التفَّوق بسلوكهم والإستجابة الى متطلباتِ الأيمان بشكل واعٍ و مستمر. زاغَ الانسان عن سبيل الصواب في الفكر والفعل فقاسَ الحَّقَ والبر بمنطقِه ومنفعَتِه. و جاءَ الربُّ ليعيد الأمورالى نصابها المستقيم.” في البدءِ لم يكن هكذا”(متى19: 8). فالحَّقُ يُقاسُ  بمشيئة الله وما نظَّمه لطبيعة الأنسان، منذ البدء، لتُحَّققَ ذاتَها وتبلغَ هدفها. والأنسان لا يبلغُ كماله في الأخذ، بل في العطاء. أعطى اللهُ للأنسان شريعةً هي سياجٌ يقيه غزوَ الشر حقله.     لكنَّه لم يَحْتَمِ به بل داسَه بنفسهِ كي لا يعيق حرية شهواته، فـ ” أَهملوا أهَّمَ ما في الشريعة ” (متى23:23). تحتاج البشرية الى أن تستعيد نقاءَها الألهي الأصيل. دعا يسوع الى ذلك. علمَّ محبة الله وطاعته. وعاش محبة الأنسان ومسامحته. وعمل للآخرين ما تمَّناه أن يعملوه له. و أسس جمعيةً هي الكنيسة لتواصل هذه الأخلاق فتغَّيرَ الأنسانية. ودرَّبَ فريقًا من تلاميذه لقيادة تلك العملية. إنها البشارة والألتزام والجهاد حدَّ الشهادة. رسالتهم ليست في مجاراة أهل العالم وفكرهم وأخلاقهم. ولا في دينونتهم. بل في تطعيم العالم وأهله بفكر المسيح و روحه. وليس للرسول البشير حقوقٌ بل واجبٌ يؤديه. حقوقه محفوظة عند الله الذي إستودعه هذه الخدمة. فالمسيحي يرتفع عن العالم لا ليكفخه بل ليسموَ به نحو الله. لا لينتفع منه بل لينفعَه ويحصلَ له المجد والسعادة ،” مفضلين الآخرين على أنفسكم، ناظرين لا الى منفعتكم بل الى منفعةِ غيركم . فكونوا على فكرالمسيح يسوع” (في2: 3-5)، وتعَّلموا ” التواضع والوداعة “من قلبه الأقدس (متى11: 29). هذا هو الثمرُ المطلوبُ والمنتظرُ من المسيحي رسولِ السماء على الأرض

القس بـول ربــان

Michigan SEO