تأملات في انجيل الاحد

الأحــد الثـاني للصيـف

الأحــد الثـاني للصيـف 

   2017.07.30

تتلى علينا اليوم القراءات : اش3: 16 – 4: 6  ؛  2كور3: 4-18 ؛  لو15: 4-32

1* القـراءة : اشعيا 3 : 16 – 4 : 6

لقد تمادى شعبُ الله في الفساد. وتجاوزت النساءُ حَدَّهن في التَبَّرج والتمَكيُج. شغلهن الشاغل هو الأناقة والمظهر والتباهي بأجسادهن. لقد إختفى الروح، إن لم يكن قد قُضِيَ عليه كُلّيًا. فقد أصبحت حياتهن كلها زينة الذهب واللآليء، وجمالهن بالمساحيقِ والحِلي، وطيبُهن بالعطور والأطياب. لم يبقَ للأخلاق والفضيلة عنوانٌ ولا أثر. أصبحَ الاهتمام بالأجساد دأبَهن وجُلَّ عنايتِهن.  لقد سَئِمَ اللهُ هذه الحالة وآستنكرَها. ولن تدوم كثيرًا. سيسحقُ العدُوُّ تشامخ الشعبِ و يُحَّطمُ كبرياءَه ويفضحُ غباءَه. سيَلُّفُه السبيُ ليغسلَ عارَه ويُعيدَه الى الصواب. سيموت الرجالُ بالسيف، ولن تجد الفتياتُ من يتزوَّجنه. ستتشَّبثُ العديد منهن بنفس الرجل الواحد ليرفع عنهن عار العزوبية. لن ينجوَ في الديار من عبودية السبي غير الذين سمعوا كلام الله. سيُطّهرُ الله مدينتَه من الفساد والغباء. سيمحو منها الدماء ويغسلُ قذارة الناس. سيعودُ مجد اللهِ يشّعُ من جديد، للذين يعرفونه ويُصغون اليه، ” نارًا مضيئة في الليل وظِلا مُريحًا في النهار” (خر13: 20-22). لا ينتقمُ الله لمجده المُهان. إنَّما لن يواصلَ حماية الشعب بل يدَعُه يتمادى مع أهوائه إلى أن توقعُه. لكنه لن يسمحَ لها أن تفنيَه. بل سيُعيد اليه الروح ويُعَّلمُه أنَّ خلاصَه في محبة الله وتفعيل وصاياه. فالمسيح سيُعَّلمُ الطاعة لله عن محبة، ومريم العذراء ستُعَّلم أنَّ جمال المرأة من الداخل عندما تعرفُ أن تتجاوب مع مخطط الله ومشروعه الفدائي

2* الرسالة : 2 كورنثية 3 : 4 – 18

بدأ مع المسيح عهدٌ جديد، عهدُ الروح. أطلبوا أولاً ملكوت اللهِ وبِرَّه ، سيادة الحَّق والمحبة، أما باقي الخيرات المادية { الحرفية } فتُزادُ لكم بوفرة. كان للعهد القديم ، المعقود على يد موسى، نظامٌ هو الشريعة. وهكذا للجديد أيضا نظامٌ يُسَّهل تحقيق العهد، المعقود بدم المسيح، بشكل يُريح المؤمن ويُسعِده. وكما كان للقديم ” خدَمُه”، من يُشرفون على تحقيقه، هكذا يكون للجديد أيضا خدَمٌ يُجاهدون لتحقيقه ونشر الحياة الألهية على الأرض. ويمتاز الجديد بأنه يخدمُ الحياة ويقود الى السلام. يهتم مباشرة بما لله ، والله روحٌ وحياة ومجد وهناء. بينما إهتمَّ القديمُ بما للجسد. والجسدُ يفنى لذا فالأهتمام به فقط يؤّدي الى الموت (رم8: 5-8). بقيت خدمة القديم مجيدة لأنها هدفت مجد الله وأرتبطت بمشروعِه الخلاصي. لكنها لم تكن كاملة. لقد كَمَّلها المسيح (متى5: 17). لذا فخدمة الجديد أسمى وأفضل لأنها تسمو بالمؤمن الى فكر الله و روحه. كان موسى، أبو العهد القديم، يشُّع وجهه بعد كل مخاطبة الرب له فيخافُ الشعب الأقترابَ منه بل حتى النظرَ اليه حتى أُضطرَّ أن يتبرقع (خر 34: 29-35). أما يسوع فلما تجَّلي في جلاله الألهي و موسى الى جانبه خاف أيضا الرسلُ من صوت الآب، لكنهم إرتاحوا جدًّا الى بهاءِ مجد يسوع الألهي حتى صرخ بطرس” ما أجملَ أن نكون هنا “(متى17: 4). و هذا المجد خَيَّم على الرسل بل صار يشُّعُ من خلالهم. فلم يتردد بولس أن يقول :” ونحن جميعًا نعكسُ صورة مجد الرب بوجوهٍ مكشوفة فنتحَّول الى تلك الصورةِ ذاتِها” (آية 18). الله روح. وكذا عهد المسيح وكلامه روح وحياة (يو6: 63). وما للروح لا يُخيفُ بل يُريح ويُسعد

3* الأنجيل : لوقا 15 : 4 – 32

أمثلة الخروف الضائع والدرهم المفقود والأبن الضال. كلها تشيرُ الى أنَّ الخطيئة تُضَّيع الأنسان وتُفقدُه الحياة الروحية الألهية. ومن يفقد الحياة الألهية هو مائتٌ أي هالكٌ لا محالة. بينما التوبة تُعيد الحياة الى الخاطيء وتُحَّققُ الراحة والسعادة للأنسان. الخطيئة تقوده الى الحزن والشقاء، أما التوبةُ فتنعمُ عليه بالبهجةِ والفرح والهناء. الله هو القدوس والبار. أما الخطيئة فدنسٌ ونجاسة. والأنسان صورةُ الله مدعو الى تحقيق نموذج القداسة والبر في سلوكه. ويبتعد عن النجاسة التي هي : ضياعٌ وضلالٌ وفقدان (1تس4: 3-8). الخطيئة تُجَّردُ الأنسان عن حقوق بُنُـوَّتِه لله. يُضَّيعُ ” ذخيرةَ البنين” ويفقدُ الوسائل التي تُسَّهلُ مسيرته نحو الحياة الأبدية في المجد والنعيم. تُنزعُ عنه حُلَّةُ كرامة الأبن ويخسرُ نصيبَه من الخيرات الساندة للحياة. يفقدُ ما كان له من إمتياز ودّالة. وبالمقابل يقع في خطر الموت المهلك. من الأبن المُدَلَّل الذي يتوفر له كلُّ شيء بلغ الأبن الضال الى حد فقدان كلِّ شيء حتى كرامته فتقاسم المصير مع الحيوانات

أما التوبة فأعادت اليه الفرحةَ وراحة البال. أعادت اليه الثقة بالنفس. أعادت اليه الكرامة و العِزَّة. أعادت اليه كلَّ شيء. أعادت اليه ” الحياة “:” كان مائتا فعاش”. هذا ما فعلته الحياة الألهية في الأنسان التائب : كاد ان يصل قاع بحر الهلاك، إنتشلته يد الرحمة الألهية فأنقذته

هذا بخصوص التوبة وهي إستعادة الحالة الروحية البريئة والقدوسة التي عليها خلق الله الأنسان ودعاه أن يعيشَها معه وبحضرته. وإذا لم يخطأ الأنسان ولم يتدنس لا يتألم ولا يتندَّم ولا يحتاج الى التوبة. ولنا في مريم العذراء نموذجا على ذلك. ونحتفل هذا العام بالذكرى المئوية لظهوراتها في فاتيما. من فاتيما تبدو مريم نموذجا تقتدي بها النساء

لامَ اللهُ، على يد اشعيا، النساء اللواتي تبعن روح العالم والأهتمام بالجسد أكثر من المعقول. بينما عظَّم اللهُ مريمَ لأنها لم تتبع شهوات الجسد بل إرتفعت بروحها نحو الله وآرتقت في حبها له حتى كرَّست له كل حياتها وخضعت لمشيئته قائلة ” أنا خادمة الرب فليكن لي كقولك”. لم تهتم بزينة الجسد بقدر ما إهتمت أن توافقَ سيرتُها مشيئة الله. رفضت حتى أن يكون لحياتها مخططها الخاص وقبلتْ أن تعيش مخطط الله وتتحَّمل تبعاته. عرفت ماذا يعني أن تكون أمَّ المسيح وماذا ينتظرها من تضحية وآلام. قبلتها لأنها آمنت أنَّ الله لا يريدُ لها السوء ولا أن يستغلها بل يدعوها الى العمل معه ، بشروطه ومتطلباته. ومن يعمل معه يقاسمه حياته ، مجده وخيراته ونعيمه. فلم تطلب ما للجسد ولا إهتمَّت بالمظاهر. بل إقتنعت بمشيئةِ الله و وثقت أنه لن يخذلها بل يُمَّجدُها. وافقت على عرضِه فتمَجَّدتْ، لأنَّ الله نظر الى براءَتِها وتواضُعِها فجازاها كرامةً ومجدًا وهناءًا بحيث ” يعطيها الطوبى جميع الأجيال ، لأنَّ القدير صنع بها عظائمَ ” مكافأةً على إيمانها وحبها وتجاوبها مع إرادته تعالى ؟

ومن فاتيما التي باركتها بظهورها فيها قبل مائة عام، سنة 1917، في الثالث عشر من كل شهر منذ أيّار وحتى تشرين الأول، تًجَّدد مريم تحذيرَها من الشر والفساد المُخَّيمين في العالم، ونـداءَها الى التوبة. تدعو نساءَ العالم ، والمسيحيات بنوع خاص، ألا تكن زينتُهن ” تبَّرُجًا كضفر الشعر والتحَّلي بالذهب والتأَنُقِ في الملابس، بل زينةَ قلب الأنسانِ وباطِنِه، على نَفْسٍ وادعةٍ بريئةٍ من الفساد مُطمَئّنَةٍ : ذلك هو الثمينُ عند الله ” (1بط3: 3-4). صَدَّت مريمُ بيدها سيف الملاك المُهَّدد بإفناء البشرية فصرخ الملاك بوجه الأنسانيةِ ” التوبة، التوبة، التوبة “!. وللمرأة بعد مريم وعلى غرارِها دورٌ قوّيٌ في تربية أولاد الله على أن يتزّينوا بالحق والمحبة ويمارسوا الوداعة ويُشَّجعوا السلام والوئام. بآختصار أن يعملوا بمشيئةِ الآبِ السماوي.

القس بـول ربــان

الأحــد الأول للصـيـف

الأحــد الأول للصـيـف   

    2017.07.23

عيد الله  –   تذكار الـ 12 رسولا

تتلى علينا اليوم القراءات :  أع5: 12-32  ؛  1كور4: 9-16  ؛  لو14: 1-14

    2كور1: 8-14

1* القـراءة : أعمال 5 : 12 – 32

بدأ الرسل يبَّشرون ويتكاثر عدد المهتدين. ويَتَّفقُ المؤمنون كلهم على المحبة والشهادة. والرب يسند إيمانهم ويُؤَّيدُه بالآيات ولاسيما بالأشفية. يتقاطر المرضى والموجوعون ويتزاحمون على الطرقات لينالوا صلاة من الرسول فيشفوا. ولكثرتهم يُصَّفتون في الشوارع والساحات العامة ليمُرَّ بهم بطرس ويكفي أن يقعَ ظِلُّهُ على أحدهم فيشفى. لم يرقْ هذا للقادة صالبي يسوع. لقد خسروا الرهان و آنقلب عليهم سِحرُهم. لم يَهدِ يسوعُ في حياته سوى 120 مؤمنا. أما الآن فباتَ عددهم يربو الآلاف. كان مُبَشّرٌ واحد أصبحوا اليوم آلافًا مُؤَّلفة. فـ” آشتدَّت نقمة رئيس الكهنة وأتباعه” وسجنوا الرسل معتقدين أنهم بذلك يخنقون صوت الحق وينتصرون. فاتهم أنَّ مقاومة الحق دعايةٌ له وإثباتُ لآنتصاره. الربُ يُنقِذُهم من السجن. يُنهونهم من جديد بعدم التبشير، ولاسيما عدم القاء تبعية الصلب عليهم. رغم أنهم عند صلبه أعلنوا إستعدادهم لتحَمُّل مسؤولية الصلب ،” دمه علينا وعلى أولادنا “(متى27: 25). أما الرسول الذي أنكر معَّلِمه ” خوفا من جارية ” ! يُخاطرُ اليوم بسفكِ دمه شهادة لأيمانه ، فيُصَّرح أنَّه يجبُ الطاعة لله لا للناس قائلا :” إلَهُ آبائنا أقام يسوع الذي صلبتموه وقتلتموه، رفعه الله وجعله رئيسًا ومُخَّلِصًا “. بطرس يؤَّدي الشهادة ليسوع لا فقط ليُصَّححَ نكرانه بل لأنه بالأخص هو الذي يشهد ليسوع أمام العالم (أع15: 7)، وهو الذي ينوب عن المسيح ليُعلن الحقيقة الألهية. هو الناطق الرسمي بآسم يسوع الحَّي، وبسلوكه يشهد لصَّحة ما يدعو اليه

2* الرسالة : 1كور4 : 9 – 16؛  2كور 1: 8 – 14

وعلى غرار بطرس ورفاقه يسلك رسُلُ كل زمان ومكان درب الشهادة ، والشهادة جهادٌ يقتَحمُ دربَ الشدائد والضيقات. حتى وصفَ بولس حالة الرسل بأنهم ” أدنى الناس منزلة كالمحكوم عليهم بالموت علانيةً”. إنهم يُعانون “الجوع والعطش والعريَ والضربَ والتشَّرد والتعب..”، يُضطهَدون ويُفترى عليهم حتى شَبَّهَهم بـ” قذارةِ العالم ونفاية كل شيء”. ولكن هذا لا يُقَّلل من قدرهم وغيرتهم لأنه لا يمَّسُ كرامتهم. بل يُعَّظم قدرَهم ويفيضُ عليهم عزاءًا وراحة قلَّ مثيلُها. هكذا عوملَ رَبُّ المجد. وكلُ من” يحيا في المسيح حياة التقوى أصابه الأضطهاد” (2طيم 3: 12). هكذا يتمَّثلُ التلميذ بمعلمه. وهكذا يكون قدوةً للمؤمنين حتى لا ييأسوا في ضيقهم ولا يتخاذلوا أمام الصليب. لأنه وإن كان الصليبُ في نظر أهل العالم عارًا ومعثرة إلا إنه  مخاضُ الحياة (يو16: 20-21)، وطريق المجد (يو13: 31)، لأنه ” قدرة الله وحكمته في إبداءِ محبَّتِه ” (1كور1: 18).

تلك الشدائد والصلبان لا تُهبط من عزيمة الرسول. بل تقويها إذ تقودُه الى أن لا يتكل على ذاتِه بل على الله. لا يستندُ الى حكمة البشر التي تخدع أحيانا وتخون كثيرًا حتى قلَّ بين الكورنثيين الحكماء والأقوياء (1كور1: 26). ضعف الرسول الجسدي وجهله الفكري وذلُّه الأجتماعي تحمله على التمَّسك بالله والأتكال على نعمته وأنوارِه، وعندئذٍ يشعرُأنه يعمل بطاقة الله ويحُّسُ براحةِ الضمير. حياته غير معَّقدة بين مشيئة الله وبين غرائزه الحسية. إرتباطه بالله يكون عن

محبَّة لا عن عادةٍ غير واعية. لقد فهم مهمته جيّدا ويُؤَّديها بحسن نية وبرغبةٍ وآندفاعٍ حميمين. وهذا فخرٌللمؤمنين أن يكون رسولهم بهذا المستوى من الأيمان والأمانةِ، كما سيكون المؤمنون

بدورهم فخرًا لرسلهم لأنهم إهتدوا الى الحَّق وعرفوا المسيح فعاشوه مصلوبًا، مُهانا ومُعَّذبًا فاديًا لهم. لقد إقتدى الرسل بالمسيح وبهم إقتدى المؤمنون وآجتمعوا كلهم معًا، في يوم المسيح،  في مجد الله

3* الأنجيل : لوقا 14 : 1 – 14

يسوع مدعوٌ على الطعام، يوم سبتٍ، في بيت فريسّيٍ. وتعَّمدوا في وضع مريضٍ أمامه وكانوا يراقبونه ليروا هل يشفيه، ليدينوه بتهمة عدم إحترام يوم الله. شَفاهُ فعلا ولامهم على نفاقِهم و غبائهم. لو وقعَ لأحد منهم إبنٌ أو حتى ثورٌ في بئرٍ يوم السبت فهل يدعونه يغرق أم يُسرعون في إنقاذه ؟. لم يجدوا جوابًا. لقد أفحمَ من أرادَ أن يُسَّجل عليه لزمة تدينه. بل أدانهم هو على نفاقِهم وزور إيمانهم. ومرض الغباء والنفاق لم يطل القادة فقط بل أفسدَ مَثَلهم عامة الشعب. كان الفريسي قد دعا أصدقاءَ من بطانته ومبادئه ليُثَّبتَ التجديف على يسوع. وبدوا كأغنياءِ  القوم لأنهم كانوا يتنافسون في آختيار المقاعد الأولى، كما يفعلُ بعضُ المسيحيين في الكنائس، لأبراز كلِّ واحد تفَوُّقَه على غيره. وقد حصلوا هم أيضا بطاقة إنذار على كبريائهم. من يُعطي القيمة لأنسان ليس هو نفسُه بل غيرُه ولاسيما من يرفعه الله. ومن يريدُ عملَ الخير لا يُطعمُ الأغنياءَ والمتمَّكنين فيقابلوه بالمثل. بل الفقراءَ والمتضايقين الذين يحتاجون الى من يُساعدهم في محنتهم ويُنقِذُهم من بلائهم. لا يقدر هؤلاء أن يرُّدوا الأحسان. سيَرُّدُه الله نفسُه لأصحابِه ، يوم القيامة ، لأنهم قاموا بعمل الله الذي أعطى الأنسانية قوْتَها و وَفَّرَ لها حاجتها ، إنما سَلَّم الأنسانَ أمرَ توزيعها بعدالة ومحبة

دعا الربُ الناس الى التفاعل مع الحياة بنظرة الله لا بالأحاسيس الأنسانية. ونسجَ الرسول على المنول نفسه مُبَّينًا في الواقع أنَّ حكمة الله أسلمُ وأحَّق. فرفع ” لاءاتٍ” عديدة بوجه ما يضُّرُ بالأنسان. منها : لا ، للكبرياء والأعتداد بالذات ؛ لا ، للنفاقِ والغباء ؛ لا ، لحب المظاهر؛ لا ، لطلب مدح الناس و تقديرهم ومجازاتِهم ؛ لا ، للتصرف على ضوءِ حكمة البشر ؛ لا ، للخجل من الألم والضيق من أجل الأيمان بالمسيح ؛ لا ، لليأس من سوءِ الأوضاع ولا من تكالبِ الشر والأشرار ضد الكنيسة ورسلها وأبنائها ؛  لا ، للتذَّمر والتشكي. ومقابل هذه اللآءات رفعَ شعارات” نعم ” قد تُحَّير الغرباءَ في ظاهرها، بينما هي حكمة إلهية ونسيجٌ من طبيعة الأنسان الروحية على صورة الله.  نعم ، وأهلا بالألم والشدَّة التي تنَّقي المؤمن من سوئِه وتضعه في مقام يسوع إذ يتمَّلُ به في آلامِه؛  نعم ، للأتكال على نعمة الله وليس على الذات والأنصياع لأرشادِه ؛ نعم ، لأداءِ الشهادةِ بحياتنا قبل الأكثار من المواعظ ؛  نعم ، للجهادِ لا بالسيف بل بالمحبة والبذل و السلم ؛  نعم ، للأفتخار بصليب المسيح الذي هو رمزنا وقوَّتُنا ؛ نعم ، للبساطة في الحياة ؛ نعم ، لنقاوةِ الضمير وراحتِه ؛  نعم ، للصمود في الرجاء بيوم القيامة الذي هو يوم الحساب والمجازاة. قد لا نستوعبُ دفعة واحدة كلَّ شيء ولا نفهمها ” كلَّ الفهم” . فهنا يبرزُ دور إيماننا بدعوتنا ومدى إتحادنا بالمسيح رأسنا وتفعيل ذلك الاتحاد.

القس بـول ربــان

الأحـد السابع للرســل

الأحـد السابع للرســل 

       2017.07.16

تُتلى علينا اليوم القراءات : اش5: 8-25  ؛  1كور15: 58 – 16: 21  ؛  لو13: 22-35

1* القـراءة : اشعيا 5 : 8 – 25

الويلُ للظالمين الغَّشاشين الذين يُبَّررون الأشرار ويدينون الأبرار. الويل للجهلاء، الحكماء في أعين أنفسهم. الويل للذين يُجَّربون الله أو يحاسبونه. الويل للمنافقين الذين يُغَّيرون الحق بالباطل والخير بالشر. الويل لمتعاطي المسكر. هكذا شَّخصَ اللهُ سُقمَ شعبِه وعَّددَ جروحَه. و الحبلُ على الجَّرار.  وكلُّ جرح له أسبابُه و نتانته. ولكل جرح عواقبه الوخيمة. وتجتمع كلُّها بنهايةٍ واحدة : إنحطاط الأنسان وفقدانه كرامته. لقد نبذوا شريعة الله وآحتقروا قداسته. إستهانوا بقدرته وعظمته. فسحب عنهم حمايته وفتح الطريق للأعداء أن ينهشوا جسم الأُمَّةِ الناكرةِ للجميل والمتكَّبرة، فتمَرَّغَ أنفُها في وحل الخزي والعار في حقولِ السبي، وآحترقت أوصالها بالندم والأسى واليأس

هذا هو مصيرُ الأنسان الذي لا يعترف إلا بنفسِه. سيتندَّم ويتألم. لأنه مهما تثَقَّف أو تقَوَّى أو إغتنى أو تمَجَّد سيبقى كلَّ ذلك خيطًا من إشعاع جبروت الله وحكمته ومجده، وقبسًا من صلاحِه، وحفنةً فقط من خيراته. إنَّ ما يقتنيه الأنسان أو يعمله ليس سوى هِبةٍ من خيرالخالق وظلٍ من كينونته. ليس للأنسان ما يقتنيه من ذاته وبذاته. الله هو مصدرُ كل طاقةٍ للأنسان. وطاقاته مُسَّيرة بهدفٍ و نظام ، وتُسَّمى ” الشريعة “. فشريعة الله نورٌ للأنسان وقوة. إنها ” مقَّدَسة..عادلة وصالحة ” (رم7: 12)، لأن فيها ” أصول المعرفة والحَّق” (رم2: 20) ، و تختصِرها ” المحبة ” (متى22 : 37-40). ولهذا جاءَ المسيح ليُثَّبتَ الشريعة، الروحية و الآلهية الأصيلة (متى5: 17)، حتى يعودَ الأنسان الى محَّبة الله وإلى إلتزام شريعته، فـيحيا بكرامةٍ وراحة

2* الرسالة : 1كور 15 : 58 – 16 : 21

ويسَّمي الرسولُ هذا الألتزام “عمل الرب”. وأحدُ أعمال الرب هو الرحمة والعناية بالمعوزين. فالرب كثَّر الخيرات لآطعام الناس. لكنَّ ظلمَ الناس حرمَ الكثيرين من قوُتِهم. والكوارثُ الناتجة عن خطيئة الأنسان جَوَّعت الضعفاء والفقراء. وشريعة الله تدعو الى محبة القريب. والقريبُ الجائعُ أولى بالأهتمام به. وأصابت مجاعة فلسطين. وإذ وُضِعَ المؤمنون بالمسيح في مرصادِ كُرهِ اليهودِ وحقدِهم أصبحت المجاعة تجاههم أقسى من غيرهم. عندئذٍ شَمَّرَالرسول عن ساعدِ المحَّبةِ ، وأشغل مُحَرِّكَ الرحمة في الرعايا اليونانية بنوع خاص لجمع ” التبرعات للأخوة القديسين ” (آية 1)، و نظَّم حملةً في كل الكنائس وحَدَّدَ كيفية جمعها وإرسالِها الى أورشليم. إيمانهم طريٌّ ورجاؤُهم وطيدٌ بأنَّه هكذا يُعاشُ الأيمان ، فَـفَعَّـلوهُ.

وعبرَ الرسولُ كِرامًا على أخبارٍ كثيرة منها أنَّ خصوما عديدين يُقاومون جهوده التبشيرية. فأبدى نصيحته لأهل كورنثية أن يحذروا ويكونوا متيَّقظين فلا ينخدعوا، وأن يثبتوا في الأيمان فلا يتزعزعوا بالعاصفة العاتية. إنها ستهدأ من نفسها وتسقط رياحها. ثم يدعوهم الى الجهاد ، لا كالأطفال بل كالرجال، جهادًا قويًا مستميتًا يقود الى النصر؛ جهادًا لا يستند الى أسلحة الدم المُدَّمرة بل الى المحبة المُعَّمِرة ، قائلا ” إعملوا كلَّ شيءٍ بالمحَّبة ” (آية 14)

3* الأنجيل : لوقا 13 : 22 – 35

الشريعة، الرحمة ، المحبة والجهاد ليست لمُتْعةِ الجسد وراحتِه. بل يستثقلها لأنها تمنعه من أن

يتبع شهواته الطبيعية وميوله الغريزية. لهذا سمَّاها الرب ” الباب الضَّيق”. جاءَ ذلك جوابًا لسؤال طرحَه مؤمن بخصوص ” هل الذين يخلصون قليلون “؟. ربما إنبثق عفويًا كصدى لقول الرب :” إن لم تتوبوا فجميعكم تهلكون كذلك”. كان جوابُ يسوع صريحًا ومباشِرًا. كلُ الناس تشتهي وتتمَّنى أن تخلص. وكثيرون يتفاعلون مع رجائِهم ويحاولون دخول الفردوس. لكن لا يفلحُ جميعهم. للعودة الى الفردوس يلزم الأمتناع عن شهوات الجسد لأنَّ” الأهتمام بالجسد موتٌ.. إذ هو تمَرُّدٌ على الله.. وهذا لا يُرضي الله” (رم8: 6-8). ومن أراد الحياة عليه أن “يُميتَ بالروح أعمالَ الجسد” (8: 13). لأنَّ الجسدَ مائتٌ وفاسد. ومثله لا يقدرُ أن يرثَ ملكوت الله الخالد (1كور15: 50). وطريقة الحياة الروحية ليست لذيذة ولا مُبهجة للجسد. إنها بذلٌ وتضحية. فيسوع ” إبن الأنسان بذل نفسه”، و” أحبه الآب لأنه ضَحَّى بحياتِه” (يو10: 17-18). وعلى التلميذ أن يكون مثل معَّلمه ( متى10: 25)، فيشاركَ المسيح ” أولا في آلامِه – درب البذل والتضحية – كي يشارِكه أيضا في مجدِه” (رم8: 17).

هذا هو الباب الضَيّق أن يصمد المؤمن بوجه الشَّر أولاً في ذاتِه فلا يستجيب لكل نزوات الجسد. إمتيازات المعمودية لا تنقذه. بل ليست الأسرارُ إمتيازًا كأنها قادرةٌ ، لوحدها دون إعتبار قابلها، أن تضمن الخلاص. فالأسرار وسائل النعمة الألهية لتساعد لا لتُعَّوضَ عن جهد الأنسان. إنها سلاح بيد جندي. على المؤمن أن يجاهد للحق ويصمد في الحب ويثق بالله فيرجو الخلاص. ما سمَّاه يسوع بـ” الباب الضيق ” الذي يوجع ويؤلم، دعاه الرسول ” إماتة الجسد” الذي يغري ويؤثم. على المؤمن أن يحذر منه ويقي نفسَه شَرَّه بسلوك طريق الروح

وقد واجه يسوع خطر الموت مرارًا عديدة بسبب تشديده على الباب الضيق والتنديد بالمنافقين الذين يتظاهرون بالبر والتقوى لكن حياتهم، قلبَهم وفكرهم، فارغان من معرفة الله ومحبته. حتى هيرودس الأبن حاول مثل أبيه قتل يسوع ليُزيحه عن طريق مُلكه. هيرودس تبع شهواته أما يسوع فلم يستسلم للضعف البشري ولا بحث عن راحته. بل جاهد ليُضيءَ مصباح الحق على حساب راحته ولذته. جسده تعَّذب كثيرا. بل مات. نعم أمات يسوع جسده على الصليب لتحيَا روحُه ويُسَّلمَها الى خالقها طاهرة نقية. عبر الى الحياة الأبدية في باب مؤلم وقاسٍ جدًّا، ضايقه عند عبوره كما ضايقت الحيطان وأذَّت رِجلَ بلعام. كان ” ممَّرًا ضَيّقًا “(عدد22: 24).

فباب الحياة الأبدية ” ضَيّقٌ” لا يعبر فيه إلا من ” ينكر نفسه ويحمل صليبَه ويتبع الرب”. من يرفض الصليب لن يتعَرَّف اليه الرب يسوع حاكم الكون. ومن يبتعد عن الألم من أجل الحق و العدل والمحبة ، بسبب راحة الجسد، يُبعده الرب عن الخلاص. فقد يقُلَّ عددُ المخَّلَصين أو يكثُر بحسب تجاوب الأنسان مع دعوةِ الرب الى القداسة و نعمته المساعدة

القس بـول ربــان

Michigan SEO