المنبر الثقافي والادبي

لنبارك بعضنا بعضا ونقول المسيح قام …. حقا قام

لنبارك بعضنا بعضا ونقول المسيح قام …. حقا قام 
حقا قام المسيح من بين الاموات ووطئ الموت بالموت ، ووهب الحياة للذين في القبور . هكذا كان المسيحيون الاولون يهنئون بعضهم بعضا بهذه المناسبة ويقولون ( المسيح قام حقا قام ) أو بالحقيقة قام ، ان عيد القيامة لهذين العامين يختلف عن اعياد القيامة في السنين السابقة بل وحتى الاعياد منذ ظهور المسيحية والى الوقت الحاضر ، فشعبنا المسيحي في العراق وسوريا هُجِرَ من اراضية التاريخية وخاصة في الموصل وسهل نينوى ، حيث يعيش الان بعيدا عن دياره حيث أغلقت كنائسه وانزلت الصلبان من على أقبابها وأهلنا يُصلون بعيدون عن مدنهم وكنائسهم ، وهناك بعض العوائل المهجرة تعيش في ظروف سيئة جدا في الكرافانات ، وألقاعات ولنستذكر قول سيدنا لويس روفائيل الاول ساكوالى احدى الصحف :”لا أعلم ماذا اقول عن أوضاع المهجرين ولاسيما المسيحيين منهم ، مأساة كبرى يعيشها أهلنا الذين اقتلعوا من أراضيهم، وباتوا يعيشون في الخيّم ومن مساعدات المجتمع الدولي بعدما كانوا يزرعون أراضيهم ويأكلون من خيراتها”. يصمت قليلاً قبل أن يستجمع كلمات تصف واقع الاحباط الموجود في الشارع الموصلي المهجر: ” نحن محبطون وخائفون، فالأحداث المستجدة في المنطقة ستنعكس سلباً على عودتنا الى قرانا في الموصل وخصوصاً ان عملية التحرير لا زالت في بداياتها وتتطلب الكثير من الوقت. كما أن الأوضاع المستجدة في العراق والصراع الداخلي ستكون لها آثارها السلبية على الأقليات ، وتحجب كل هذه الضبابية رؤية اي حل قريب يلوح في الأفق ، شعبنا الذي كان يرفع الصلاة في كنائس الموصل وساحاتها وسهل نينوى لا يملك اليوم سوى الرجاء بالرب لأن العالم كله خذلهم ولم يبق سواه هو القادر على كل شيء . نحمد الله هذا العم خير من العامين الماضيين حيث اقيمت صلوات ومسيرات السعانين في معظم مدن وقصبات سهل نينوى ، ونأمل أن تقام مراسيم وصلوات عيد القيامة المجيد ايضا . 
ان حدث قيامة المسيح نجعله يعيش في حياتنا ويؤثر فينا ويغيرنا ، ونبني معه عبر الايمان علاقة قوية وعميقة مدعوة لان تتعزز وتتطور لتتحول الى علاقة حب عميقة صادقة بحيث لا يمكن لاي شيئ أن يفصلنا عنه ، وبمناسبة القيامة يمكننا القول أن رأسنا المسيح قد قام فاننا أيضا قد قمنا معه ، كوننا جميعا اعضاء في جسده وستكون قيامتنا مجيدة سماوية ، لذلك علينا أن نعيش القيامة اليوم وكل يوم وكل لحظة من لحظات حياتنا ، وليس فقط أبان اعياد القيامة المجيدة ، وهكذا نعيش القيامة في حياتنا اليومية .
إن القيامة حدث بل حدث الأحداث جرى ليسوع المسيح في برهة أو لحظة ما لا يعلمها إلا الله هو الذي وقف إلى جانب يسوع مقيماً إياه، بقوته وقدرته، من بين الأموات. وهكذا جاءت القيامة كعمل الله أو فعله بيسوع المسيح، مؤيداً شخصه وصحة كل ما قاله وفعله لأهل زمانه بوجه كل أولئك الذين اعتبروه باطلاً. بيد أن هذا الحدث ليس أعجوبة حتى وإن كانت أكبر وأعظم أعجوبة حدثت لإنسان ما في التاريخ وإنما سر أي أنها حقيقة لم يصل إليها التلاميذ بحواسهم بل عرفوها عن طريق الإيمان إذ أوحى الله لهم بها وقبلوها بالإيمان. ومذ ذاك عاش هؤلاء التلاميذ بهذا السر ومنه، هذا السر الذي بدل حياتهم رأساً على عقب وهو الذي حملوه ليذيعوه على الملء ليؤمنوا به وهو الذي عبروا عنه في قوانينهم وأناشيدهم وعاشوه في احتفالاتهم ولاسيما إبان الاحتفال بالأوخارستيا.
وعلينا في هذه المناسبة ان نخلع الثوب العتيق ونلبس الثوب الجديد ، ولنفتح صفحة جديدة مع الجميع ملؤها المحبة ، كمحبة الله لنا ، الذي تنازل واخذ جسدا بشريا وصار مثلنا بشرا على هذه الارض وصلب ومات وقام لاجلنا .
اقدم لكم بهذه المناسبة أجمل التهاني والتبريكات داعيا من الرب ان يجعل هذه القيامة المجيدة علينا وعليكم بكل خير وسلام ، كما نصلي بهذه المناسبة لحبرنا الجليل البابا فرنسيس الاول رأس الكنيسة الكاثوليكية الجامعة ، وراعينا البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو وكافة الاساقفة والآباء وان ينعم الامن والسلام لقلوبنا جميعا ، و يجعل كل ايامكم نعما وافراحا ومسرات ، و يحفظ شعبنا المسيحي في كل مكان ويعم الخير والسلام بلدنا العزيز العراق الجريح وسوريا الحبيبة ومصر الذي طالها الارهاب في كنيستين في عيد السعانين ، بعد أن يرجع أهلنا الى كنائسهم في مدنهم وقراهم في الموصل وسهل نينوى آمين . 
الشماس يوسف حودي ـ شتوتكرت ـ المانيا

جمعة الآلام‎

جمعة الآلام‎

لقد ضــاع الحَّق ، وآنقـلبت الآية

  لا أجد فيه عِلَّةً تدينُه. أُطلقُ ملككم 

  أُقتل هذا وأطلق لنا برأبّا. وكان برأَبَّا مسجونا لفتنة وقتل. لو23: 18-25

”  أُؤَّدبُه وأُطلقه

”  هوذا الرجل. أصلبه ! أُصلبه 

” أ  أصلب ملككم ! لا ملكٌ علينا  غيرُ قيصر !  ”  يو19: 1-15

عدالة بشرية يندى لها الجبين. البريءُ يُدان والمجرم يُخلى سبيلُه. قِيَمٌ باتَ أهلُ العالمُ يُقَّدسُها ولكن إذا دارت على أهله الدائرة ولدغتهم أشواكها يشجبونها ويلعنونها

بيــلاطس 

بيلاطس يعلم أنَّ الأحبار من حسدهم أسلموا يسوع اليه (مر15: 10). بيلاطس يُؤَّكد علنا ” لا أجد فيه ما يستوجب الموت” (لو23: 22). بيلاطس يتبَرَّأُ على المشاهد من دم يسوع ويغسل يديه دليلا على قناعته وحُكمهِ (متى27: 24). لكن بيلاطس الذي تبختر أمام يسوع فهَدَّده (يو 19: 10)، يهتَّز لأبتزاز الأحبار ويرعبه تهديدهم ” إن أخليت سبيله لستَ من أصدقاء قيصر” (يو19: 12)

يحاول في البداية أن يُطلقَ سراح يسوع.  فيلحُّ على براءته. ثم يجلد يسوع ويُعذبه ليُحَّطمه في عيون أعدائه ليكسرَ حُجَّتهم بأنه لا يُخيف ولا يقدرأن يخالف ، فيحتويَ بذلك غضبهم. و آقترحَ إرضاءهم بإخلاء سبيله للعيد. لكن كل محاولاته باءت بالفشل لأنها إصطدمت بجدار من الرفض المُبَّيَت والقاطع للأحبار والشيوخ وحقدهم الدفين ضد يسوع. لقد أصبح الأمر بينهم  مصيريا. وليس بيلاطس مستعِدًا أن يخسر منصبه لأجل شخص نبذه شعبه ولا ينفع الدولة بشيء. أما الحَّقُ والعدل فمن يشتريهما؟. هكذا ردَّ على يسوع :” وما هو الحَّق”؟. وأسلم لهم يسوع ليصلبوه ، ونفسُه تقول :” نارُهم تأكلْ حطبَهم” !

الأحبـار

لقد نشب عِداء الأحبار ليسوع من زمن بعيد. فقد ألهبَ الحقد في قلوبهم. إنه لا فقط حَيَّرهم ( يو11: 24)، وتحَّدى سلطانهم ” بأي سلطان تفعل هذا ” (متى21: 23)، بل وإنَّ سمعته غطَّت عليهم حتى إبتعد الشعب عنهم ومال اليه يتبعه (يو12: 19). لقد إفتخروا أنهم لم يؤمنوا به، و ما الذين آمنوا به سوى ” الرعاع الذين يجهلون الشريعة فإنهم ملعونون” (يو7: 48-49). وقد حَزَّ ذلك في نفوسهم وباتوا قلقين على مصيرهم. وآشتَّدَ العداءُ فتحَوَّلَ الى صراع مستميت. و قالوا ” إذا تركناه وشأنَه آمن به جميع الناس” (يو11: 48). إقامة لعازر قصمت ظَهرَ بعيرهم فقرروا قتل يسوع (يو11: 53) وحتى قتلَ لعازر الذي بسببه” أخذ اليهود ينصرفون عنهم و يؤمنون بيسوع “(يو12: 11). فبدأوا يتعَّقبونه ورصدوا المبالغ لمن يدُّلهم عليه. مما دفع يهوذا الطماع السارق (يو12: 6) الى الأتفاق معهم على تسليمه (متى26: 14-15). ولما وقع “الطير في الفخ” لم يشاؤوا أن يفلت منهم. فآستماتوا لتنفيذ قرارهم في أماتته وآستعملوا كل حِيَلِهم القذرة لتحقيق مأربهم. قبل أيام حاولوا إيقاع يسوع في فَّخِ تهمة خيانةِ أمَّته بتشجيع إعطاء الجزية للمُستعمر، واليوم هددوا الوالي بالخيانة لقيصر روما إنْ لمْ يُلَّبِ طلبهم. وفضلوا إطلاق سراح قاتل ولص ، بل إستعملوا سلطانهم الروحي ليقنعوا ” الجموع على المطالبة بإهلاك يسوع “(متى27: 20). وسيستعملون الرشوة حتى بعد القيامة لأخفاء الحقيقة (متى28: 12-14)

يســوع

محاكمة يسوع مهزلة بشرية سَوَّدت تأريخ الأنسان. و يسوع الذي ” ولد وجاء ليشهد للحق و العدل” ظلَّ ” أمام الظلم والأرهاب ” صامتا ساكتا وكأنه أطرشُ وأخرسٌ منذ مولده. عرف براءة نفسه وأنه لم”يرتكب خطيئة، ولا عرف فمه المكرَ”(1بط 2: 22)، بل عرف ذلك حتى أعداؤه و لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه خطيئة (يو8: 46). مع أنَّ الأحبار جاهدوا ” يطلبون شهادة زور على يسوع ليقتلوه، فلم يجدوا ” (متى26: 59). إتهموه وأهانوه،” أمَّا هو فما رَّدَ على الشتيمة بمثلها. تألمَ للظلم لكنه ما هَدَّد أحدًا. بل أسلم أمره للديان العادل” (1بط2: 23). إنَّ سكوت يسوع محَّيِرٌ اليوم كما حَيَّر الأحبار(متى26: 62-63)، و بيلاطس (يو19: 9-10). إنْ كان العالم يحتار إلا إنَّ المؤمن يعرف لماذا سكت يسوع

لا يُصَّرف أهل العالم السكوت على الظلم والضيم. وبحجة الدفاع عن الحقوق وتحقيق العدالة يقترفون مظالم أبشع من التي تقع عليهم. أما يسوع فلم يقاوم الشر بالشر، ولم يُدافع عن نفسه. لكنه سبق ودافع عن قداسة الهيكل (يو2: 15-17). لم يُقاوم المهاجمين عليه لكنه أنقذ تلاميذه من شَّرغضبهم (يو18: 8). رفض إستعمال العنف للدفاع عن نفسه لكنه أدان العنف في التحقيق معه ومحاكمته (يو18: 23)، كما سبق وأدانه سلاحًا لإسكات معارضيه (لو 9: 54-55). نعم أدان العنف والظلم والأستهتار لكنه رفض في نفس الوقت مقاومتها بالمثل، ” لا تقاوموا الشرير”( متى5: 39)، وآغلبوا الشَّرَ بالخير(لو6: 27-30؛ رم12: 21). وطبق ما أمر فمنع بطرس من القتل وشفى خادم رئيس الأحبارالذي هجم عليه ليؤذيه (لو22: 50-52؛ يو18: 10).

بطرس إفتهم الدرس بعمق. ولم يبخل علينا بتفسيره. بل كشف لنا عن لماذا تصَّرف يسوع  هكذا. يقول :” الى مثل هذا دعاكم الله. فالمسيح تألم من أجلكم. وجعل من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه ” (1بط2: 21). يسوع قال الحق ولم يكذب، وهذه دعوتنا. ثم برهن على أنَّ الشرَّ لا يوقفه شر أقوى، وهذا درسنا. كان قادرا على الأنتقام والنيل من كرامتهم بإبادةِ بل محو كل أعدائه. لكن ذلك شَّر بطبيعته. والله يكره الشر لأنه لا شر فيه بل كله خير ومحبة. والأنسان صورة الله وحياته من نفس الله ذاته مجبولا في الحب والخير. والشهادة للحق والبر من دعوة الأنسان. ولهذا منع أتباعه رفعَ السيف في وجه الأعداء وسفكَ دمائهم وعلمهم بصبرهم على الضيم محبة العدو وكَسبِه للحق والحب. ولم يُبغض الأحبارُ يسوعَ إلا لأنه شهد في كل شيءٍ للحق. ولم يقتله الأحبار إلا لأنه إذ قال بأنه المسيح إبن الله رفض أن يُسايسهم ويتبنّى سلوكهم. واليوم أيضا يبغضُ أهل العالم المسيحيين ويضطهدونهم ويقتلونهم لأنهم شوكة في عيون دجلهم ، وإصرارهم في الأمانة لأيمانهم توبيخٌ لضمائرهم المنحرفة  

يسوع لام القادة من الولاة أو الأحبار وحَذّر الناس من الأقتداء بهم لأنهم زاغوا عن الحق. لأنهم نعتوا الحق بالكذب فحَّطوا من قدره و مدحوا الكذب فعَلَّوا شأنه. قلبوا موازين القيم و غشوا مقاييس الفكر والعاطفة. لهذا دعاهم يسوع الى التوبة وتغيير هذا السلوك اللاانساني. و عاش نموذجا يقتدي به الناس. ودفع ثمن تعليمه، لكنه صمد في الحق. والألم في عمل الخير أفضل من الألم عقابا للشر. هكذا تعَلَّم بطرس الدرس من آلام يسوع (1بط3: 14-17). فقصة الصلب هي قصة الصراع بين الخير والشر. وخبر التألم بسكوت هو درس كيفية مقاومة الشر. سلاح مقاومة الشرهو عمل الخير. وهذا ما فعله يسوع من فوق الصليب :” يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”. لا يدرون أنَّ العنف لا يغلب الشر. بل الحب والخير هما علاج القضاء عليه (رم12: 21). 

عرف يسوع أنه مهما قسى البشر معه إلا إنَّهم لا يقدرون أن يحرموه المجد عند الآب، ولا أن يُبطلوا الحَّق ويُمَجّدوا الباطل. عرفَ أنَّ الله لن يُغَّيرَ موقفه منه. لقد رضي عنه منذ البداية (متى3: 17؛ 17: 5). وقد حفظ له المجد الذي يوليه إياه بعد إنتصاره بصموده في الحق، و إرضاء الله حتى النهاية (يو 12: 23). لا فقط له وحده بل لكل من يؤمنون به ويجاهدوا مثله  ويحفظوا الأمانة بفرح (2طيم 4: 8). المحبة والغفران، الصبر والرجاء هي رسالة الصلب و القيامة، وهي  الدعوة التي يريدُ يسوع أن يُورِثَها كنزًا لكنيسته. وطلب من كنيسته أن تورثَها للعالم أجمع. هذا هو الله. هذا هو ما يريده. هذه أخلاقه. وعلى الأنسان، كلِّ إنسان، أن يتبَّناها. الى هذا أشار مار بطرس عندما قال:” الى مثل هذا دعاكم الله، أن تعملوا الخير وتصبروا على العذاب ” (1بط2: 21). فمن يؤمن به يتحَّول الى حب وغفران و يمحو من حياته الكره والعنف و اللامبالاة. على الكنيسة أن تشهد لهذا عبر الأجيال (أع1: 8) و تعلمَّه كل الناس مدى الأزمان (متى28: 20) أنَّ الأنتصارَ هو للحب الذي لا يزول ولا ينقطع للأبـد (1كور  13: 8)

مأساة عاشها يسوع وتفاعل معها بإيمان لا بالمشاعر. بيَّن قساوتها و وحشيتها. هذا هو ما يستطيع العالم وأهله أن يُجروه للحياة. قيمة الحياة عندهم هي بالقول، كورقة إعلام ، لتحقيق منافع. ولكن لا أحد مستعد أن يموت لينقذ الحياة ويصون كرامتها. فما يحكم في الواقع هي  الأهواء والأحاسيس ولاسيما المصالح الدنيوية. لقد إنقلبت الآية فعلاً وضاع الحَّقُ عند أهل العالم. أما ما فعله يسوع فكان من أجل حماية الحياة بوضع الأنسان على خط الحق والبر والإخاء. ضَحَّى بنفسه وصمد في العذاب والأهانة ولم يُضَّحِ بالحق

                و بألم المسيح وصبره عاد الحَّق الى الساحةِ وآرتفع فتمَّجَد

                             وآستعاد الحبُ آيته ورفع ساريتَها

القس بـول ربــان

طائر الصدر الاحمر( أبو الحناء)

 Selma Lagerlöf طائر الصدر الاحمر( أبو الحناء) للكاتبة السويدية سلمى لاكرلوف

ترجمة عن السويدية: هلال كبارا

تعليق

سمعانُ القيروانيّ ساعد يسوعَ في حملِ صليبِه، ولكنَّهُ شارك الرب يسوع آلامه وكان مدعوٌّ أيضاً للمشاركةِ في تتميمِ خلاصِ البشريةِ جمعاء.

الطير ذو الصدر الاحمر وكما نسميه في بالعربية ب (ابو الحناء) كان له أيضاً نصيباً لحضور مشهد الآم الرب يسوع، والمشاركة ولو بجزء ضئيل في تخفيف هذا الآلم، والرب كافأه لرحمته تجاهه

عندما حان الزمان، خلق ربنا العالم، ولم يخلق ربنا السماء والأرض فقط، بل كل الحيوانات والنباتات، وأعطاها أسماءها. وكما نعرف وردت العديد من القصص عن ذلك الوقت لتسلط الضوء على كل شيء موجود في هذا العالم الذي لا يستطيع الانسان فهمه لحد الان

و حدث في احد الأيام، عندما كان ربنا جالساً في الفردوس ليرسم الطيور الصغيرة، ان شارفت أكواب طلاء التلوين على النفاذ وبذلك كان سيكون طائر الحسون بدون لون تماماً لولا ان ربنا حاول ان ينشف كل صبغ فرش الرسم على الريش

وحيث أن الحمار خُلق بآذنان طويلتان فقد سبب له ذلك أنه كان لا يستطيع أن يتذكر الاسم الذي قد سُمي به. فقد نسيّ اسمه، بمجرد انه خطى خطوتين في مروج الجنة، وفي الخطوة الثالثة، عاد ليسأل عن اسمه. بصبرٍ وطول أناة أمسك ربنا كلتا أُذني الحمار وقال له: “اسمك هو حمار، حمار، حمار. ” وبينما كان يتحدث، سحب أذنيه حتى يتمكن من السماع بشكل أفضل وليستطيع أن يتذكُر ما يقوله له الانسان أيضاً.

بنفس اليوم عُوقب النحل أيضاً لانه بدأ بجمع العسل مباشرةً بعد خلقه، وجاءت الحيوانات والناس حين لاحظوا رائحة العسل الزكية ورغبوا بأن يتذوقوه. ولكن النحل أراد الاحتفاظ بكل شيء لنفسه وطاردهم  بقرصته السامة لابعادهم من خلية العسل

رأى ربنا هذا، وعلى الفور دعا النحل وعاقبه قائلاً: “أعطيتك هدية أن تجمع العسل، وهو أحلى ما خلقت”، ولكن ذلك لايعطيك الحق في أن تكون قاسي تجاه الآخرين. الآن تذكر أنه في كل مرة، تعضُ فيها الشخص الذي يرغب بتذوق عسلك، يجب أن تموت! ” أوه، وحدث كذلك، أن أصبحت الصراصرعمياء وفقد النمل جناحيه، حدث كل ذلك بشكل غريب جدا في هذا اليوم

جلس ربنا ، بعظمة ورقة كبيرة، اليوم كله وخطط وخلق، ونحو المساء خلق طير صغير رمادي اللون

ـ قال ربنا للطير: تـذكــر، أن اسمكَ هو الصدر الاحمر!. وعندما انتهى منه، فتح الرب يده وسمح له بالطيران والتحليق في العالم

طارالطير لحظاتٍ محلقاً في الأنحاء، وأنشغل تماماً بهذه  الارض الجميلة التي سيعيش فيها، و صار لديه الرغبة للنظر والتأمل الى نفسه. عندئذ راى الطير أن لونه رمادي تماما، وان صدره رمادي أيضاً مثل كل شيء آخر فيه. طائرالصدر الاحمر أنقلب ولوى نفسه ونظر الى صورته المنعكسة في بركة الماء، حيث لم يجد حتى ريشة واحدة حمراء في صدره. وهكذا طار الطيرعائـداً نحو ربنــا

 السيد الرب كان جالس في الفردوس السماوي بطيبة ورقة، ومن بين يديه كانت تطير الفراشات مرفرفه حول رأسه، بينما يصدح الحمام بهديله فوق اكتافه، ومن حوله نمت الورود الجميلة والزنابق والاقحوان

نبضات قلب الطائر الصغير كانت تخفق بقوة من الخوف عند اقترابه من الرب، ولكن مع منحنيات سهلة طار أقرب وأقرب نحو ربنــــا، وأخيرا نزل بين يديه

ـ سأله ربنا عما يريد وعن رغبته

“أردت فقط أن أسألك عن شيء واحد”، قال الطائر الصغير 

 ـ ما الذي تريد أن تعرفه؟ قال ربنا

 ـ لماذا يجب أن أ دعى الصدر الاحمر، بينما انا رمادي كلياً، من المنقار إلى الذيل؟ لماذا أدعى الصدر الاحمر، في حين انا لا امتلك ولا حتى ريشة حمراء واحدة في صدري؟ قال هذا بينما هو ينظر مُصلياً للرب بعينية السوداء الصغيرتين ورأسه المنحني

حوله لاحظ الديوك البرية، حمراء كلياً مع قدر ضئيل من غبار الذهب، الببغاوات مع ياقات رقبة حمراء كثيفة، الديوك مع عرفها الاحمر، ناهيك عن الفراشات الذهبية والورود. وبطبيعة الحال كان يعتقد، أنه سوف لا يحتاج الى شيء قليل، فقط قطرة واحدة صغيرة من اللون على صدره، وسيكون عندها طائر جميل، وسيناسبهُ اسمهُ تماماً. لماذا يجب أن أُسمى ذو الصدر الاحمر بينما انا كلياً رمادي؟ تساءل الطائر من جديد وانتظر عسى ان الرب سيقول: ‏أوه، يا صديقي، لقد نسيتُ أن أُلون ريش صدرك بالاحمر، لكن أنتظر فقط لحظة، وسأقوم بذلك. 

ـ إبتسمَ ربنا بصمت، ثم قال: لقد سميتُك الصدر الاحمر، والصدر الاحمر سوف تُسمى، ولكن يجب عليك أن تكسب ريش الصدر الاحمر بمجهودك. وهكذا رفــع الله يده وسمح للطائر بالتحليق مجدداً في العالم

حلق الطير للاسفل في الفردوس بتامل عميق متساءلاً: ماذا يمكن لطائر صغير مثله ان يفعل لكسب ريشه الاحمر

وكان الشيء الوحيد الذي فكرَ فيه هو السكن في شجيرة من الأدغال. بنى الطير عشه هناك، بين الأشواك الكثيفة، وكان ينتظر لعل ورقةً لوردة حمراء تلتصق ببلعومه بشدة وتعطيه اللون

عدد لا حصر له من السنوات قد مرّت منذ هذا اليوم المُفرح، وبعد هذا الوقت كل من الحيوانات والناس تركت الفردوس وانتشرت على وجه الأرض. أستغرق سعي البشر لتعلم زراعة الأرض والابحار سنوات طويلة، ولقد امتلكوا وصنعوا الملابس والحلي، نعم، قبل هذا الوقت بفترة طويلة تعلموا بناء المعابد والمدن العظيمة مثل طيبة، روما واورشليم

حل يومٌ جديد سوف يتذكره تاريخ الأرض ، ففي صباح اليوم جلس طائر الصدر الاحمر،على تلة صغيرة مجردة خارج أسوار اورشليم وغنى لصغاره الذين كانوا يستريحون في عش صغير في شجيرة مشوكة ومنخفضة. تحدث طائر الصدر الاحمر لفراخه الصغار عن يوم الخلق الرائع والاسم المعطى له، وهكذا كل الأجيال المتعاقبة لطائر الصدر الاحمر تحدثت لصغارها عن يوم الخلق، وعن سماع صوت الله والطيران من بين يديه، وانظر الان، أنتهى الحزن، سنوات عديدة مرت، وأزهرت الارض الكثير من الورود، والكثير جداً من الطيور الصغيرة قد فقست من بيضها منذ يوم الخلق، ولا أحد يستطيع عدها وبقى الصدر الاحمر طائر رمادي صغير، فهو لم ينجح لحد الان لكسب الريش الاحمر

مضى وقتُ طويل جداً منذ بدء الخلق، والأجيال المتعاقبة لطائر الصدر الاحمر لازالت رمادية اللون من منقارها الى ذيلها. ولكنها ما زالت تتناقل قصة خلقها الرائعة وتسميتها، وما سمعته من جدها الاول الذي سمع صوت الله وطار بين يديه. شدَّ الفراخ فغر منقايرهم العريضة وتساءلوا: لماذا لم يحاولوا أسلافهم أن يفعلوا أي شيء عظيم للحصول على اللون الأحمر الثمين. فأجاب العصفور الصغير: “لقد فعلنا كلنا ما في وسعنا ”  ولكننا فشلنا جميعا

منذ أن التقى أول طائر ذو صدر احمر بطائر آخر مثله، كانا متشابهان تماماً، وبدأ على الفور يحبها، مثل هذا الحب المفاجيء، شعرَ به متوهجاً في صدره. أوه، أعتقد أنا أفهم ذلك الآن. أن قصد ربنا هو أنني يجب أن أحب بحرارة بحيث أن الريش في صدري سيصطبغ باللون الأحمر من توهج الحب الساكن في قلبي. لكنه فشل في ذلك، كما فشل كل الآخرين بعده، وكما ستفشلون أنتم أيضاً. غردت الفراخ الصغيرة بحزن، وبدأت الحِداد مُسبقاً لأنها سوف لن تحصل على اللون الأحمر لتجميل وتزيين ريش صدرها الناعم

نحن أيضاً كان أملنا بالأغنية، قال “الطائر الكبير، متحدثا بأسهاب وملخصاً مقاطع الاغنية، مُنذُ أن غنى طائر ألصدر الاحمر هكذا: أن صدره سيتضخم  من الهيام وهو بجرأة يتمنى من جديد. آه… فكر هو ” انه وهج الأغنية الذي يعيش في روحي والذي سيلون ريش صدري باللون الاحمر. لكنه فشل في ذلك، مثلما  فشل كل الآخرين، وكما ستفشلون أنتم أيضاً

ومرةً أخرى سمع صفير الحزن الخارج من حناجر الصغار التي لم يكتمل ريشها. نحن نامل أيضاً بشجاعتنا وبسالتنا، قال الطائر: منذُ ذلك الحين حارب اول طائر ذو صدر احمر، بشجاعة  الطيور الأخرى، وصدره التهب  برغبة المعركة. “آه، كان يعتقد، “أن ريش صدري يجب أن يصبح أحمر من حماس الرغبة بالمعركة التي يتقدُ في قلبي”. . لكنه فشل في ذلك، مثلما  فشل كل الآخرين بعده، وكما ستفشلون أنتم أيضاً

الفِراخ الصغيرة ذكرت بشجاعة بأنها أيضاً  ترغب في السعي ومحاولة كسب الفوائد المرجوة، ولكن الطير أجابهم بحسرة بأن ذلك مُستحيل

ماذا يمكن أن يتمنوا، اذا كان الكثير من الأجداد الرائعين لم يفلحوا بالوصول الى الهدف؟ ماذا يمكن أن يفعلوا أكثر من أن يحبوا، يغنوا ويقاتلوا؟ ماذا يمكن 

توقف الطير في وسط الجملة، لانه رأى مجيء حشد كبيرمن الناس السائرين خارج إحدى بوابات اورشليم، والحشد كله هرع نحو التلة، حيث كان عش الطائر

كان هناك فُرْسَان فوق الخيول الاصيلة، وجنود مع حراب طويلة، جلادين مع  مسامير ومطارق، وكان هناك أيضاً متقدمي الموكب الرسميين من الكهنة والقضاة، ونساءُ باكيات وقبل كل شيء الكثير من الناس المُقرفين والمُتَهَوِّر‏ين وهم يصرخون ويتبعون مكتوفي الأيدي وراكضين حولهم

الطائر الرمادي الصغير جلس مرتجفاً على حافة العش. وكانت خشيتهُ بكل لحظة أن تداس هذه الشجيرة الصغيرة حيث بنى عُشه هناك وتُقتل فراخه الصغار. “حافظوا واحموا بعضكم البعض” صرخ الطير نحو صِغاره العزل،” ازحفوا قرب بعضكم وأبقوا هادئين! هنا سيأتي حصان  فوق رؤوسنا! هنا سيأتي محارب مُنتعل صندل حديد”. هنا تأتي مجموعة الاقتحام الوحشية!. توقف الطير من صرخات التحذير، وأصبح ساكنا وهادئا. نسي الطائر تقريبا الخطر المُحدق وحلق في أجواء المكان. فجأةً قفز إلى أسفل، داخل العش وبسط جناحيه فوق فراخه. “لا، هذا أمر فظيع جدا، قال. “أنا لا أرغب أن تنظروا الى هذا المنظر

هناك ثلاثة من المجرمين الذين سيصلبون. وبسط جناحيه حتى لا تستطيع فراخُه رؤية شيئ. وأتبع طائر الصدر الاحمر المشهد بأكمله بعينيه، والذي زاد الرعب، صوت ضربات المطارق اليدوية، وصرخات الانين، وصراخ الناس الجامح. انه لا يقدر أخذ حتى لمحة من هؤلاء التعساء الثلاثة، وقال الطائر في لحظة “كم هي قاسية قلوب الناس “

الم يكفيهم أنهم سمروا هذه المخلوقات المسكينة على الصليب بهذا الشكل المؤلم ، فثبتوا أيضا تاج من الشوك ألقاسي على رأس هذا الرجل، “أرى أن الاشواك قد جرحت جبينه وجعلت الدم يتدفق، وتابع الطير “هذا الرجل رائع جدا، وينظر حوله بلمحات لطيفة جدا، بحيث أن كل واحد يراه يجب أن يحبه. هذا أنا، أشعر كما لو ان سهم حشر في قلبي لما أشاهِده، آه، كم هو يعاني؟ “

بدأ الطائر الصغير يشعر بشفقة وتعاطف أقوى وأقوى تجاه الشخص المُكلل باكليل الشوك، وفكرَ قائلاً “لو كنت أخي النسر” لقُمتُ بسحب المسامير من يديه  بمخالبي القوية وابعد عن كل ما يؤلِمه

رأى الطيركيف أن قطرات الدم تنحدرُ من جبين المصلوب المُكلل بالشوك، فلم يعد قادرا أكثر على البقاء هادئاً في عشه. “على الرغم من أنني صغير وضعيف، أعتقد بأنه ما زال يمكنني أن أفعل شيئا لهذا المسكين المُتعذب”، هكذا فكرالطير

 غادرالطائر العُش وطار في الهواء، مُلتفاً بدوائر واسعة حول المصلوب. دار حول المصلوب عدة مرات دون التجرؤ على الاقتراب منه، لأنه كان طائر صغير وخجول، لم يجرؤ أبداً على الاقتراب من انسان سابقاً. ولكن تدريجياً، أكتسب الشجاعة، وطار مسرعاً للامام نحوه، وسحب بمنقاره شوكة كانت مغروسة في جبين المصلوب. ونتيجة لما فعله، سقطت قطرة دم من جبين المصلوب للأسفل على صدرالطائر. توسعت القطرة بسرعة وأنتشرت على كل الريش الصغير لصدر الطائر. وفتح المصلوب شفتيه وهمس بأذن الطير. من أجل رحمتك، ربحت الآن ما سعى اليه فصيلك من الطيورمنذ إنشاء العالم

بعد قليل عاد الطائر الى عشه، صرخ صغاره: صدرك احمر! وصدوركم حمراء، وريش صدوركم اكثر أحمراراً من الورد! وقال الطير: أنها ليست سوى قطرة دم من جبين هذا الرجل المسكين، ” وسيختفي بمجرد أن أستحم في بركة أو بئر صافي”

ولكن كم وكم استحم الطائر الصغير، ولم يختفي اللون الأحمر من صدره، وعندما نما صغاره، كان يضيىء ريش صدورهم باللون الدم الأحمر، كما يضيىء اليوم في كل طائر صدر أحمر ولحد يومنا هذا

abc

Michigan SEO