Posts by Badri

الأحــد الثـاني للصيـف

الأحــد الثـاني للصيـف 

   2017.07.30

تتلى علينا اليوم القراءات : اش3: 16 – 4: 6  ؛  2كور3: 4-18 ؛  لو15: 4-32

1* القـراءة : اشعيا 3 : 16 – 4 : 6

لقد تمادى شعبُ الله في الفساد. وتجاوزت النساءُ حَدَّهن في التَبَّرج والتمَكيُج. شغلهن الشاغل هو الأناقة والمظهر والتباهي بأجسادهن. لقد إختفى الروح، إن لم يكن قد قُضِيَ عليه كُلّيًا. فقد أصبحت حياتهن كلها زينة الذهب واللآليء، وجمالهن بالمساحيقِ والحِلي، وطيبُهن بالعطور والأطياب. لم يبقَ للأخلاق والفضيلة عنوانٌ ولا أثر. أصبحَ الاهتمام بالأجساد دأبَهن وجُلَّ عنايتِهن.  لقد سَئِمَ اللهُ هذه الحالة وآستنكرَها. ولن تدوم كثيرًا. سيسحقُ العدُوُّ تشامخ الشعبِ و يُحَّطمُ كبرياءَه ويفضحُ غباءَه. سيَلُّفُه السبيُ ليغسلَ عارَه ويُعيدَه الى الصواب. سيموت الرجالُ بالسيف، ولن تجد الفتياتُ من يتزوَّجنه. ستتشَّبثُ العديد منهن بنفس الرجل الواحد ليرفع عنهن عار العزوبية. لن ينجوَ في الديار من عبودية السبي غير الذين سمعوا كلام الله. سيُطّهرُ الله مدينتَه من الفساد والغباء. سيمحو منها الدماء ويغسلُ قذارة الناس. سيعودُ مجد اللهِ يشّعُ من جديد، للذين يعرفونه ويُصغون اليه، ” نارًا مضيئة في الليل وظِلا مُريحًا في النهار” (خر13: 20-22). لا ينتقمُ الله لمجده المُهان. إنَّما لن يواصلَ حماية الشعب بل يدَعُه يتمادى مع أهوائه إلى أن توقعُه. لكنه لن يسمحَ لها أن تفنيَه. بل سيُعيد اليه الروح ويُعَّلمُه أنَّ خلاصَه في محبة الله وتفعيل وصاياه. فالمسيح سيُعَّلمُ الطاعة لله عن محبة، ومريم العذراء ستُعَّلم أنَّ جمال المرأة من الداخل عندما تعرفُ أن تتجاوب مع مخطط الله ومشروعه الفدائي

2* الرسالة : 2 كورنثية 3 : 4 – 18

بدأ مع المسيح عهدٌ جديد، عهدُ الروح. أطلبوا أولاً ملكوت اللهِ وبِرَّه ، سيادة الحَّق والمحبة، أما باقي الخيرات المادية { الحرفية } فتُزادُ لكم بوفرة. كان للعهد القديم ، المعقود على يد موسى، نظامٌ هو الشريعة. وهكذا للجديد أيضا نظامٌ يُسَّهل تحقيق العهد، المعقود بدم المسيح، بشكل يُريح المؤمن ويُسعِده. وكما كان للقديم ” خدَمُه”، من يُشرفون على تحقيقه، هكذا يكون للجديد أيضا خدَمٌ يُجاهدون لتحقيقه ونشر الحياة الألهية على الأرض. ويمتاز الجديد بأنه يخدمُ الحياة ويقود الى السلام. يهتم مباشرة بما لله ، والله روحٌ وحياة ومجد وهناء. بينما إهتمَّ القديمُ بما للجسد. والجسدُ يفنى لذا فالأهتمام به فقط يؤّدي الى الموت (رم8: 5-8). بقيت خدمة القديم مجيدة لأنها هدفت مجد الله وأرتبطت بمشروعِه الخلاصي. لكنها لم تكن كاملة. لقد كَمَّلها المسيح (متى5: 17). لذا فخدمة الجديد أسمى وأفضل لأنها تسمو بالمؤمن الى فكر الله و روحه. كان موسى، أبو العهد القديم، يشُّع وجهه بعد كل مخاطبة الرب له فيخافُ الشعب الأقترابَ منه بل حتى النظرَ اليه حتى أُضطرَّ أن يتبرقع (خر 34: 29-35). أما يسوع فلما تجَّلي في جلاله الألهي و موسى الى جانبه خاف أيضا الرسلُ من صوت الآب، لكنهم إرتاحوا جدًّا الى بهاءِ مجد يسوع الألهي حتى صرخ بطرس” ما أجملَ أن نكون هنا “(متى17: 4). و هذا المجد خَيَّم على الرسل بل صار يشُّعُ من خلالهم. فلم يتردد بولس أن يقول :” ونحن جميعًا نعكسُ صورة مجد الرب بوجوهٍ مكشوفة فنتحَّول الى تلك الصورةِ ذاتِها” (آية 18). الله روح. وكذا عهد المسيح وكلامه روح وحياة (يو6: 63). وما للروح لا يُخيفُ بل يُريح ويُسعد

3* الأنجيل : لوقا 15 : 4 – 32

أمثلة الخروف الضائع والدرهم المفقود والأبن الضال. كلها تشيرُ الى أنَّ الخطيئة تُضَّيع الأنسان وتُفقدُه الحياة الروحية الألهية. ومن يفقد الحياة الألهية هو مائتٌ أي هالكٌ لا محالة. بينما التوبة تُعيد الحياة الى الخاطيء وتُحَّققُ الراحة والسعادة للأنسان. الخطيئة تقوده الى الحزن والشقاء، أما التوبةُ فتنعمُ عليه بالبهجةِ والفرح والهناء. الله هو القدوس والبار. أما الخطيئة فدنسٌ ونجاسة. والأنسان صورةُ الله مدعو الى تحقيق نموذج القداسة والبر في سلوكه. ويبتعد عن النجاسة التي هي : ضياعٌ وضلالٌ وفقدان (1تس4: 3-8). الخطيئة تُجَّردُ الأنسان عن حقوق بُنُـوَّتِه لله. يُضَّيعُ ” ذخيرةَ البنين” ويفقدُ الوسائل التي تُسَّهلُ مسيرته نحو الحياة الأبدية في المجد والنعيم. تُنزعُ عنه حُلَّةُ كرامة الأبن ويخسرُ نصيبَه من الخيرات الساندة للحياة. يفقدُ ما كان له من إمتياز ودّالة. وبالمقابل يقع في خطر الموت المهلك. من الأبن المُدَلَّل الذي يتوفر له كلُّ شيء بلغ الأبن الضال الى حد فقدان كلِّ شيء حتى كرامته فتقاسم المصير مع الحيوانات

أما التوبة فأعادت اليه الفرحةَ وراحة البال. أعادت اليه الثقة بالنفس. أعادت اليه الكرامة و العِزَّة. أعادت اليه كلَّ شيء. أعادت اليه ” الحياة “:” كان مائتا فعاش”. هذا ما فعلته الحياة الألهية في الأنسان التائب : كاد ان يصل قاع بحر الهلاك، إنتشلته يد الرحمة الألهية فأنقذته

هذا بخصوص التوبة وهي إستعادة الحالة الروحية البريئة والقدوسة التي عليها خلق الله الأنسان ودعاه أن يعيشَها معه وبحضرته. وإذا لم يخطأ الأنسان ولم يتدنس لا يتألم ولا يتندَّم ولا يحتاج الى التوبة. ولنا في مريم العذراء نموذجا على ذلك. ونحتفل هذا العام بالذكرى المئوية لظهوراتها في فاتيما. من فاتيما تبدو مريم نموذجا تقتدي بها النساء

لامَ اللهُ، على يد اشعيا، النساء اللواتي تبعن روح العالم والأهتمام بالجسد أكثر من المعقول. بينما عظَّم اللهُ مريمَ لأنها لم تتبع شهوات الجسد بل إرتفعت بروحها نحو الله وآرتقت في حبها له حتى كرَّست له كل حياتها وخضعت لمشيئته قائلة ” أنا خادمة الرب فليكن لي كقولك”. لم تهتم بزينة الجسد بقدر ما إهتمت أن توافقَ سيرتُها مشيئة الله. رفضت حتى أن يكون لحياتها مخططها الخاص وقبلتْ أن تعيش مخطط الله وتتحَّمل تبعاته. عرفت ماذا يعني أن تكون أمَّ المسيح وماذا ينتظرها من تضحية وآلام. قبلتها لأنها آمنت أنَّ الله لا يريدُ لها السوء ولا أن يستغلها بل يدعوها الى العمل معه ، بشروطه ومتطلباته. ومن يعمل معه يقاسمه حياته ، مجده وخيراته ونعيمه. فلم تطلب ما للجسد ولا إهتمَّت بالمظاهر. بل إقتنعت بمشيئةِ الله و وثقت أنه لن يخذلها بل يُمَّجدُها. وافقت على عرضِه فتمَجَّدتْ، لأنَّ الله نظر الى براءَتِها وتواضُعِها فجازاها كرامةً ومجدًا وهناءًا بحيث ” يعطيها الطوبى جميع الأجيال ، لأنَّ القدير صنع بها عظائمَ ” مكافأةً على إيمانها وحبها وتجاوبها مع إرادته تعالى ؟

ومن فاتيما التي باركتها بظهورها فيها قبل مائة عام، سنة 1917، في الثالث عشر من كل شهر منذ أيّار وحتى تشرين الأول، تًجَّدد مريم تحذيرَها من الشر والفساد المُخَّيمين في العالم، ونـداءَها الى التوبة. تدعو نساءَ العالم ، والمسيحيات بنوع خاص، ألا تكن زينتُهن ” تبَّرُجًا كضفر الشعر والتحَّلي بالذهب والتأَنُقِ في الملابس، بل زينةَ قلب الأنسانِ وباطِنِه، على نَفْسٍ وادعةٍ بريئةٍ من الفساد مُطمَئّنَةٍ : ذلك هو الثمينُ عند الله ” (1بط3: 3-4). صَدَّت مريمُ بيدها سيف الملاك المُهَّدد بإفناء البشرية فصرخ الملاك بوجه الأنسانيةِ ” التوبة، التوبة، التوبة “!. وللمرأة بعد مريم وعلى غرارِها دورٌ قوّيٌ في تربية أولاد الله على أن يتزّينوا بالحق والمحبة ويمارسوا الوداعة ويُشَّجعوا السلام والوئام. بآختصار أن يعملوا بمشيئةِ الآبِ السماوي.

القس بـول ربــان

الخروج نحو الحرية ، كابن من ابناء الله

الخروج نحو الحرية ، كابن من ابناء الله

الإنسان خلق حرا ومنطلقا وفرحا فلا يحيا لنفسه فقط، وما أجمل المَثل الذي يقول: “ما عاش مَن عاش لنفسه “. ففي خدمة الآخرين لابد أن يخرج الإنسان من قوقعة نفسه ليلتقي بالغير،ليفرح ويشبع الكل من محبته. ويشعُر أن رسالته في الحياة هى أن يفعل خيرًا مع كل مَن يدفعه اللَّه في طريقه. وكُلما يتسع قلبه، تتسع دائرة خدمته، فيحيا منطلقا فرحا ، فلا تقتصر على معارفه وزملائه وأصدقائه، بل تصل إلى نطاق أوسع بكثير.

** ومادام الإنسان يستطيع أن يعمل الخير نحو الغير، فعدم قيامه بذلك يجعله حزين، ولنضع أمامنا هذه القاعدة “مَن يعرف أن يعمل خيرًا ولا يفعل، فتلك خطية له”. وخدمة الآخرين في جوهرها، ما هي إلاَّ تعبير عن الحُب المختزن في القلب من نحو اللَّه والناس. فأنت إن أحببت الناس، فسوف تخدمهم بكل الوسائل المُتاحة لك والنافعة لهم.

** والخدمة المقدمة للآخرين، منها الروحية والإجتماعية أيضًا وخدمات أخرى. فمن جهة الخدمة الروحية، نذكر التعليم الروحي وقيادة الغير إلى التوبة. لأن من رد خاطئًا عن ضلال، يخلص نفسًا من الموت ويستر كثرة من الخطايا. أمَّا الخدمة الاجتماعية فهي الإهتمام بإحتياجات الآخرين الذين لا يجدون كفايتهم في أمور المعيشة. ونذكر من بين هؤلاء: الفقراء والمعوزين، والأيتام والآرامل، والمرضى، وكافة المُضررين والمحتاجين. فإسأل نفسك: ما مصير الآخرين في حياتك؟

أتذكَّر أنه في إحدى المرَّات سألني طبيب جراح عمَّا يستطيع أن يعمله لأجل الآخرين. فقلت له: “على الأقل عُشر العمليات الجراحية التي تقوم بإجرائها، لتكن للفقراء والمحتاجين، بغير أجر”. وهكذا يكون للَّه وللناس نصيب في علمك وعملك. وبهذا تُعبِّر عن محبتك للفقراء.

** وما أجمل ما تُقدَّمه بعض الهيئات المحلية أو العالمية من خدمات مثل جمعيات الأسعاف وهيئة إطفاء الحرائق، والهيئات الدولية للإغاثة وأمثالها التي تُقدِّم معونة في حالات الكوارث الطبيعية كالفيضانات أو السيول، أو المجاعات. ومن تلقاء ذاتها تقوم بإغاثة المحتاجين.

** إن كل شخص مُطالب أن يفعل شيئًا من أجل أخيه الإنسان، دون أن يُكلَّف بذلك من هيئة رسمية. بل إن كل شخص عليه أن يخدم غيره حسب النعمة المُعطاة له. والإنسان الخدوم، أقصد الذي فيه روح الخدمة، تجده يخدم في كل مجال: في البيت، في مكان العمل أو الدراسة، في الطريق، في النادي… مع كل أحد. إنه إنسان مُعطاء. كل مَن يقابله، لابد أن ينال من عطائه.

** وفي خدمتك للآخرين سوف تنال فوائد كثيرة لنفسك.

فكما تعطي المخدومين حُبًا من قلبك، كذلك يشبع قلبك حبًا بهذه الخدمة. فالذي يخدم الأيتام أو المرضى أو المعوقين أو الفقراء والمحتاجين عمومًا، لاشكّ أن قلبه سيمتلأ في الخدمة بمشاعر عميقة تسمو بنفسه. فإنَّ العاطفة التي يكتسبها الإنسان في حماية الآخرين من الألم والمُعاناة، هى أقوى بكثير من العواطف التي تُقدِّمها مجالات اللهو والترف. والإنسان في مجال الخدمة يكتسب كثيرًا من الخبرات الروحية، ومن علاقته باللَّه الذي يعينه في الخدمة. فلا شكّ أنك في الخدمة يعمل اللَّه معك، ويعمل فيك، ويعمل بك. وفي كل ذلك ترى عجائب من عمل اللَّه، وكيف يتدخَّل في كل الأمور المُعقدة، ويفتح لك بعض الأبواب المغلقة، أو يُقدِّم لك حلولًا للمشاكل ما كنت تُفكِّر فيها، أو يرسل لك معونات من حيث لا تدري. فتُمجِّد اللَّه في كل عملك… أمَّا الذين لا يخدمون الغير، فإنهم يحرمون أنفسهم من كل الافراح السماوية .

والخدمة أيضًا تفيدك في أنها مدرسة للصلاة. ذلك لأنك كُلَّما تخدم الآخرين، أو تعمل على حل مشاكلهم، كُلّما تشعر أن هناك أمورًا تحتاج إلى معونة إلاهية، فتتدرَّب على الصلاة من أجلها. كما أنك تُصلِّي لكي يبارك اللَّه العمل الذي تعمله، ولا يتركك وحدك. وقد تُصلِّي وتطلب قائلًا: “إن هؤلاء الناس المحتاجين، يحتاجون بالأكثر أن تكون لهم علاقة بك يا رب متصلة دائمًا من أجلهم. فأعطني ذلك ليس من أجلهم فقط، وإنما أيضًا من أجل نفسي. لكي ترعاني وترعاهم، وتحفظني وتحفظهم. وليتني أكون جسرًا صالحًا يصلون به إليك”.

** والخدمة تمنح الإنسان ألوانًا من المعرفة: فيعرف مشاكل الناس، ويعرف تفاصيل كثيرة عن النفس البشرية وما يدور فيها من مشاعر. ويعرف أيضًا الحلول العملية لكي ما يتعرض له الناس من مشاكل داخلية وخارجية. وإن لم يكن يعرف، فعلى الأقل سيرى كيف يتدخل المرشدون الروحيون في حل تلك المشاكل. فتزداد خبرته في الحياة.

** هناك أشخاص لا يقومون بالخدمة في ذاتها، ولكنهم يساعدون على ذلك بما يتبرعون به للخدمة. أو على الأقل يقومون بخدمة الصلاة من أجل أن يُنجح اللَّه خدمة العاملين ومن أجل أن يحل المشاكل. وقد تكون لصلواتهم استجابة أكثر نفعًا، وتكون هى الخدمة الخفية التي تقوم على أساسها الخدمة الظاهرة.

** من شروط الخدمة أن تحب الناس الذين تخدمهم، ولا يكون في نفسك ضيق. واعرف أن طُلاب الحاجات قد يلجأون أحيانًا إلى الكذب والاحتيال، أو يمتزج طلبهم بإلحاح متعب، أو بضجيج وعلو صوت. وقد يتأثر البعض بهم فيطردهم أو يقسو عليهم! أمَّا القلب المُحب الخدوم، فإنه لا يكتفي بمساعدة المحتاجين، إنما يحتمل أيضًا متاعبهم. ويشعر أنه لولا احتياجهم الشديد، ما كانوا يلجأون إلى تلك الأخطاء.

** أحيانا تكون خدمتك للمحتاجين تتصف بالروتين، أو مُجرَّد النشاط بدون روح. ولا تسمح للخدمة أن تفقدك وداعتك وتواضعك. ولا تسمح بشيطان المجد الباطل أن يتعبك بالمديح أو أن يرتفع قلبك بذلك. بل قل لنفسك باستمرار: “أنا ما دخلت إلى الخدمة لكي أقع في خطايا جديدة، إنما لكي أنمو روحيًا!”. إنما إن نجحت في خدمتك، فلا تنسب ذلك إلى نفسك، وإنما إلى اللَّه الذي ساعدك، وإلى الآخرين الذين تعاونوا معك. وفي خدمة الفقراء ابعد عن أسلوب الأمر والنهي. وليكن لك اسلوب التخاطب مع الصغير كما مع الكبير. ومهما أوتيت من سُلطة في الخدمة، لا تكلم الناس من فوق، ولا تتعالَ على أحد. ولا تقل عن نفسك إنك فاعل خير، وإنما أنت خادم للخير، فيكون قلبك ممتلىء فرحا ، وفمك تهليلا ، فباعمالك تمجد اسم الرب .

الاب / بيوس فرح ادمون

   فرنسيسكان – مصر

الأحــد الأول للصـيـف

الأحــد الأول للصـيـف   

    2017.07.23

عيد الله  –   تذكار الـ 12 رسولا

تتلى علينا اليوم القراءات :  أع5: 12-32  ؛  1كور4: 9-16  ؛  لو14: 1-14

    2كور1: 8-14

1* القـراءة : أعمال 5 : 12 – 32

بدأ الرسل يبَّشرون ويتكاثر عدد المهتدين. ويَتَّفقُ المؤمنون كلهم على المحبة والشهادة. والرب يسند إيمانهم ويُؤَّيدُه بالآيات ولاسيما بالأشفية. يتقاطر المرضى والموجوعون ويتزاحمون على الطرقات لينالوا صلاة من الرسول فيشفوا. ولكثرتهم يُصَّفتون في الشوارع والساحات العامة ليمُرَّ بهم بطرس ويكفي أن يقعَ ظِلُّهُ على أحدهم فيشفى. لم يرقْ هذا للقادة صالبي يسوع. لقد خسروا الرهان و آنقلب عليهم سِحرُهم. لم يَهدِ يسوعُ في حياته سوى 120 مؤمنا. أما الآن فباتَ عددهم يربو الآلاف. كان مُبَشّرٌ واحد أصبحوا اليوم آلافًا مُؤَّلفة. فـ” آشتدَّت نقمة رئيس الكهنة وأتباعه” وسجنوا الرسل معتقدين أنهم بذلك يخنقون صوت الحق وينتصرون. فاتهم أنَّ مقاومة الحق دعايةٌ له وإثباتُ لآنتصاره. الربُ يُنقِذُهم من السجن. يُنهونهم من جديد بعدم التبشير، ولاسيما عدم القاء تبعية الصلب عليهم. رغم أنهم عند صلبه أعلنوا إستعدادهم لتحَمُّل مسؤولية الصلب ،” دمه علينا وعلى أولادنا “(متى27: 25). أما الرسول الذي أنكر معَّلِمه ” خوفا من جارية ” ! يُخاطرُ اليوم بسفكِ دمه شهادة لأيمانه ، فيُصَّرح أنَّه يجبُ الطاعة لله لا للناس قائلا :” إلَهُ آبائنا أقام يسوع الذي صلبتموه وقتلتموه، رفعه الله وجعله رئيسًا ومُخَّلِصًا “. بطرس يؤَّدي الشهادة ليسوع لا فقط ليُصَّححَ نكرانه بل لأنه بالأخص هو الذي يشهد ليسوع أمام العالم (أع15: 7)، وهو الذي ينوب عن المسيح ليُعلن الحقيقة الألهية. هو الناطق الرسمي بآسم يسوع الحَّي، وبسلوكه يشهد لصَّحة ما يدعو اليه

2* الرسالة : 1كور4 : 9 – 16؛  2كور 1: 8 – 14

وعلى غرار بطرس ورفاقه يسلك رسُلُ كل زمان ومكان درب الشهادة ، والشهادة جهادٌ يقتَحمُ دربَ الشدائد والضيقات. حتى وصفَ بولس حالة الرسل بأنهم ” أدنى الناس منزلة كالمحكوم عليهم بالموت علانيةً”. إنهم يُعانون “الجوع والعطش والعريَ والضربَ والتشَّرد والتعب..”، يُضطهَدون ويُفترى عليهم حتى شَبَّهَهم بـ” قذارةِ العالم ونفاية كل شيء”. ولكن هذا لا يُقَّلل من قدرهم وغيرتهم لأنه لا يمَّسُ كرامتهم. بل يُعَّظم قدرَهم ويفيضُ عليهم عزاءًا وراحة قلَّ مثيلُها. هكذا عوملَ رَبُّ المجد. وكلُ من” يحيا في المسيح حياة التقوى أصابه الأضطهاد” (2طيم 3: 12). هكذا يتمَّثلُ التلميذ بمعلمه. وهكذا يكون قدوةً للمؤمنين حتى لا ييأسوا في ضيقهم ولا يتخاذلوا أمام الصليب. لأنه وإن كان الصليبُ في نظر أهل العالم عارًا ومعثرة إلا إنه  مخاضُ الحياة (يو16: 20-21)، وطريق المجد (يو13: 31)، لأنه ” قدرة الله وحكمته في إبداءِ محبَّتِه ” (1كور1: 18).

تلك الشدائد والصلبان لا تُهبط من عزيمة الرسول. بل تقويها إذ تقودُه الى أن لا يتكل على ذاتِه بل على الله. لا يستندُ الى حكمة البشر التي تخدع أحيانا وتخون كثيرًا حتى قلَّ بين الكورنثيين الحكماء والأقوياء (1كور1: 26). ضعف الرسول الجسدي وجهله الفكري وذلُّه الأجتماعي تحمله على التمَّسك بالله والأتكال على نعمته وأنوارِه، وعندئذٍ يشعرُأنه يعمل بطاقة الله ويحُّسُ براحةِ الضمير. حياته غير معَّقدة بين مشيئة الله وبين غرائزه الحسية. إرتباطه بالله يكون عن

محبَّة لا عن عادةٍ غير واعية. لقد فهم مهمته جيّدا ويُؤَّديها بحسن نية وبرغبةٍ وآندفاعٍ حميمين. وهذا فخرٌللمؤمنين أن يكون رسولهم بهذا المستوى من الأيمان والأمانةِ، كما سيكون المؤمنون

بدورهم فخرًا لرسلهم لأنهم إهتدوا الى الحَّق وعرفوا المسيح فعاشوه مصلوبًا، مُهانا ومُعَّذبًا فاديًا لهم. لقد إقتدى الرسل بالمسيح وبهم إقتدى المؤمنون وآجتمعوا كلهم معًا، في يوم المسيح،  في مجد الله

3* الأنجيل : لوقا 14 : 1 – 14

يسوع مدعوٌ على الطعام، يوم سبتٍ، في بيت فريسّيٍ. وتعَّمدوا في وضع مريضٍ أمامه وكانوا يراقبونه ليروا هل يشفيه، ليدينوه بتهمة عدم إحترام يوم الله. شَفاهُ فعلا ولامهم على نفاقِهم و غبائهم. لو وقعَ لأحد منهم إبنٌ أو حتى ثورٌ في بئرٍ يوم السبت فهل يدعونه يغرق أم يُسرعون في إنقاذه ؟. لم يجدوا جوابًا. لقد أفحمَ من أرادَ أن يُسَّجل عليه لزمة تدينه. بل أدانهم هو على نفاقِهم وزور إيمانهم. ومرض الغباء والنفاق لم يطل القادة فقط بل أفسدَ مَثَلهم عامة الشعب. كان الفريسي قد دعا أصدقاءَ من بطانته ومبادئه ليُثَّبتَ التجديف على يسوع. وبدوا كأغنياءِ  القوم لأنهم كانوا يتنافسون في آختيار المقاعد الأولى، كما يفعلُ بعضُ المسيحيين في الكنائس، لأبراز كلِّ واحد تفَوُّقَه على غيره. وقد حصلوا هم أيضا بطاقة إنذار على كبريائهم. من يُعطي القيمة لأنسان ليس هو نفسُه بل غيرُه ولاسيما من يرفعه الله. ومن يريدُ عملَ الخير لا يُطعمُ الأغنياءَ والمتمَّكنين فيقابلوه بالمثل. بل الفقراءَ والمتضايقين الذين يحتاجون الى من يُساعدهم في محنتهم ويُنقِذُهم من بلائهم. لا يقدر هؤلاء أن يرُّدوا الأحسان. سيَرُّدُه الله نفسُه لأصحابِه ، يوم القيامة ، لأنهم قاموا بعمل الله الذي أعطى الأنسانية قوْتَها و وَفَّرَ لها حاجتها ، إنما سَلَّم الأنسانَ أمرَ توزيعها بعدالة ومحبة

دعا الربُ الناس الى التفاعل مع الحياة بنظرة الله لا بالأحاسيس الأنسانية. ونسجَ الرسول على المنول نفسه مُبَّينًا في الواقع أنَّ حكمة الله أسلمُ وأحَّق. فرفع ” لاءاتٍ” عديدة بوجه ما يضُّرُ بالأنسان. منها : لا ، للكبرياء والأعتداد بالذات ؛ لا ، للنفاقِ والغباء ؛ لا ، لحب المظاهر؛ لا ، لطلب مدح الناس و تقديرهم ومجازاتِهم ؛ لا ، للتصرف على ضوءِ حكمة البشر ؛ لا ، للخجل من الألم والضيق من أجل الأيمان بالمسيح ؛ لا ، لليأس من سوءِ الأوضاع ولا من تكالبِ الشر والأشرار ضد الكنيسة ورسلها وأبنائها ؛  لا ، للتذَّمر والتشكي. ومقابل هذه اللآءات رفعَ شعارات” نعم ” قد تُحَّير الغرباءَ في ظاهرها، بينما هي حكمة إلهية ونسيجٌ من طبيعة الأنسان الروحية على صورة الله.  نعم ، وأهلا بالألم والشدَّة التي تنَّقي المؤمن من سوئِه وتضعه في مقام يسوع إذ يتمَّلُ به في آلامِه؛  نعم ، للأتكال على نعمة الله وليس على الذات والأنصياع لأرشادِه ؛ نعم ، لأداءِ الشهادةِ بحياتنا قبل الأكثار من المواعظ ؛  نعم ، للجهادِ لا بالسيف بل بالمحبة والبذل و السلم ؛  نعم ، للأفتخار بصليب المسيح الذي هو رمزنا وقوَّتُنا ؛ نعم ، للبساطة في الحياة ؛ نعم ، لنقاوةِ الضمير وراحتِه ؛  نعم ، للصمود في الرجاء بيوم القيامة الذي هو يوم الحساب والمجازاة. قد لا نستوعبُ دفعة واحدة كلَّ شيء ولا نفهمها ” كلَّ الفهم” . فهنا يبرزُ دور إيماننا بدعوتنا ومدى إتحادنا بالمسيح رأسنا وتفعيل ذلك الاتحاد.

القس بـول ربــان

Michigan SEO