الأحــد الأول للصـيـف

الأحــد الأول للصـيـف   

    2017.07.23

عيد الله  –   تذكار الـ 12 رسولا

تتلى علينا اليوم القراءات :  أع5: 12-32  ؛  1كور4: 9-16  ؛  لو14: 1-14

    2كور1: 8-14

1* القـراءة : أعمال 5 : 12 – 32

بدأ الرسل يبَّشرون ويتكاثر عدد المهتدين. ويَتَّفقُ المؤمنون كلهم على المحبة والشهادة. والرب يسند إيمانهم ويُؤَّيدُه بالآيات ولاسيما بالأشفية. يتقاطر المرضى والموجوعون ويتزاحمون على الطرقات لينالوا صلاة من الرسول فيشفوا. ولكثرتهم يُصَّفتون في الشوارع والساحات العامة ليمُرَّ بهم بطرس ويكفي أن يقعَ ظِلُّهُ على أحدهم فيشفى. لم يرقْ هذا للقادة صالبي يسوع. لقد خسروا الرهان و آنقلب عليهم سِحرُهم. لم يَهدِ يسوعُ في حياته سوى 120 مؤمنا. أما الآن فباتَ عددهم يربو الآلاف. كان مُبَشّرٌ واحد أصبحوا اليوم آلافًا مُؤَّلفة. فـ” آشتدَّت نقمة رئيس الكهنة وأتباعه” وسجنوا الرسل معتقدين أنهم بذلك يخنقون صوت الحق وينتصرون. فاتهم أنَّ مقاومة الحق دعايةٌ له وإثباتُ لآنتصاره. الربُ يُنقِذُهم من السجن. يُنهونهم من جديد بعدم التبشير، ولاسيما عدم القاء تبعية الصلب عليهم. رغم أنهم عند صلبه أعلنوا إستعدادهم لتحَمُّل مسؤولية الصلب ،” دمه علينا وعلى أولادنا “(متى27: 25). أما الرسول الذي أنكر معَّلِمه ” خوفا من جارية ” ! يُخاطرُ اليوم بسفكِ دمه شهادة لأيمانه ، فيُصَّرح أنَّه يجبُ الطاعة لله لا للناس قائلا :” إلَهُ آبائنا أقام يسوع الذي صلبتموه وقتلتموه، رفعه الله وجعله رئيسًا ومُخَّلِصًا “. بطرس يؤَّدي الشهادة ليسوع لا فقط ليُصَّححَ نكرانه بل لأنه بالأخص هو الذي يشهد ليسوع أمام العالم (أع15: 7)، وهو الذي ينوب عن المسيح ليُعلن الحقيقة الألهية. هو الناطق الرسمي بآسم يسوع الحَّي، وبسلوكه يشهد لصَّحة ما يدعو اليه

2* الرسالة : 1كور4 : 9 – 16؛  2كور 1: 8 – 14

وعلى غرار بطرس ورفاقه يسلك رسُلُ كل زمان ومكان درب الشهادة ، والشهادة جهادٌ يقتَحمُ دربَ الشدائد والضيقات. حتى وصفَ بولس حالة الرسل بأنهم ” أدنى الناس منزلة كالمحكوم عليهم بالموت علانيةً”. إنهم يُعانون “الجوع والعطش والعريَ والضربَ والتشَّرد والتعب..”، يُضطهَدون ويُفترى عليهم حتى شَبَّهَهم بـ” قذارةِ العالم ونفاية كل شيء”. ولكن هذا لا يُقَّلل من قدرهم وغيرتهم لأنه لا يمَّسُ كرامتهم. بل يُعَّظم قدرَهم ويفيضُ عليهم عزاءًا وراحة قلَّ مثيلُها. هكذا عوملَ رَبُّ المجد. وكلُ من” يحيا في المسيح حياة التقوى أصابه الأضطهاد” (2طيم 3: 12). هكذا يتمَّثلُ التلميذ بمعلمه. وهكذا يكون قدوةً للمؤمنين حتى لا ييأسوا في ضيقهم ولا يتخاذلوا أمام الصليب. لأنه وإن كان الصليبُ في نظر أهل العالم عارًا ومعثرة إلا إنه  مخاضُ الحياة (يو16: 20-21)، وطريق المجد (يو13: 31)، لأنه ” قدرة الله وحكمته في إبداءِ محبَّتِه ” (1كور1: 18).

تلك الشدائد والصلبان لا تُهبط من عزيمة الرسول. بل تقويها إذ تقودُه الى أن لا يتكل على ذاتِه بل على الله. لا يستندُ الى حكمة البشر التي تخدع أحيانا وتخون كثيرًا حتى قلَّ بين الكورنثيين الحكماء والأقوياء (1كور1: 26). ضعف الرسول الجسدي وجهله الفكري وذلُّه الأجتماعي تحمله على التمَّسك بالله والأتكال على نعمته وأنوارِه، وعندئذٍ يشعرُأنه يعمل بطاقة الله ويحُّسُ براحةِ الضمير. حياته غير معَّقدة بين مشيئة الله وبين غرائزه الحسية. إرتباطه بالله يكون عن

محبَّة لا عن عادةٍ غير واعية. لقد فهم مهمته جيّدا ويُؤَّديها بحسن نية وبرغبةٍ وآندفاعٍ حميمين. وهذا فخرٌللمؤمنين أن يكون رسولهم بهذا المستوى من الأيمان والأمانةِ، كما سيكون المؤمنون

بدورهم فخرًا لرسلهم لأنهم إهتدوا الى الحَّق وعرفوا المسيح فعاشوه مصلوبًا، مُهانا ومُعَّذبًا فاديًا لهم. لقد إقتدى الرسل بالمسيح وبهم إقتدى المؤمنون وآجتمعوا كلهم معًا، في يوم المسيح،  في مجد الله

3* الأنجيل : لوقا 14 : 1 – 14

يسوع مدعوٌ على الطعام، يوم سبتٍ، في بيت فريسّيٍ. وتعَّمدوا في وضع مريضٍ أمامه وكانوا يراقبونه ليروا هل يشفيه، ليدينوه بتهمة عدم إحترام يوم الله. شَفاهُ فعلا ولامهم على نفاقِهم و غبائهم. لو وقعَ لأحد منهم إبنٌ أو حتى ثورٌ في بئرٍ يوم السبت فهل يدعونه يغرق أم يُسرعون في إنقاذه ؟. لم يجدوا جوابًا. لقد أفحمَ من أرادَ أن يُسَّجل عليه لزمة تدينه. بل أدانهم هو على نفاقِهم وزور إيمانهم. ومرض الغباء والنفاق لم يطل القادة فقط بل أفسدَ مَثَلهم عامة الشعب. كان الفريسي قد دعا أصدقاءَ من بطانته ومبادئه ليُثَّبتَ التجديف على يسوع. وبدوا كأغنياءِ  القوم لأنهم كانوا يتنافسون في آختيار المقاعد الأولى، كما يفعلُ بعضُ المسيحيين في الكنائس، لأبراز كلِّ واحد تفَوُّقَه على غيره. وقد حصلوا هم أيضا بطاقة إنذار على كبريائهم. من يُعطي القيمة لأنسان ليس هو نفسُه بل غيرُه ولاسيما من يرفعه الله. ومن يريدُ عملَ الخير لا يُطعمُ الأغنياءَ والمتمَّكنين فيقابلوه بالمثل. بل الفقراءَ والمتضايقين الذين يحتاجون الى من يُساعدهم في محنتهم ويُنقِذُهم من بلائهم. لا يقدر هؤلاء أن يرُّدوا الأحسان. سيَرُّدُه الله نفسُه لأصحابِه ، يوم القيامة ، لأنهم قاموا بعمل الله الذي أعطى الأنسانية قوْتَها و وَفَّرَ لها حاجتها ، إنما سَلَّم الأنسانَ أمرَ توزيعها بعدالة ومحبة

دعا الربُ الناس الى التفاعل مع الحياة بنظرة الله لا بالأحاسيس الأنسانية. ونسجَ الرسول على المنول نفسه مُبَّينًا في الواقع أنَّ حكمة الله أسلمُ وأحَّق. فرفع ” لاءاتٍ” عديدة بوجه ما يضُّرُ بالأنسان. منها : لا ، للكبرياء والأعتداد بالذات ؛ لا ، للنفاقِ والغباء ؛ لا ، لحب المظاهر؛ لا ، لطلب مدح الناس و تقديرهم ومجازاتِهم ؛ لا ، للتصرف على ضوءِ حكمة البشر ؛ لا ، للخجل من الألم والضيق من أجل الأيمان بالمسيح ؛ لا ، لليأس من سوءِ الأوضاع ولا من تكالبِ الشر والأشرار ضد الكنيسة ورسلها وأبنائها ؛  لا ، للتذَّمر والتشكي. ومقابل هذه اللآءات رفعَ شعارات” نعم ” قد تُحَّير الغرباءَ في ظاهرها، بينما هي حكمة إلهية ونسيجٌ من طبيعة الأنسان الروحية على صورة الله.  نعم ، وأهلا بالألم والشدَّة التي تنَّقي المؤمن من سوئِه وتضعه في مقام يسوع إذ يتمَّلُ به في آلامِه؛  نعم ، للأتكال على نعمة الله وليس على الذات والأنصياع لأرشادِه ؛ نعم ، لأداءِ الشهادةِ بحياتنا قبل الأكثار من المواعظ ؛  نعم ، للجهادِ لا بالسيف بل بالمحبة والبذل و السلم ؛  نعم ، للأفتخار بصليب المسيح الذي هو رمزنا وقوَّتُنا ؛ نعم ، للبساطة في الحياة ؛ نعم ، لنقاوةِ الضمير وراحتِه ؛  نعم ، للصمود في الرجاء بيوم القيامة الذي هو يوم الحساب والمجازاة. قد لا نستوعبُ دفعة واحدة كلَّ شيء ولا نفهمها ” كلَّ الفهم” . فهنا يبرزُ دور إيماننا بدعوتنا ومدى إتحادنا بالمسيح رأسنا وتفعيل ذلك الاتحاد.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO