الأحـد السابع للرســل

الأحـد السابع للرســل 

       2017.07.16

تُتلى علينا اليوم القراءات : اش5: 8-25  ؛  1كور15: 58 – 16: 21  ؛  لو13: 22-35

1* القـراءة : اشعيا 5 : 8 – 25

الويلُ للظالمين الغَّشاشين الذين يُبَّررون الأشرار ويدينون الأبرار. الويل للجهلاء، الحكماء في أعين أنفسهم. الويل للذين يُجَّربون الله أو يحاسبونه. الويل للمنافقين الذين يُغَّيرون الحق بالباطل والخير بالشر. الويل لمتعاطي المسكر. هكذا شَّخصَ اللهُ سُقمَ شعبِه وعَّددَ جروحَه. و الحبلُ على الجَّرار.  وكلُّ جرح له أسبابُه و نتانته. ولكل جرح عواقبه الوخيمة. وتجتمع كلُّها بنهايةٍ واحدة : إنحطاط الأنسان وفقدانه كرامته. لقد نبذوا شريعة الله وآحتقروا قداسته. إستهانوا بقدرته وعظمته. فسحب عنهم حمايته وفتح الطريق للأعداء أن ينهشوا جسم الأُمَّةِ الناكرةِ للجميل والمتكَّبرة، فتمَرَّغَ أنفُها في وحل الخزي والعار في حقولِ السبي، وآحترقت أوصالها بالندم والأسى واليأس

هذا هو مصيرُ الأنسان الذي لا يعترف إلا بنفسِه. سيتندَّم ويتألم. لأنه مهما تثَقَّف أو تقَوَّى أو إغتنى أو تمَجَّد سيبقى كلَّ ذلك خيطًا من إشعاع جبروت الله وحكمته ومجده، وقبسًا من صلاحِه، وحفنةً فقط من خيراته. إنَّ ما يقتنيه الأنسان أو يعمله ليس سوى هِبةٍ من خيرالخالق وظلٍ من كينونته. ليس للأنسان ما يقتنيه من ذاته وبذاته. الله هو مصدرُ كل طاقةٍ للأنسان. وطاقاته مُسَّيرة بهدفٍ و نظام ، وتُسَّمى ” الشريعة “. فشريعة الله نورٌ للأنسان وقوة. إنها ” مقَّدَسة..عادلة وصالحة ” (رم7: 12)، لأن فيها ” أصول المعرفة والحَّق” (رم2: 20) ، و تختصِرها ” المحبة ” (متى22 : 37-40). ولهذا جاءَ المسيح ليُثَّبتَ الشريعة، الروحية و الآلهية الأصيلة (متى5: 17)، حتى يعودَ الأنسان الى محَّبة الله وإلى إلتزام شريعته، فـيحيا بكرامةٍ وراحة

2* الرسالة : 1كور 15 : 58 – 16 : 21

ويسَّمي الرسولُ هذا الألتزام “عمل الرب”. وأحدُ أعمال الرب هو الرحمة والعناية بالمعوزين. فالرب كثَّر الخيرات لآطعام الناس. لكنَّ ظلمَ الناس حرمَ الكثيرين من قوُتِهم. والكوارثُ الناتجة عن خطيئة الأنسان جَوَّعت الضعفاء والفقراء. وشريعة الله تدعو الى محبة القريب. والقريبُ الجائعُ أولى بالأهتمام به. وأصابت مجاعة فلسطين. وإذ وُضِعَ المؤمنون بالمسيح في مرصادِ كُرهِ اليهودِ وحقدِهم أصبحت المجاعة تجاههم أقسى من غيرهم. عندئذٍ شَمَّرَالرسول عن ساعدِ المحَّبةِ ، وأشغل مُحَرِّكَ الرحمة في الرعايا اليونانية بنوع خاص لجمع ” التبرعات للأخوة القديسين ” (آية 1)، و نظَّم حملةً في كل الكنائس وحَدَّدَ كيفية جمعها وإرسالِها الى أورشليم. إيمانهم طريٌّ ورجاؤُهم وطيدٌ بأنَّه هكذا يُعاشُ الأيمان ، فَـفَعَّـلوهُ.

وعبرَ الرسولُ كِرامًا على أخبارٍ كثيرة منها أنَّ خصوما عديدين يُقاومون جهوده التبشيرية. فأبدى نصيحته لأهل كورنثية أن يحذروا ويكونوا متيَّقظين فلا ينخدعوا، وأن يثبتوا في الأيمان فلا يتزعزعوا بالعاصفة العاتية. إنها ستهدأ من نفسها وتسقط رياحها. ثم يدعوهم الى الجهاد ، لا كالأطفال بل كالرجال، جهادًا قويًا مستميتًا يقود الى النصر؛ جهادًا لا يستند الى أسلحة الدم المُدَّمرة بل الى المحبة المُعَّمِرة ، قائلا ” إعملوا كلَّ شيءٍ بالمحَّبة ” (آية 14)

3* الأنجيل : لوقا 13 : 22 – 35

الشريعة، الرحمة ، المحبة والجهاد ليست لمُتْعةِ الجسد وراحتِه. بل يستثقلها لأنها تمنعه من أن

يتبع شهواته الطبيعية وميوله الغريزية. لهذا سمَّاها الرب ” الباب الضَّيق”. جاءَ ذلك جوابًا لسؤال طرحَه مؤمن بخصوص ” هل الذين يخلصون قليلون “؟. ربما إنبثق عفويًا كصدى لقول الرب :” إن لم تتوبوا فجميعكم تهلكون كذلك”. كان جوابُ يسوع صريحًا ومباشِرًا. كلُ الناس تشتهي وتتمَّنى أن تخلص. وكثيرون يتفاعلون مع رجائِهم ويحاولون دخول الفردوس. لكن لا يفلحُ جميعهم. للعودة الى الفردوس يلزم الأمتناع عن شهوات الجسد لأنَّ” الأهتمام بالجسد موتٌ.. إذ هو تمَرُّدٌ على الله.. وهذا لا يُرضي الله” (رم8: 6-8). ومن أراد الحياة عليه أن “يُميتَ بالروح أعمالَ الجسد” (8: 13). لأنَّ الجسدَ مائتٌ وفاسد. ومثله لا يقدرُ أن يرثَ ملكوت الله الخالد (1كور15: 50). وطريقة الحياة الروحية ليست لذيذة ولا مُبهجة للجسد. إنها بذلٌ وتضحية. فيسوع ” إبن الأنسان بذل نفسه”، و” أحبه الآب لأنه ضَحَّى بحياتِه” (يو10: 17-18). وعلى التلميذ أن يكون مثل معَّلمه ( متى10: 25)، فيشاركَ المسيح ” أولا في آلامِه – درب البذل والتضحية – كي يشارِكه أيضا في مجدِه” (رم8: 17).

هذا هو الباب الضَيّق أن يصمد المؤمن بوجه الشَّر أولاً في ذاتِه فلا يستجيب لكل نزوات الجسد. إمتيازات المعمودية لا تنقذه. بل ليست الأسرارُ إمتيازًا كأنها قادرةٌ ، لوحدها دون إعتبار قابلها، أن تضمن الخلاص. فالأسرار وسائل النعمة الألهية لتساعد لا لتُعَّوضَ عن جهد الأنسان. إنها سلاح بيد جندي. على المؤمن أن يجاهد للحق ويصمد في الحب ويثق بالله فيرجو الخلاص. ما سمَّاه يسوع بـ” الباب الضيق ” الذي يوجع ويؤلم، دعاه الرسول ” إماتة الجسد” الذي يغري ويؤثم. على المؤمن أن يحذر منه ويقي نفسَه شَرَّه بسلوك طريق الروح

وقد واجه يسوع خطر الموت مرارًا عديدة بسبب تشديده على الباب الضيق والتنديد بالمنافقين الذين يتظاهرون بالبر والتقوى لكن حياتهم، قلبَهم وفكرهم، فارغان من معرفة الله ومحبته. حتى هيرودس الأبن حاول مثل أبيه قتل يسوع ليُزيحه عن طريق مُلكه. هيرودس تبع شهواته أما يسوع فلم يستسلم للضعف البشري ولا بحث عن راحته. بل جاهد ليُضيءَ مصباح الحق على حساب راحته ولذته. جسده تعَّذب كثيرا. بل مات. نعم أمات يسوع جسده على الصليب لتحيَا روحُه ويُسَّلمَها الى خالقها طاهرة نقية. عبر الى الحياة الأبدية في باب مؤلم وقاسٍ جدًّا، ضايقه عند عبوره كما ضايقت الحيطان وأذَّت رِجلَ بلعام. كان ” ممَّرًا ضَيّقًا “(عدد22: 24).

فباب الحياة الأبدية ” ضَيّقٌ” لا يعبر فيه إلا من ” ينكر نفسه ويحمل صليبَه ويتبع الرب”. من يرفض الصليب لن يتعَرَّف اليه الرب يسوع حاكم الكون. ومن يبتعد عن الألم من أجل الحق و العدل والمحبة ، بسبب راحة الجسد، يُبعده الرب عن الخلاص. فقد يقُلَّ عددُ المخَّلَصين أو يكثُر بحسب تجاوب الأنسان مع دعوةِ الرب الى القداسة و نعمته المساعدة

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO