جمعة الآلام‎

جمعة الآلام‎

لقد ضــاع الحَّق ، وآنقـلبت الآية

  لا أجد فيه عِلَّةً تدينُه. أُطلقُ ملككم 

  أُقتل هذا وأطلق لنا برأبّا. وكان برأَبَّا مسجونا لفتنة وقتل. لو23: 18-25

”  أُؤَّدبُه وأُطلقه

”  هوذا الرجل. أصلبه ! أُصلبه 

” أ  أصلب ملككم ! لا ملكٌ علينا  غيرُ قيصر !  ”  يو19: 1-15

عدالة بشرية يندى لها الجبين. البريءُ يُدان والمجرم يُخلى سبيلُه. قِيَمٌ باتَ أهلُ العالمُ يُقَّدسُها ولكن إذا دارت على أهله الدائرة ولدغتهم أشواكها يشجبونها ويلعنونها

بيــلاطس 

بيلاطس يعلم أنَّ الأحبار من حسدهم أسلموا يسوع اليه (مر15: 10). بيلاطس يُؤَّكد علنا ” لا أجد فيه ما يستوجب الموت” (لو23: 22). بيلاطس يتبَرَّأُ على المشاهد من دم يسوع ويغسل يديه دليلا على قناعته وحُكمهِ (متى27: 24). لكن بيلاطس الذي تبختر أمام يسوع فهَدَّده (يو 19: 10)، يهتَّز لأبتزاز الأحبار ويرعبه تهديدهم ” إن أخليت سبيله لستَ من أصدقاء قيصر” (يو19: 12)

يحاول في البداية أن يُطلقَ سراح يسوع.  فيلحُّ على براءته. ثم يجلد يسوع ويُعذبه ليُحَّطمه في عيون أعدائه ليكسرَ حُجَّتهم بأنه لا يُخيف ولا يقدرأن يخالف ، فيحتويَ بذلك غضبهم. و آقترحَ إرضاءهم بإخلاء سبيله للعيد. لكن كل محاولاته باءت بالفشل لأنها إصطدمت بجدار من الرفض المُبَّيَت والقاطع للأحبار والشيوخ وحقدهم الدفين ضد يسوع. لقد أصبح الأمر بينهم  مصيريا. وليس بيلاطس مستعِدًا أن يخسر منصبه لأجل شخص نبذه شعبه ولا ينفع الدولة بشيء. أما الحَّقُ والعدل فمن يشتريهما؟. هكذا ردَّ على يسوع :” وما هو الحَّق”؟. وأسلم لهم يسوع ليصلبوه ، ونفسُه تقول :” نارُهم تأكلْ حطبَهم” !

الأحبـار

لقد نشب عِداء الأحبار ليسوع من زمن بعيد. فقد ألهبَ الحقد في قلوبهم. إنه لا فقط حَيَّرهم ( يو11: 24)، وتحَّدى سلطانهم ” بأي سلطان تفعل هذا ” (متى21: 23)، بل وإنَّ سمعته غطَّت عليهم حتى إبتعد الشعب عنهم ومال اليه يتبعه (يو12: 19). لقد إفتخروا أنهم لم يؤمنوا به، و ما الذين آمنوا به سوى ” الرعاع الذين يجهلون الشريعة فإنهم ملعونون” (يو7: 48-49). وقد حَزَّ ذلك في نفوسهم وباتوا قلقين على مصيرهم. وآشتَّدَ العداءُ فتحَوَّلَ الى صراع مستميت. و قالوا ” إذا تركناه وشأنَه آمن به جميع الناس” (يو11: 48). إقامة لعازر قصمت ظَهرَ بعيرهم فقرروا قتل يسوع (يو11: 53) وحتى قتلَ لعازر الذي بسببه” أخذ اليهود ينصرفون عنهم و يؤمنون بيسوع “(يو12: 11). فبدأوا يتعَّقبونه ورصدوا المبالغ لمن يدُّلهم عليه. مما دفع يهوذا الطماع السارق (يو12: 6) الى الأتفاق معهم على تسليمه (متى26: 14-15). ولما وقع “الطير في الفخ” لم يشاؤوا أن يفلت منهم. فآستماتوا لتنفيذ قرارهم في أماتته وآستعملوا كل حِيَلِهم القذرة لتحقيق مأربهم. قبل أيام حاولوا إيقاع يسوع في فَّخِ تهمة خيانةِ أمَّته بتشجيع إعطاء الجزية للمُستعمر، واليوم هددوا الوالي بالخيانة لقيصر روما إنْ لمْ يُلَّبِ طلبهم. وفضلوا إطلاق سراح قاتل ولص ، بل إستعملوا سلطانهم الروحي ليقنعوا ” الجموع على المطالبة بإهلاك يسوع “(متى27: 20). وسيستعملون الرشوة حتى بعد القيامة لأخفاء الحقيقة (متى28: 12-14)

يســوع

محاكمة يسوع مهزلة بشرية سَوَّدت تأريخ الأنسان. و يسوع الذي ” ولد وجاء ليشهد للحق و العدل” ظلَّ ” أمام الظلم والأرهاب ” صامتا ساكتا وكأنه أطرشُ وأخرسٌ منذ مولده. عرف براءة نفسه وأنه لم”يرتكب خطيئة، ولا عرف فمه المكرَ”(1بط 2: 22)، بل عرف ذلك حتى أعداؤه و لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه خطيئة (يو8: 46). مع أنَّ الأحبار جاهدوا ” يطلبون شهادة زور على يسوع ليقتلوه، فلم يجدوا ” (متى26: 59). إتهموه وأهانوه،” أمَّا هو فما رَّدَ على الشتيمة بمثلها. تألمَ للظلم لكنه ما هَدَّد أحدًا. بل أسلم أمره للديان العادل” (1بط2: 23). إنَّ سكوت يسوع محَّيِرٌ اليوم كما حَيَّر الأحبار(متى26: 62-63)، و بيلاطس (يو19: 9-10). إنْ كان العالم يحتار إلا إنَّ المؤمن يعرف لماذا سكت يسوع

لا يُصَّرف أهل العالم السكوت على الظلم والضيم. وبحجة الدفاع عن الحقوق وتحقيق العدالة يقترفون مظالم أبشع من التي تقع عليهم. أما يسوع فلم يقاوم الشر بالشر، ولم يُدافع عن نفسه. لكنه سبق ودافع عن قداسة الهيكل (يو2: 15-17). لم يُقاوم المهاجمين عليه لكنه أنقذ تلاميذه من شَّرغضبهم (يو18: 8). رفض إستعمال العنف للدفاع عن نفسه لكنه أدان العنف في التحقيق معه ومحاكمته (يو18: 23)، كما سبق وأدانه سلاحًا لإسكات معارضيه (لو 9: 54-55). نعم أدان العنف والظلم والأستهتار لكنه رفض في نفس الوقت مقاومتها بالمثل، ” لا تقاوموا الشرير”( متى5: 39)، وآغلبوا الشَّرَ بالخير(لو6: 27-30؛ رم12: 21). وطبق ما أمر فمنع بطرس من القتل وشفى خادم رئيس الأحبارالذي هجم عليه ليؤذيه (لو22: 50-52؛ يو18: 10).

بطرس إفتهم الدرس بعمق. ولم يبخل علينا بتفسيره. بل كشف لنا عن لماذا تصَّرف يسوع  هكذا. يقول :” الى مثل هذا دعاكم الله. فالمسيح تألم من أجلكم. وجعل من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه ” (1بط2: 21). يسوع قال الحق ولم يكذب، وهذه دعوتنا. ثم برهن على أنَّ الشرَّ لا يوقفه شر أقوى، وهذا درسنا. كان قادرا على الأنتقام والنيل من كرامتهم بإبادةِ بل محو كل أعدائه. لكن ذلك شَّر بطبيعته. والله يكره الشر لأنه لا شر فيه بل كله خير ومحبة. والأنسان صورة الله وحياته من نفس الله ذاته مجبولا في الحب والخير. والشهادة للحق والبر من دعوة الأنسان. ولهذا منع أتباعه رفعَ السيف في وجه الأعداء وسفكَ دمائهم وعلمهم بصبرهم على الضيم محبة العدو وكَسبِه للحق والحب. ولم يُبغض الأحبارُ يسوعَ إلا لأنه شهد في كل شيءٍ للحق. ولم يقتله الأحبار إلا لأنه إذ قال بأنه المسيح إبن الله رفض أن يُسايسهم ويتبنّى سلوكهم. واليوم أيضا يبغضُ أهل العالم المسيحيين ويضطهدونهم ويقتلونهم لأنهم شوكة في عيون دجلهم ، وإصرارهم في الأمانة لأيمانهم توبيخٌ لضمائرهم المنحرفة  

يسوع لام القادة من الولاة أو الأحبار وحَذّر الناس من الأقتداء بهم لأنهم زاغوا عن الحق. لأنهم نعتوا الحق بالكذب فحَّطوا من قدره و مدحوا الكذب فعَلَّوا شأنه. قلبوا موازين القيم و غشوا مقاييس الفكر والعاطفة. لهذا دعاهم يسوع الى التوبة وتغيير هذا السلوك اللاانساني. و عاش نموذجا يقتدي به الناس. ودفع ثمن تعليمه، لكنه صمد في الحق. والألم في عمل الخير أفضل من الألم عقابا للشر. هكذا تعَلَّم بطرس الدرس من آلام يسوع (1بط3: 14-17). فقصة الصلب هي قصة الصراع بين الخير والشر. وخبر التألم بسكوت هو درس كيفية مقاومة الشر. سلاح مقاومة الشرهو عمل الخير. وهذا ما فعله يسوع من فوق الصليب :” يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”. لا يدرون أنَّ العنف لا يغلب الشر. بل الحب والخير هما علاج القضاء عليه (رم12: 21). 

عرف يسوع أنه مهما قسى البشر معه إلا إنَّهم لا يقدرون أن يحرموه المجد عند الآب، ولا أن يُبطلوا الحَّق ويُمَجّدوا الباطل. عرفَ أنَّ الله لن يُغَّيرَ موقفه منه. لقد رضي عنه منذ البداية (متى3: 17؛ 17: 5). وقد حفظ له المجد الذي يوليه إياه بعد إنتصاره بصموده في الحق، و إرضاء الله حتى النهاية (يو 12: 23). لا فقط له وحده بل لكل من يؤمنون به ويجاهدوا مثله  ويحفظوا الأمانة بفرح (2طيم 4: 8). المحبة والغفران، الصبر والرجاء هي رسالة الصلب و القيامة، وهي  الدعوة التي يريدُ يسوع أن يُورِثَها كنزًا لكنيسته. وطلب من كنيسته أن تورثَها للعالم أجمع. هذا هو الله. هذا هو ما يريده. هذه أخلاقه. وعلى الأنسان، كلِّ إنسان، أن يتبَّناها. الى هذا أشار مار بطرس عندما قال:” الى مثل هذا دعاكم الله، أن تعملوا الخير وتصبروا على العذاب ” (1بط2: 21). فمن يؤمن به يتحَّول الى حب وغفران و يمحو من حياته الكره والعنف و اللامبالاة. على الكنيسة أن تشهد لهذا عبر الأجيال (أع1: 8) و تعلمَّه كل الناس مدى الأزمان (متى28: 20) أنَّ الأنتصارَ هو للحب الذي لا يزول ولا ينقطع للأبـد (1كور  13: 8)

مأساة عاشها يسوع وتفاعل معها بإيمان لا بالمشاعر. بيَّن قساوتها و وحشيتها. هذا هو ما يستطيع العالم وأهله أن يُجروه للحياة. قيمة الحياة عندهم هي بالقول، كورقة إعلام ، لتحقيق منافع. ولكن لا أحد مستعد أن يموت لينقذ الحياة ويصون كرامتها. فما يحكم في الواقع هي  الأهواء والأحاسيس ولاسيما المصالح الدنيوية. لقد إنقلبت الآية فعلاً وضاع الحَّقُ عند أهل العالم. أما ما فعله يسوع فكان من أجل حماية الحياة بوضع الأنسان على خط الحق والبر والإخاء. ضَحَّى بنفسه وصمد في العذاب والأهانة ولم يُضَّحِ بالحق

                و بألم المسيح وصبره عاد الحَّق الى الساحةِ وآرتفع فتمَّجَد

                             وآستعاد الحبُ آيته ورفع ساريتَها

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO