الأحــد الخامس للصـوم

الأحــد الخامس للصـوم  

    2016.03.06

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 7: 37-53 >::- يسوع في أورشليم تندهش الجماهيرُ من عذوبة خطابه ولطفه، ونفاذ كلامه إلى أعماق النفوس فتلتَّذُ به وتنجذبُ اليه وترتاح قربَه. حسده القادة الدينيون ونالتهم الغيرة منه لأنه كسب ثقة الجماهير وصارت تؤمن به مسيحًا و تتبعه (يو11: 48؛ 12: 19). رفض الرؤساءُ الأيمان به مدَّعين أنهم لا يعرفون أصله (يو 7: 27) ولمْ ينتم ِالى حلبتهم، بل حَّذروا الشعبَ من الأيمان به وقرروا الطردَ من المجمع لكل من يؤمن به (يو9: 22). ثم حاولوا القبضَ عليه لإيقافِه حدَّه، وقتلِهِ إذا آقتضى الأمر. و كان “الأحبار يتلمَّسون حيلةً يمسكونه بها ويقتلونه، لكنهم قالوا لا نفعلُ ذلك في العيد” (مر 14: 2). لأنَّ أورشليم كانت تغُّصُ بالزوار بسبب الإحتفال بأحد أهم الأعياد الدينية ألا هو عيد المظال

جادل يسوعُ الرؤساء وأحرجهم فضايقوه. ثم أرسلوا حرسًا يُباغتُه و يُمْسِكُ به. لكن هيبته فرضت نفسَها على الجميع بحيث رجع الحرس دون تنفيذ أمرهم بإيقافِه لأنهم لمْ يسمعوا قط “إنسانا يتكلم مثلَ هذا الرجل”(آية 39). في هذا الجو المشحون ضدَّه والمنقسم عليه وقف يسوع في اليوم الأخير من العيد وهو” أعظمُ أيامِه” (آية 37) وصاح” بأعلى صوتِهِ “، ربما ليسمعه الجميع بآنتباهٍ وآهتمام : “من كان عطشان ليَأتِني، ومن آمن بي فليشرَبْ “. وأضافَ مستشهدًا بالكتاب المقدس :” كما قالَ الكتاب: تجري من صدرِه أنهارُ ماءٍ حَّي” (آية 38)

كما قال الكــتاب   

أيُّ كتاب قال؟ وماذا قال؟. لا شكَّ أنه يقصدُ أسفار العهد القديم الذي حفظَ كل النبوءات عنه والذي يُقرأُ كل سبتٍ في المجمع ويُفَّسَر. لقد فعلها يسوع نفسه (لو4: 16-21) وعلى مثاله دأبَ المسيحيون أيضا منذ البدء في قراءة الكتاب وتفسيره بشكل عملي وحيوي. وفعلا لقد تحدَّثَ الكتابُ عن المياه والحياة. وخرجت أولى أشكال الحياة من المياه ،” لتَفِض المياهُ، قال الرب، خلائقَ حَّية”(تك1: 20). ذكر حزقيال النبي مياهًا،علينها في الرؤيا، تخرجُ من تحت عتبة الهيكل وتجري من جانب الهيكل،عبر المذبح، وتشكل خارجه نهرًا يجري في صحراء قاحلة يُحَّولها الى جنة خصبة ، يتَّسعُ حتى يتصل بالبحر الميت حيث تُحَّولُ مياهه الى عذبة. كلُ الأحياء يزحفون بآتجاه النهر فيحيون، وحيثُ ما بلغت مياهه تُحييه، لأنه تنمو على شواطئه أشجارٌ مثمرة، ورقها لا يذبل وثمرها لا ينقطع. ويحملُ كلَّ شهر ثمرًا جديدًا، ويقول الكتاب ” لأنَّ مياهه تخرج من الهيكل. ثمره للطعام و ورقه للشفاء “(حز47: 1-12). ويقول النبي يوئيل بأنَّ ينبوعًا يخرج من بيت الرب (يؤ4: 18)، وزكريا بأنَّ مياهًا حَّية تخرجُ من أورشليم لا تنضبُ شتاءًا وصيفًا(زك14: 8)

نجدُ لهذه النبوءة صدى في العهد الجديد وصورة ذكرها يسوع عند لقائه مع السامرية حيث قال لها :” مَن يشربُ مِن الماء الذي أعطيه أنا لن يعطشَ ثانية ًبل يصيرُ فيه نبعَ ماء يتفجَّرُ حياة أبدية”(يو4: 13-14). وأمامنا النصَّ الذي نتأملُ فيه، وسيذكرُ سفر الرؤيا ” نهرَ الحياةِ الصافي ينبجسُ من عرشِ الله والحمل ، وشجرُ الحياة على ضفتي النهر يُثمرُ إثنتي عشرة مرَّةً، كلَّ شهر مرة، ويَشفَى بورقِه الوثنيون”(رؤ22: 1-2)

تجري من صدره أنهار ماء حي 

وعندما يُرفعُ يسوع على الصليب ، وقبل أن يُسَّلمَ الروح سيقول : ” أنا عطشان ” (يو19: 28)، كما سبقه شعبُ الله في برّية سيناء وآشتكوا عطشَهم فأخرجَ لهم الرب ماءًا من صخرةٍ (عدد20: 5-11) قال عنها مار بولس :” وهذه الصخرة هي المسيح” (1كور10: 4). وبعد موتِه سيُجرحُ جنبُه ويخرجُ من صخرةِ صدره دمٌ وماءٌ. وسبقَ وقالَ بأنه هو هيكلُ اللهُ : ” أُنقضوا هذا الهيكل أنا أُقيمه في ثلاثة أيام…وعنى هيكل جسده” (يو2: 19-21). وقد تفَّجرَ من جنبه ، كما من صخرةِ سيناء (خر17: 1-7) وكما من جانب الهيكل(حز47: 1..)، نبعُ ماءٍ جرى تحت مذبح الجلجلة وصار بيد الكنيسة نهرَ ماءٍ غزير لا ينضبُ يُحيي بالمعمودية و يُنعشُ النفوس التي صحَّرتها الخطيئة و أيبست الحياة في الوثنيين. من صدرِ يسوع ” صخرة الأيمان” الذي أصبح رأس زاوية بناء الكنيسة (متى22: 42؛ لو20: 18)، فجَّر يسوع الحياة الجديدة ،الروحية، للناس لا فقط بتعليمه (يو 6: 63) ولكن أيضا بإعطاء ذاته ذبيحة حية غذاءًا روحيا أبديا لهم يأكلونه ويشربونه (يو6: 54)، وماءًا عذبًا يُروي غليل العطشَى الى معرفة الحق وضمانا لمن يطلبون الحياة الأبدية (متى19: 16)

قال يوحنا بأنَّ يسوع “قصد بأنهار من الماء الحي الروح القدس المزمع أن يُرسله يسوع و يتلقاه المؤمنون به” (آية 39). الحياة التي خرجت من الماء الذي كان الروح يرفرف عليه منذ البدء (تك1:1) ستتجَّددُ وتخرجً من ماء المعمودية وبقوة الروح القدس أيضا. والمسيح يسوع هو الذي سيُرسلُ الروح من عند الآب (يو15: 26؛ 14: 26). هذا الروح الذي سيتجَّلى في المؤمنين بآلاف المواهب تُصبحُ كل موهبة نهر حياةٍ لخير البشرية (1كور12: 7-11). وتنعم البشرية بالراحة لأنَّها دخلت عالم الروح وبدأت تسلكُ سبيله (رم8: 5؛ غل5 : 16)، و لأنَّ ” الروحَ ينزع الى الحياةِ والسلام”(رم8: 6). بعد القيامة أُفيضَ الروح على البشرية (آية 39) و بذلك أصبح موتُ يسوع وقيامته مرحلة حاسمة في تحقيق خطط الله و إتمام مواعيده في وقتها لتجديد الخليقة في المسيح (2كور5: 17)

والمسيح هو حجر الزاوية في البناء الجديد. هو هيكل الله ومن صدره تفجَّرَ نبع مياه الحياة العذبة والمحيية. والبشرية العطشى صرخت الى الله ليهديها الى سبيل الحق والبر هوذا الله يُفيضُ عليها الروح الذي سيرشدها الى الحق كله (يو16: 13)، الذي نفخه يسوع في رسله بعد القيامة (يو20: 22). لذا وجَّه يسوع نداءَه الى كل عطشان أن يذهبَ إليه مؤمنًا ويشرب حتى يرتوي (آية 38). فيسوع وحده قادرٌ على إرواءِ غليل من يعطشون الى الحَّق لأنه وحده إلـهُ الحق والبر، و وحدَه يضمن، بعدَ أن صمد في الحق وتألم وتمَّجد، إعطاء الروح لمن يؤمنون به. و” من آمن وآعتمد يخلص ومن لم يؤمن يُدان” (مر16:16). لأنَّ من يرفضُ الأيمان به يرفضُ أيضا موهبته. فمن يبحثُ عن الحق ويريدُ البر ويطلبُ الحياة لن يجدها إلا عند يسوع الذي إستحَّق للبشرية ما وعده الله في اشعيا :” أُفيضُ المياهَ على العطشان والسيولَ على الأرض القاحلة. وأسكبُ روحي على ذُريَّتِكَ وبركتي على نسلكَ” (اش44: 3) ، وفي يوئيل :” أُفيضُ روحي على كل البشر، فيتنبَّاُ بنوكم وبناتكم ..” (يؤ3: 1-2؛ أع2: 17-21 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO