الأحـد الرابع للصـوم

الأحـد الرابع للصـوم 

    2016.02.28

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى21: 23-32 >::- ويَروي لنا خبَرين أولهما عن إعتراض القادة اليهود على يسوع على تدخله في شؤون الهيكل وطره الباعة والصيارفة ، مطالبين بآحترام حقوقهم وبتبرير تصَّرفه : من خوَّله هذا السلطان ؟. من يحسبَ نفسَه حتى يتحَّداهم وهم يُدَّبرون شؤون الهيكل والأمة بأمر من الله؟. حتى يرُّدَ عليهم سألهم : من هو يوحنا بالنسبة اليكم؟. وإذ رفضوا أن يرُّدوا عليه رفضَ بدوره أن يُبررَ موقفَه ويكشفَ لهم من هو!. وحتى يُبَّررَ يسوع موقفَه ويكشفَ سوءَ نيتهم أعطاهم مثل والدٍ له إبنان ، وهو الخبر الثاني ، و طلبَ الوالدُ من الكبير أن يذهب ويعمل في الحقل فرفضَ الأبنُ لكنه تنَّدمَ بعدَه و ذهب فآشتغل. وطلب من الأصغر فرَّحبَ بالأمر و وعدَ أن يذهب ويشتغل في الحقل، لكنه أدارَ بعدَه ظهرَه للوالد ولم يذهب الى الحقل. ولما سألَ القادة : من سمع كلام الوالد؟. قالوا بلا ترَّدُد ” الأول”. وعندها حَّسوا أن يسوع فضحهم إذ كشفَ عدم إستجابتهم لأرادة الله ، فأرادوا أن يثأروا لجرحهم البليغ لكنهم لم يستطيعوا، بل كبتوا غيظهم ليسكبوه بعده بحرًا من العنف ويقضوا على يسوع بقتله

الأبـــنان ! من هُــما  ؟

وصفَ يسوع نماذج الأبن الأول وحدَّدَهم بالعشارين والخطأة. وهذه الفئات من المواطنين إعتبرهم اليهود خارج مشروع الخلاص. وحتى أدانهم أحدهم وهو يُصَّلي الى الله قائلاً: ” و لستُ مثل هذا العَّشار” (لو18: 11). لكن” العشَّار” مهنة و وظيفة فقط ، و” الخطأة ” حالةٌ سلوكية لا أكثر. أما الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا “عشارين وخطأة ” أو” فريسيين و صدّيقين” من صنف الأبن الأول، فهم في فكر يسوع ” الوثنيون”. لأنَّ الوالد الواحد هو الله. وله ابنان في الكون هما ” المؤمنون والمُلحدون”. هكذا كانت البشرية منقسمة الى فئتين : الذين يؤمنون بالله الواحد الحق، الخالق والراعي والدّيان< اليهود>، والذين لا يؤمنون به <الوثنيون> الذين يعبدون أصنامًا أقاموها لأنفسهم آلهة ًليس لها لاحياةٌ ولا قوة. وأصنامهم الحقيقية هي المال والقوة والشهوة. هؤلاء لم يعرفوا طريق الحق ولا سلكوا سبيل البر، بل ركبوا أهواءَهم وعاثوا في الأرض دجَلاً وفسادًا. فهم العشارون سُّراق نفوس الناس قبل أموالهم ، والخطأة الضالون والتائهون مع خنازير النجاسة والفساد

الأبن الأكـبر 

لقد أخطأ الوثنيون في رفض الله واختيار الألحاد ، وأجرموا في إستباحتم القيم الأخلاقية و تبجيلهم لما هو خطأ ٌ. لكنَّ سلوكهم كان عن جهل أكثر من أن يكون عن وعي وقصد. ولما سمعوا نداءَ الحق من يوحنا المعمدان وشاهدوا نموذج البر في يسوع ندموا على سلوكهم و آمنوا بيسوع وقبلوه وتابوا عن سلوك جاهليتهم. وقد ذكر الكتاب على سبيل المثال قواد مائةٍ آمنوا به و طلبوا منه شفاءَ أصحابهم (متى8: 5-13)، أو إعترفوا علنا أن يسوع هو حَّقًا ابن الله (متى 27: 54)، أو طلبوا حتى المعمودية (أع10: 25-48)، وآمرأة كنعانية سألته شفاء إبنتها ( متى15: 21-28). وقد مدح يسوع عظمة إيمانهم ، بل صرَّح أمام أعيان اليهود أنه لم يرَ مثل إيمانهم بين اليهود (لو7: 9؛ متى8: 10). وهكذا دبَّت حياة الأيمان بين الوثنيين وستنمو و تتعاظم بحيث تنبأ يسوع أن المؤمنين به سيكونون من بينهم أكثر مما من اليهود (متى8: 11-12). لقد ندموا فسمعوا كلام الله وعملوا في حقله نابذين كسلهم الأول

الأبن الأصـغر 

أعلن اليهودُ رسميا إيمانهم بالله وآفتخروا به أمام الأمم، بل نعتوا غير المؤمنين بـ”الكلاب” (متى15: 26). لكن إيمانهم كان سطحيا لم يضرب جذورَه بالأعماق. إحترموا الله وأكرموه بشفاههم فقط ، أما قلبهم فظلَّ مع فكرهم بعيدا عن الله (اش29: 13؛ متى15: 8). ولم يعرفوه حَّقًا (يو8: 19، و54-55) ولا أحبوه صِدقًا(يو5: 42). بقدر ما كان الوثنيون عقلانيين بقدر ذلك كان اليهودُ عاطفيين. والله هو محبة (1يو4: 16) فكان لليهودِ أبًا يحملهم على ذراعيه ويحنو عليهم ويُطعمهم (هو11: 4). إنهم صورته وليسوا لعبة يلهو بها، ولا هم فاقدو العقل لينقادوا لغرائزهم. كَوَّنَهم شعبا مختارا من بين الشعوب وأرادهم للأمم نورا وطريقا الى الخلاص (اش49: 6) لكنهم “أثمروا عوض العنب حصرُما بريًّا” (اش5: 2)؛ إنتظر منهم الرب ” الحَّقَ فإذا سفكُ الدماء، والعدلَ فإذا صُراخُ الظلم ” (اش5: 7). لكنَّ اللهَ  لم يكن مقَّيدًا بنزواتهم وأخطائِهم. وإذ خالفوا العهد ليس الله بعد مُلزَمًا بوعده. دعاهم مِرارًا الى التوبة والعودة اليه :” توبوا يا بني إسرائيل الى الربِ الهكم، فأنتم بإثمكم عثَرتُم. عودوا الى الرب وقولوا : إرفع عنا كلَّ إثم ٍ..أبرِئْنا من أكاذيبِ شفاهِنا” (هو14: 2-3). لقد أمهلهم الله فرَصًا وقرونًا لكنهم لم يتجاوبوا مع دعوته. والنتيجة ” سيُؤْخذُ الكرمُ من الفعلة الأشرار ويُسَّلمُ الى الأبن الذي يسمع الكلام ويُعطي ثمرًا في أوانه (اش5:5؛ متى21: 43)، لأنه ” وأنتم رأيتم الحق فلم تندموا ، ولو بعد حين، فتؤمنوا “(آية 32)

لم تــؤمنوا 

بالأيمان لبَّى ابراهيم دعوة الله (عب11: 8) وبالأيمان تبَّررَ (رم4: 3). لأنه وثقَ بأنَّ اللهَ قادرٌ على أن يفيَ بوعدِه (رم4: 21). الأيمان شرطٌ أساسيٌ لخلاص الأنسان، لأنَّ ” من لم يؤمن يُدان “(مر16:16؛ يو3: 18، 36). الأيمان فكرةٌ وقناعة باطنية يجب أن يتحقق على واقع أرض الحياة. إنه حياة تُعاش. والحياة المعاشة علاقة مع الآخر: مع الله ومع القريب. والعلاقة تكتمل في المحبة. وفي المسيح ” لا قيمة للختان ولا للقلف ، وإنما القيمةُ للأيمان العامل بالمحبة “(غل5: 6). ذاك هو الأيمان الأصيل. لذا فالأيمان بدون محبة ” نحاسٌ يطِنُّ أو صنجٌ يرِن “(1كور13: 1). والمحبة تظهر في الأعمال. كذلك الأيمان حَّيٌ، والحياة تنمو في الأعمال. لذا فالأيمان بدون أعمال المحبة ” مَيْتٌ “(يع2: 17، و26). فالأيمان الحي علاقة مع الله والأنسان. الأيمان هو الذي يوجه العلاقة وينظمها على أفضل شكل. والعلاقة تُبنى على المحبة لا على المنفعة، مثل علاقة الأبن بوالده وإخوته. فالله أحب الأنسان ولأنه أحبه خلقه و وفَّر له كل مستلزمات الحياة ويرعاه وحتى إذا زَّلَ فلا يدينه بل يسامحه. و يريدُ من صورته أن تؤمن بالحب وتحياه من كل قلبها لخالقها ولمثيلها

ومن التينة خذوا المثل ! متى21: 19

ما حدثَ لشعب الله كان ” مثلا لنا لئلا تنال منا الشهوات الخبيثة كما نالت منهم.. وليحذر السقوط من توَّهم أنه قائم “(1كور10: 6، و12)، وكتبت ” لتعليمنا حتى نحصَلَ على الرجاء” (رم15: 4). الأنجيلُ كُتبَ لنا لئلا يداهمنا الهلاكُ الأبدي. بل نسهر على إيماننا فلا يضل وعلى محبتنا فلا تبرد ونواصلُ في إنعاشهما بعلاقتنا، ونتجَّدد يوما بعد يوم في سماع كلام الله وحفظه. وحتى لو أخطأنا فسقطنا فلا نيأس لأنَّ رحمة الله غزيرة بل نتوب بثقةٍ و نعود اليه مثل الأبن الضال فيرحمنا ويستقبلنا في أحضان محبته الغامرة

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO