الأحــد الثـالث للصــوم

الأحــد الثـالث للصــوم 

  2016.02.21

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< 20: 17-28 >::- و يبدأ بالإنباء عن حكم اليهود بالموت على يسوع وتسليمه للوثنيين فيُعَّذبونه ويسخرون منه ويجلدونه ويصلبونه لكنه يقوم في اليوم الثالث. ثم ينتقل الى طلب أم إبني زبدى تتوسط لولديها لتعيينهم في أعلى المناصب في مملكة يسوع. يسَّبب هذا إمتعاضَ البقية وآعتراضَهم ويزيل يسوع الخلاف بينهم بالتوضيح بأنَّ المنصب عنده ليس سلطة بل خدمة

يذهب .. يتألم .. يُجلد .. ويُصلب  

عندما نسمع هذا في الكنيسة أو نقرأُه في البيت يخطرُ على بالنا أنَّ ذلك ليس برغبة يسوع أو بآختياره بل ” مُحَّتَمٌ عليه ومفروضٌ”، نوعٌ من القضاءِ والقـدرْ. و هذا إِنباءٌ ثالثٌ يسَّجله الأنجيل بعد إنبائين سابقين آخرين. في الإنباءِ الأول ذكر يسوع بقول صريح ” يجبُ عليه أن يذهبَ الى أورشليم ويلقى الآلام، من الشيوخ والأحبار والكتبة، ويُقتل ويقوم “(متى16: 21). كان ذلك بعد إعتراف بطرس في قيصرية فيلبس بمسيحانية يسوع. وعاد يسوع بعد التجَّلي فأكَّدَ على الخبربأنه سيُهان ويُقتل ويقوم” (متى17: 22-23). ونسمعه الآن يعود الى الخبر ويُشَّددُ عليه بينما هم في طريقهم الى أورشليم حيثُ سيمكثون أشهرًا طويلة إلى أن تتم أحداثُ الآلام والصلب والقيامة. ويُعطي يسوع التفاصيل الدقيقة للأحداث. يُسَّلمُ يسوع ، في مرحلة أولى، الى أيدي السلطة اليهودية ويحكمون عليه بالموت. يُسَّلمُه أحدُ تلاميذه. ويُسَّلِمُه هؤلاء، في مرحلةٍ ثانية، الى السلطة الرومانية الوثنية ليعذبوه وينَّفذوا الحكم فيه. تتعاون السلطتان الدينية والسياسية في القضاء على يسوع

قد يرى الكثيرون في هذا كله سيناريو مسرحية مهَّيأة ومُمَّـثلة بدقة. الله قَّرر فخطط، والبشر نفَّذوا مُسَّيرين. و قد يرى غيرهم أَّنَ العِداءَ المتنامي بين يسوع والقادة الدينيين بسبب تعليم يسوع وسلوكه المعارض لتقاليدهم هو السبب المباشر لهذه المأساة ولا دخل لله فيها، ويسوع ضحيةٌ يخضعُ مُجْبَرًا للنتائج الحتمية للصراع. ولكن إذا عمَّقنا التأمل في تصريح يسوع و مواقفه وما سبق وأدلى به خلال كرازته إختلفت عندئذ رؤيتنا. قبل كلَّ شيء بيَّنَ يسوع بأنَّ تجسَّده لم يكن إلا في خط الآلام والقتل. صرَّح بأنه الذبيحة التي طلبها اللاهوت عند رفضِه الذبائح الحيوانية:” لم تقبل المحرقات ولا الذبائح كفّارة ًللخطايا فقلتُ حينئذ {من الأزل} ها أنا ذا آتٍ اللهُّمَ لأعملَ بمشيتِك”(عب10: 7). لأنَّ الطاعة لمشيئة اللاهوت أفضلُ من أفضل ِ الذبائح (1صم15: 22). طلبَ اللاهوتُ ذبيحة ًتكفيرية لخطيئة الأنسان ، طلب الطاعة َ للتكفير عن العصيان، والأبنُ قَّدَمَ نفسَه حالاً ليَذبحَ إرادته وشهوتَه فتعودُ العلاقةُ طبيعية بين الله والأنسان. إذن موت يسوع الفدائي هو مشيئة إلـهــية

لكن يسوع لم يكن مُرغَـمًا عليها لا من اللاهوت ولا من الرؤساء الدينيين أو السياسيين. بل صَّرَح أنه يبذلها هو بحريته وإرادته، وقال:”لا أحد ينتزعُ حياتي مني. لكني أبذلها برضاي. ولي القدرة على بذلها ولي القدرة على إرتجاعها. هذا أمرٌ تلقَّيتُه من أبي”(يو10: 15-18). لقد خيَّره اللاهوت عندما رشَّحَ نفسه للمهمة(مز39: 7-9)، وهو قبلها برضاه ولا يتراجع عن قربانه. ولَو لم تكن أحداثُ الآلام والموت مقبولة من يسوع لرفضَها وتخَّلصَ منها. أ ما هكذا قال عند القبض عليه: “أوَ تظُّنُ أني لا أستطيعُ أن أسألَ أبي فيمُّدني بالنجدة..”؟ (متى 26: 53). وحتى ابليسُ جَّربَه، في بدءِ آلامه التي جعلته يعرقُ بسببها دمًا(لو22: 42-44) ليدفعه الى التمَّرُد ورفض المشيئة الألهية، لكنه إستسلم لللاهوت بآختياره الحر قابلا الألم والموت بأشد شكله :” لتكن مشيئتك”(متى26: 42)

وحتى أمام السلطة السياسية لم يترَّدد يسوع في أن يُعلنَ بأن موته ليس ثمرة شريعة البشر بل يدخل سياقَ التخطيط الألهي لخلاص الأنسانية، فقال لبيلاطس:” لو لمْ تُعطـَ السلطانَ من فوق لما كان لك عليَّ من سلطان”(يو18: 11). إنَّ ما يحدثُ يدخلُ كلُّه ضمن المشيئةِ الألهية لمصلحة الأنسان. ولكن كل واحد يسلكُ بملءِ إرادته وحريته. وإذ عرفَ الله منذ الأزل كيف تكون ردودُ فعل الناس نسَّقَ بينها ليخرجَ بالنتيجة التي تنقذُ الأنسان. يوسف الصّديق أيضا بإرادته طلب من أبيه أن يذهب عند إخوته. وإخوته بإرادتهم أرادوا التخلص منه. وفي مصر إتهمه أسياده بارادتهم وأدخلوه السجن. وهناك إكتملت فصول الكتاب فأوصلَ الله يوسفَ الى سدة الملوكية لينقذ مصر وشعبَ الله المختار

ويسوع يعرفُ مسَّبقا بمشاهد الأحداث ويصفها بدّقةٍ ويُخبرُ عنها بالتفصيل ويستسلمُ للظرف الذي يقودُ الى تحقيقها عوضًا عن أن يتجَّنبَها أو يقاومها. إنه جزءٌ من المشيئة الألهية لفداء البشرية وتحريرها من سلطان الشيطان، ويخضعُ بحريته لخطوات إكتمالها. وإلا ” كيف تتم آياتُ الكتب التي تقول إنَّ هذا هو ما يجب أن يحدُثَ “؟(متى26: 54). فيستعد يسوع ويُهَّيئ للأحداث قبل وقوعها ليختبر الرسل المحنة ويخرجوا منها سالمين. وهكذا يقود كنيسته اليوم وعبر الأجيال من خلال رسله فيسلكوا سبيل الطاعة لللاهوت وهي خير من الذبيحة، بل هي أفضل الذبائح المقبولى لدى الله

يقومُ في اليوم الثالث  

إلتزمَ المسيح بأن يُكَّملَ النبوءات لأنها ترتبط بتخطيط الله الذي ينكشفُ بالخضوع لها كاشفًا معه سرَّ الله الأزلي ، والتدبير الذي” بقيَ مكتومًا طوال الدهور في الله خالق جميع الأشياء ، وحكمته التي لا تُحصى وجوهُها. وما ذاك الا تحقيقٌ للقضاء الأزلي الذي عزم اللاهوت عليه في ربّنا يسوع المسيح. وإذا آمَنَّا به إستطعنا أن نجرُءَ على التقَّرب الى الله مُطمئنين ” (أف3: 9-12). فالأمرُ كله متعَّلقٌ إذن باللاهوت. وهذا الذي يرمزُ إليه ” اليوم الثالث”. الله أو اللاهوت هو ” ثالوث”، يُشار اليه بالرقم “3”. الله هو كاملٌ وحّقٌ وثابت. لذا 3 لا يدل على قيمة تأريخية كأن المسيح بقي في القبرثلاثة أيام. بل يدُّلُ على حقيقةٍ ثابتة، هي القيامة. ويدُّل أيضا على إرتباط مشيئة الله/الثالوث بمشيئة الأنسان، يلتقي الأنسان بالقيامة باللاهوت

فالموت والقيامة تكتمل وتحقق مشيئة الله الأزلية

ولهذا كثرت الأشارة الى “ثلاثة”. بدءًا من نكران بطرس الثلاثي (يو18: 17،25-27) و الى تأكيده الثلاثي لحبه للرب (يو21: 15-17). ومرورًا بـ  ثلاث سلطات دينية: الشيوخ و الأحبار والكتبة؛ وثلاثة أفعال : يُسَّلم ويُقتل و يقوم ؛ وثلاث إهانات وثنية : يسخرون منه و يجلدونه ويصلبونه ؛ ويمكن أن نختصرَها بالأوضاع الثلاثة : الألم ، القتل ، القيامة ، حيثُ يلتقي اللاهوت بالأنسان في هذه الأفعال الثلاثة وهو نموذج لمسيرة البشرية التي يجب أن تتفاعل مع المشيئة الألهية بحرية تامة وبشكل طبيعي. ولأهمية هذا الأمر كرَّرَ يسوع إنباءَه عن آلامه وقتله وقيامته ثلاث مرات

بينما قال مرقس:”وان يقوم في ثلاثة أيام” (مر8: 21) ، ثم” وبعد قتله بثلاثة أيام يقوم”(مر 9: 31)،وأخيرا ” وبعد ثلاثة أيام يقوم” 10: 34)، كرَّر متى ثلاث مرات : ” ويقوم في اليوم الثالث”(متى16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19)؛ ومثله فعل لوقا(9: 22؛ 18: 33). وقد إتفَقَ كلهم أنَّ يسوع مات ودفن قبيل وقت التهيئة لتناول الفصح ، أى الجمعة وهي”عشية السبت” كما أكد مرقس(15: 12) ولوقا (23: 54) ويوحنا (19: 31) وحتى متى (27: 62). وكان ذلك السبت مُكَّرَما (يو19: 31) أكثر من غيره فيه أكل اليهود الفصح ثم آستراحوا (لو23: 56). كما أكد كلهم أنه قام صباح الأحد بعد ذلك السبت (مر16: 1-2؛ متى28: 1؛ لو24: 1؛ يو20: 1). ومن موت المسيح الى قيامته تقَّدمَ الزمن لا أكثر من 33 ساعة، لكنها إمتدت على ثلاثة أيام ، من مساء الجمعة والى صباح الأحد

فإن قيل بعد ثلاثة أيام أو في اليوم الثالث ليس الهدف زمنا من إثنتين وسبعين ساعة بل أنَّ هذا الزمن الذي شهد هذه الأحداث ثلاثية الأبعاد مرتبطة ٌ باللاهوت الثلاثي الأقانيم ، الحق الكامل والثابت، فتكون هذه الوقائع الزمنية ” حقيقية كاملة وثابتة” لا شكَّ فيها لأنها تمَّتْ

وآكتملت في إطار المخطط الألهي لتأريخ البشرية

وللدلالة على أنَّ لله يدَه الخفية في هذه الأحداث وتمت بمشيئته نسمع الرسل من أول خطاب لبطرس يقولون بأن يسوع ” أُسلِمَ بقضاءِ الله وعلمِه السابق “، و يُشَّددون على أن اللاهوت /الله هو الذي أقام يسوع المسيح (أع2: 23-24، 32؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30-31)، وأقامه في اليوم الثالث (أع10: 40). وبالتالي أنَّ ما يرويه الأنجيل عن آلام المسيح وصلبه وقيامته حقائقٌ لا يشوبُها نقصٌ ولا وقعت صدفة ًولا تُقاسُ بالبعد الزمني ولا حتى بوقائع المأساة الحسية المؤلمة، بل بعلاقتها بالكامل الذي هو الله

نعم السخرية والجلد والتكليل بالشوك و التعرية والصلب والقتلُ كلها إهانات ومآسٍ تنبع من الشر. وقد نزل اللاهوت في رحمته وحبه الكبيرالى ساحةِ الشر، كما قال البابا فرنسيس لأهل المكسيك يوم الأربعاء الماضي، ليُقَّدسَ الألم ويغسل نجاسة الشر فيرفع الأنسان منها طاهرًا نقيًا كما خلقه. وقعت الأحداثُ إذن نتيجة الصراع بين يسوع والقادة على ما هوالحق والخير والشر، وعلى قدرةِ الله على أن يُنَّصِرَ الحَّـق والحب والخير، فتكون درسًا وخلاصًا لجميع الناس الى منتهى الأجــيال. وهكذا آنتصرَ الحَّقُ في” اليوم الثالث”. لقد شقَّ الثالوث الألهي، وهوالحَّقُ والبر،حشا الجحيم وخرج المزدرًى والمهان والمقتول حَّـيًا مجيدًا سلطانًا على الكون كله. وهكذا دلَّ الأنسانَ على طريق المجد الذي يعبر بصليب الألم وآلصمود في الحق ، معطيا له الرجاءَ في الحياة رغم مآسي الشر التي تكتنفُه

القس بـول ربــان  

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO