الصوم زمن العودة

يجب علينا أن نعرف ونكتشف ما هو روح الصوم الحدثي (أي الصوم الناشيء عن حدث حصل في الماضي). هذا النوع من الصوم يُعَبّر عنه في نشيد يوئيل: «12 فالآنَ، يَقولُ الرَّبّ: “توبوا إِلَيَّ بكُلِّ قُلوبِكم، بِالصَّوم والبُكَاءَ والَّندبِ. 13 مَزِّقوا قُلوَبَكم لا ثِيابَكم”. فتوبوا إِلى الرَّبِّ. الرَّبُّ حَنونٌ رَحومٌ. بطيءٌ عن الغضَبِ، كَثيرُ الرَّحمَة، نادِمٌ على السُّوء، 14 لَعَلَّه يَرجِعُ ويَندَم وُيبْقي وَراءَه بَرَكَةً، فتُقرِّبون تَقدِمَةً وسَكيبَ خمرٍ لِلرَّبِّ إِلهِكم» (يوئيل 2: 12-14).

المعنى الأساسي لهذا النوع من الصيام إذن، هو  تعبير عن رغبة وإرادة المجتمع في التوبة والعودة. مثل هذا النوع من الصيام يمكن أن يقوم به غير المؤمن أيضاً ، لأنه دعوة لكل إنسان في العودة إلى الله. أظنُّ، أنَّ هذه هي رغبة الله والكنيسة الجامعة في أن يسمع البشر البشرى السارة: “للحائزين رِضاه” (لوقا 2: 14).

كما كان في وقت يوئيل ويونان، كذلك اليوم أيضاً بالنسبة لنا الصوم هو دعوة إلى التوبة والإهتداء، إلى “العودة” إلى الله، توبة جماعية. وهو، علاوة على ذلك، تجديد العهد الذي كُسر بسبب الخطيئة، أنه بالضبط العودة. لنقرأ كلماتٍ رائعة من الله للنبي إرميا والتي فيها يُصوّر معنى وأهمية العودة: « وقالَ الرَّبّ: “4 تَقولُ لَهم: أَيسقُطونَ ولا يَنهَضون. يرتَدُّونَ عنّي ولا يَتوبون؟ 5 ما بالُ شعبِ أُورَشليمَ هذا يُصرُّونَ على ارتِدادِهم وهم يتَمَسَّكون بالغرور ويرفضون أَن يَتوبوا. 6 أَصغَيتُ وآستَمَعتُ فإِذا هم يَتَكَلَّمونَ بِما يُنافي الحقَّ، ولا مَن يَندَمُ على شَرِّه فيقول: ماذا فعَلتُ؟ بل كُلُّ واحِدٍ يَتَّجهُ في سيره كفرَسٍ يَندَفِعُ إلى ساحةِ القِتال. 7 اللَّقلَقُ في الفضاء يَعرِفُ مَواقيتَه واليَمامَةُ والسُّنونةُ المُزَقزِقَةُ تُراعيان وَقتَ مجيئِهما، وأمَّا شَعْبي فلا يَعرِفون أحكامَ الرَّبّ”» (إرميا 8: 4-7).

إذا كانت الخطيئة، في عمق جوهرها تعني الإبتعاد عن الله، فالله يصفها بكلمات أخرى، على لسان النبي إرميا فيقول: “هم يقولونَ للخشَبِ أنتَ أبي وللحجَرِ أنت ولَدْتَني، وهُم يُديرونَ لي ظُهورَهُم، وفي وقت الضِّيقِ يقولونَ قُمْ خَلِّصنا” (إر 2:  27)، هكذا يتحوّل الإنسان في حالة الخطيئة إلى مخلوق يَتَجِه نحو الانغلاق على الذات، أي يسير في الإتّجاه المعاكس لهذه العودة.

ولكن ماذا يمكن أن تعني هذه الكلمة ( العودة ) عندما نوجّهها لمجتمع اليوم؟ أن يسمع مجتمعنا الآن كلمة “العودة” فقط، بماذا سيُفكّر حال سماعِها؟  قد يُفكّر الكثير منهم، إنها تعني العودة الى الوراء، إلى زمن العبودية وفقدان الكرامة والحرية كما في العصور الوسطى؟ مجتمعنا اليوم يعتبر التديّن ظاهرة من الماضي واليوم قد إنتهت وحلّت مَحلها ظاهرة التكنولوجيا. في إحدى الصحف الإيطالية في سنة اليوبيل أي عام 2000 نشرت مقالة لأحد الكتّاب المشهورين عنوانها “مشكلة الله” كتب وقال: “الدين سيموت. لأنه لا يملك الأمل، ولا النبوءة. فهو بالفعل ينتظر نهايته … مرَّ جيلنا وربما أطفالنا أيضاً، لا أحد يرى ضرورة إعطاء معنى للحياة وأهميتها الأساسية … فالتقنية أوصلت الدين إلى نهايته”.

ولكن بعد ذلك، وفجأةً اضطرَّ نفس الكاتب للاعتراف بأن الدين لم ينته على الإطلاق، لأن قوّته ما زالت قوة أولية؛ هذه القوة، هي مثل الطاقة النووية، قد تكون مفيدة أو مدمرة للغاية. هكذا هو إيماننا، نؤمن أن الله هو أساس حياتنا، وقوة الإيمان التي فينا هي التي تجعل من التديّن حي في العالم. علينا أن نقبل الحقائق ربما نقول: أن إنسان الغرب فقد غنى النفس المسيحي، ويعتقد أنه يمكنه الاستغناء عنه. لأنه يتحدّث أكثر عن عالم التكنولوجيا الذي سيكون له روح النجاح. أقول لمثل هذا الإنسان هل يستطيع عالم التكنولوجيا أن يتحدّث عن القيامة أي عن الحياة، كما حدث في زمن القديس بولس عندما بدأ الحديث عن قيامة الأجساد للوثنيين (أنظر  1 كورنثوس الفصل 15). إيماننا هو إيمان حيّ دائماً أما الحضارة والتقنية فهي فقط مساعدة لا روح فيها، لأنها حضارة مُجرّدة.

الدعوة إلى التوبة، أي العودة إلى الله، وإكتشاف إيماننا الحي وأهميته في حياتنا ولمن علينا أن نتبع، علينا أن نقرأ قصة النبي إيليا وأنبياء البعل المذكورة في سفر الملوك الأول الفصل 18، بعد أن كان الشعب الإسرائيلي قد ترك إيمان آبائه وسّلم نفسه للأصنام. علينا أن نُركّز على الفقرة 21، حيث النبي إيليا يتحدّث مع الشعب فيقول كلماتٍ قوية جداً: “إلى مَتى تَعرُجونَ بَيْنَ هذا الفريقِ وذاك؟ إِن كان الرَّبُّ هو الإلهَ فاتبِعوه، وإن كان البَعلُ هو الإلهَ فآتبعوه. فلَم يُجبْه المُجتمعونَ بِكَلِمَة“.

اليوم الكثير منّا يعرفون الله، ولكن ليس لديهم اليقين التام، لأنَّ هذا العالم بتقنيته يجذبهم الى الاستمتاع بما في هذا العالم، لكن ايليا يدعونا الى تحديد موقفنا اليوم من الرب وعدم الانحراف وراء ماهو سهل ولذيذ لأننا بهذا نعبد إلهاً كاذباً، علينا أن لا ننتظر الى ان نكون في أزمة، صعوبة او مرض يوصلنا الى اليأس لنصرخ يارب ساعدنا، القرار اليوم وليس غداً.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO