الأحــد الأول للصــوم

الأحــد الأول للصــوم

        2016.02.07

يُتلى عـلينا اليوم إنجـيل -::< متى 6: 1-11 >::- ويَروي لنا خبرَ صوم يسوع في البرية و

تجربتِه من قِبَل الشيطان بـ : شهوة البطن، وشهوة الفكر، وشهوة الحواس بالمال والجـاه

يفشلُ الشيطان في حمل يسوع على إتّباع شهواتِه، وفضَّل التواضع والتعب على الكبرياء والتباهي والتعالي على الآخرين، وأعلن إيمانه بالله واهب الحياة وما الخيرات والأمجاد الدنيوية ، مظاهرها ومناصبها، سوى ترابٍ يفنى ولمَعانٍ يزول

إن كنتَ إبنَ الله  ؟

في التجربتين الأوليين تحَّدَى ابليس يسوع ، أو رُّبَما حاول بذلك كشف هويته الجوهرية. لأن يسوع لا يبدومثل بقية الناس. من زمن موسى وايليا لم يعتزلْ أحدٌ المدن ولا آنزوى في البراري أو الجبال. لا أحدٌ غيرُهما صام أربعين يومًا بلياليها شاغلا وقته بالصلاة والتأمل. إنه غريبُ الأطوار يستفِزُّ فضولية الشيطان. فأراد أن يرَى من هو وأن يضعَ شخصيته على المحَّك. وكما جَّرَبَ كلَّ إنسان منذ آدم أبِ البشرية هوذا يقترب من يسوع ايضا ليدغدغ في آذانه راحة إتباع الشهوة، ويُغريَ ذهنَه بإظهارِ عظمة هويته وقدرته، ويغويه فيغريه ببريق الخيرات ويستعبدَه. وكان تحَّدي الشيطان أنْ شحن يسوع بآستغلال طاقاتِه الفَّذة ليظهرَللناس على حقيقته، فيُثيرعليه الحُّساد والطمَّاعين ليتخَّلصوا منه قبل أنْ يُثـَّبتَ أقدامَه.

أثبتَ يسوع أنه فعلا إبنُ الله ، إنما ليس على طريقة ابليس بل على طريقةٍ ايمانية ، مُصغيا الى كلام الله ومُلتزِمًا به. في قلب مملكة الشيطان يرفعُ يسوع راية الخضوع للحكمة الألهية وللعقل البشري المُنَّوَر بالعلم الألهي فيسيرُعلى طريق موسى وايليا طالبًا أولا ملكوت الله و متكلا عليه. كان اسرائيل إبن الله البكر(خر4:  22)، لكنه لمَّا آنعزل في البرّيةِ فسُدَ ، فشَّكَ وآرتاب َ بالرب (خر17: 2-7)، ثم خان إلهَهُ وعبد الصنم (خر32: 1-10). هناك سقط ابنُ الله في التجربة لأنه لم يقصدالبرية بحريته ومشيئته. بل أُقتيدَ اليها للتعود على قسوة الحياة قبل أن يذوقَ طعمَ الراحةِ والرفاهية. لأنَّ البرية فيها جوعٌ (خر16: 2-3)، وعطشٌ(خر17: 2)، وخوفٌ (عدد21: 9)، وضُعفٌ (عدد13: 31؛ 14: 2-3)

والبرية التي إنعزل فيها يسوع لم تكن أقَّلَ رداءَة ً وخطرًا. لكنه هونفسُه إختار أن يقتحمَ مقَّرَ الأبالسة ، التي تُحاربُ الأنسان وتُمَرمرُ حياته، فيطاردها في عقر دارها ويكسرَ شوكتها، و يُعيدَ الى المؤمن أنفاسَه وفِردوسَه. اسرائيلُ إبنُ الله البكر إتكَّلَ على قُـوَّةِ ذراعِه ونباهةِ فكرِه وآنصدم بقساوة البرية وبجفافها الروحي الأقوى من المادي. أما يسوع ، الأبنُ الذي أرضى الله، فإنَّ صحراءَه لم تكن أقَّلَ قُحولة ًورداءَة ً. لكن نفسه أوباطنه كان رطبًا وجَّيدًا بحيثُ لم يفقد التواصل مع الله ومع أنواره، فآكتشفَ حيلة َالشيطان ورَّدَه على أعقابه خائبًا. لأنَّ يسوع قد أتى أن يحيا في الحق ويشهد له (يو18: 37). ويحَّققُ ذلك بأنه يسمع كلام الآب ويعمل أعماله (يو8: 28-29).

وكان رَّدُ يسوع على الشيطان ، ثلاث مرَّات، :” مكتوبٌ”، أى لقد أوضحَ الله للأنسان و أرشدَه الى ماذا عليه أن يفعله في الظروف التي أنا فيها، والتي سيَمُّرُ بها كل إنسان.  فأنا أسمع كلامَه وأتصَّرفُ كما ينبغي حتى لو تعبتُ أوتألمتُ أوتذللتُ أوخسرتُ من المال والجاه ما يُغري و ينفعُ “.  فيسوع هو إبنُ الله لا فقط بآلوهيتِه، بل في ناسوته أيضا و يعرفُ كيف يلتزمُ بالنظام الألهي للطبيعة الإنسانية. لقد تجَّسدَ الله ليحيا مع البشر حياتهم في كل أمجادِها ومآسيها فيُعَّلمُهم كيفَ يصونون أنفسهم من مخاطر الأنزلاق إلى الشهوة وإهمال الروح. و يتحَّدى الشيطان كلَّ مؤمن على إيمانه ليزرعَ في فكره وقلبه الشَّكَ بأنه إبنُ الله ، لأنَّ الله ليس أباهُ ، وإلا لما سمح له بأن تصيبَه النكبات والشدائد. كل مؤمنٍ إبنٌ لله ، ويسوع أخوه و نموذجه في كيفَ يثقُ بالله ويسمع كلامه ويضمن إنتصارَه على الشيطان ، بقُّـوة كلمة الله

إليكَ عني يا شيطان

هكذا قال يسوع في جوابه الأخير على تجربة ” تركِ التمَّسُكِ بالله والإنتماءِ إلى ابليس”. فآنسحبَ الشيطان يجُرُّ ذيولَ الخيبةِ والفشل. في حربه الأولى مع آدم إستطاعَ أن يغُّشَ الأنسانَ ويكذبَ عليه فيُغريه. أما هنا فقد إنكسرَ باعُه وآنكشفتْ مكائدُه وآنفضحت نيَّاته الشريرة. ولن يقدر من الآن وصاعدًا لا فقط أن يُجَّربَه بل ولا حتى أن يُقاومَ أمرَه، بل كانَ   :” يأمُرُالأرواح الشريرة فتُطيعُه “(مر1: 27)

لكن “المُبَّللَّ لا يخافُ من المطر”. إنهزمَ الشيطان من أمام يسوع لكنه لم يستسلمْ ولا سَّلم سلاحَ الكذب والغش. إنْ كان لم يفلح مع القائد فيحاولُ مع جـنودِه. وهذا أسهلْ. إتجَّه صوبَ تلاميذ يسوع محاولا أن يُثيرَ جهلَهم فيقاوموا تعليمه. وبدأ برئيسهم وسندهم بطرس. فما كاد يسوعُ يعلن لبطرس أنه قد إختارَه صخرَة ً لكنيسته وأنه يعصِمُه من الخطأ الأيماني ويُؤَّيد إجراءاته الأدارية حتى أصابَ بطرسَ الغرورُ. ولما أخبرهم بعد قليل بأنَّه وإنْ كان المسيحَ لكنه سيتألم ويُصلب إعترضَ عليه بطرس بشّدة :” حاشَ لك يا  رب من هذا المصير”. فرَّدَ عليه يسوع كما رَّدَ على الشيطان نفسه :” سِر خلفي ، إليك عني، يا شيطان!. أنتَ عقبة ٌ دوني. وأفكارُك ليست أفكارَ الله، بل أفكارَ البشر” (متى16: 22-23). و مرَّة أخرى خافَ بطرس من الموت فنكرمعَّلمَه(متى26: 70-75). لكن بطرس إعترفَ بغلطته وتابَ.  وسوس الشيطان الى يهوذا أن يسَّلمَ يسوع مقابل قبضة مال لأنه سيموت ولا مفَّرَ من ذلك (يو13: 2)، بل دخل فيه ليقوده بنفسه الى الجريمة (يو13: 27)، لأنَّ مصائبَ قوم عند قوم آخر فوائدُ. إنها حكمة ٌمقبولة من الجميع!. ولا ضير في ذلك!. وبعد الجريمة ضحك منه و كذب عليه مقنعا إيّاه بأنَّ خطيئته لا تُغفر، فيَأِسَ وآنتحَر(متى27: 4-5). وحَّرَك أيضا توما ضِدَّهُ فدَّبَ الشَّكَ في تعليمه ” لِنذهَبْ نحن ايضا ونمت معه ” (يو11: 16)؛ كما دفعه الى أنْ يُصّرَ على عدم تصديق القيامة إلا إذا إختبر جروحَ يسوع، رؤية ً ولمسًا { نظرية الحرف}، زارعا بذلك الشَّك بين الرسل (يو 20: 25). ولن تتوَّقفَ محاولات ابليس لإغواء الناس ، مادام على الأرض بشرٌ، ومحاربتهم في إيمانهم،” ومضى يُحاربُ سائرَ أولادها (الكنيسة) الذين يُحافظون على وصايا الله ، و عندهم شهادة يسوع المسيح” (رؤ 12: 17)

وقد حَّذرَ منه مار بطرس :” كونوا متزَّهدين أيقاظـًا. إنَّ ابليسَ خصمَكم كالأسدِ الزائر يرودُ في طلبِ فريسةٍ له، فدافعوه راسخين في الأيمان… والأله الذي دعاكم الى مجدِه الأبدي في المسيح، هويعافيكم ويُثَّـبتُكم ويُقَّـويكم ويجعلـُكم راسخين. له العّزة ُ الى أبد الدهور.آمين” (1 بط5: 8-11). بينما يؤَّكدُ مار بولس أنَّ للشيطان عملاءَ ورسُلاً ، حتى بين تلاميذ المسيح ، ” كذّابين وعمَلة ً مُخادعين يتزَّيون بزّي رسل المسيح. ولا عجبَ فالشيطانُ نفسُه يتزَّيَا بزّيَّ ملاك النور، وليس غريبا أن يتزيا خدمه بزّي خَدَم البِر. و لكن عاقبتهم تكون على قدر أعمالِهم” (2كور11: 13-15). يقول بولس هذا عن خبرة. لكنَّ يسوع سبق وتنبَّاَ عن ذلك : ” إيَّاكُم أنْ يضِلكم أحد … سيظهر مسحاءٌ دجَّالون و أنبياءُ كذّابون يأتون بآياتٍ عظيمة و أعاجيبَ لو إستطاعتْ لأَّضلتْ المختارين أنفسَهم. فها أنا أُنـبِئُكم” (متى 24: 4، و23-24)

أخونا البكر يسوع المسيح قد دحَرَ ابليس وحَّطمَه، بعدَ أنْ صامَ وصَّلى. وإذ عرفَ بأنه سيضطهدُنا أعطانا نحن أيضا أن نغلبه “بالصوم والصلاة”(مر9: 29). وقد أخبرنا الأنجيل: ” فيرسلهم ولهم سلطانٌ يطردون به الشياطين”(مر3: 15). ويضيف :” وأولاهم سلطانا على الأرواح النجسة “(مر6: 7). طرد الرسل شياطين كثيرين بآسم يسوع وفرحوا و آفتخروا بذلك كثيرا(لو10: 17-20). لكن يسوع أكد بأن هذا السلطان ليس لهم فقط بل لجميع أبناء الله المؤمنين (مر16: 17)، الذين يرضون الله على مثال أخيهم البكر يسوع المسيح ، بالصوم والصلاة

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO