الأحـد السابع للـدنـــح

الأحـد السابع للـدنـــح 

~*~*~*~*~*~*~*~                                             2016.01.31

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى7: 28- 8: 13 >::-  و يُشَّددُ في البداية على أنَّ تعليمَ يسوع يختلفُ عن غيره من ” معَّلمي إسرائيل” (يو3: 10)، كونه ذا طابع سُلطوي أي يعرفُ صاحبُه ماذا يقول ، إنَّه مقتنعٌ به و يضمنُ حقيقة َ ما يُلقيه على الناس. إنه الذي حَّيرَ معلمي الشريعة منذ عمر ِ إثنتي عشرة سنة بذكائِه وأجوبَتِه (لو2: 47). يستندُ علماءُ الشريعة الى سُّنةِ الشيوخ وتقاليد الآباء (متى 15: 1-9). أما يسوع فيستندُ في أحاديثه و تعليمه الى كلمة الله الموحاة في الكتاب (يو5: 19). ثم يقُّصُ خبر شفاءِ أبرصٍ حَّذرَه يسوع من إخبارالناس طالبًا منه أن يتقَّيدَ ويُنَّفذ ما فرضته الشريعة. ويُعقِبُه بخبر شفاءِ خادم قائدِ مئةٍ وثنيٍّ روماني مؤمنٍ بالمسيح. ويستخلصُ يسوع الدرسَ: الغرباء يحصلون على الملكوت في حين يُطرَدُ بنوا الملكوت ـ اليهودـ خارجًا يتعَّذبون ويشقون للأبد، في بكاءٍ وندم، بسبب عدم إيمانهم به

دنا منه أبرصٌ 

سَّنَ العهدُ القديم شريعة للبَرَص. ومن وُجدَ برَصُه مُعديًا حكمَ عليه الكاهن بأنه ” نجس”. و إذ لم يكن لهم دواءٌ لعلاجِهِ حكمت الشريعةُ بعزله لئلا يُعدي غيرَه. جاءَ في سفر اللاويين : ” والأبرصُ الذي به البلوى يلبسُ ثيابَه مشقوقة ً، ويكشفُ رأسَه، ويُغَّطي شاربيهِ وينادي : نجسٌ، نجسٌ. ما دامت به البلوى يكونُ نجِسًا ، ويسكن منفردًا وفي خارجِ المحَّلة “(أح 13: 45-46). وإذا طهُرَ الأبرَصُ وشُفيَ” يُؤتَى به الى الكاهن، فيخرجُ هذا الى خارج المحَّلة ليفحَصَه”. وإذا تأكد من شفائه يخضَعُ لرتبة تطهير ثم يُقَّدَمُ عنه قربانٌ (14: 1-14). لم يعرف اليهودُ الرحمةَ فلم يهتموا بخدمة البُرْص وتخفيف آلامِهم. وإذ كانوا يعتبرون مثل هذه الأمراض قصاصًا ينزلها الله و يبلي بها الخطأة لم يفكروا بغيرعقوبةٍ يفرضونها عليهم وبحمايةِ أنفسهم من عدوى بليتهم

أوجزَ كاتبُ الأنجيل الخبر ولم يعطِ تقاصيل اللقاء. ولكن بما أنَّ الأبرص لا يحق له أن يقتربَ من المحلة ولا يلتقي بالكهنة الا بعد شفائِه ، وهنا لا زال ” نجِسًا” ، فلا بُدَّ وأنَّ يسوع هو الذي خالف نظام العزل وخرج الى منطقة تواجد البُرص مخاطرًا بحياتِه. يؤكدُ هذا توصية يسوع للأبرص “إذهبْ الى الكاهن ، وأرِهِ نفسَكَ وقَّدِم القربان ..”(آية 4). هنا نرى الفرقَ بين كهنوت العهد القديم وكهنوت العهد الجديد. كان الأول وظيفة فقط. أما مع يسوع فيبدو الكهنوت في حُّلةٍ مختلفة. ويعطي يسوع نموذجا عنه : الكهنوت تجسيدٌ لرحمةِ الله وبادرة لبدءِ زمن معالجة أمراض الأنسان الجسدية والروحية. ويبرهن يسوع أنه يلتزم بشريعة الله { لا شريعة البشر} أكثر من الفريسيين الذين كانوا يتهمونه بمخالفته لها (لو5: 18؛ 9: 16)

كانت نجاسة البَرَص رمزًا للخطيئة التي تنَّجسُ الأنسان وتعزله بذاك عن الله القدوس وعن الكنيسة التي تُقَّدسُ البشر. فبادر يسوع يدعو الى التوبة ويمارس الرحمة لكل من يطلبه منه. و قد أكَّد يسوع أنه يريدُ رحمة لا ذبيحة (متى 9: 13)،لأنه خلق الأنسان في فردوس النعيم وليس في شقاء الجحيم. والرحمة تُعيد الى الأنسان كرامته بتطهيره من كلّ نجاساتِه. يشعرُ الله بآلام الناس وشقائهم ويتألمُ لهم. فجاء يشاركهم أوجاعهم وعذاباتهم حتى يشعروا بدورهم بحُّبه ورحمتِه ويلتجئوا إليه. وإذا لم يكن بوسع كهنة العهد القديم أن يُشفوا البَرَصَ أو يخّففوا من مآسيه ، لأنه كان كهنوتا بشريا محضًا. أما كهنوت يسوع ورسله فهو من الله ، والله قادرٌ أن يشفي كلَّ مرضٍ وداء (متى9: 35؛ 10: 1)، ويعيدَ الطبيعة الى طهارتها الأولى. وهذا ما فعله ” أريد ، فآطهُر، فطهر من برصه..”. و ذاك الأبرص آمن بيسوع وطلبَ منه أن يشفيَه. وهذه هي رسالة المسيح ورسالة كنيسته من بعده، لأنه ” ما جاءَ ليدعو الأصحّاء بل الخاطئين ” (متى9: 14)

لمْ أجِدْ مثلَ هذا الأيمان في اسرائيل  

ولكن حتى يفعلَ الكهنوتُ فعله يجب على اللاجئين إليه أن ” يؤمنوا”. الأبرصُ آمن عندما

قال ليسوع :” أنتَ قادرٌ”. ورحمةُ يسوع لم تستنكف نجاسته بل فاضت عليه وغمرته فـ ” مَّدَ يده ولمَسَه”. ولم يستعملْ كفوفًا طبية معَّقمة  رفعَ يسوع نجاسة الأبرص وخزنها عنده حتى يُسَّمرَها فوق الصليب ويُزيلها مع نجاسات البشر كلهم ورجاساتهم.  وأشرَكَهُ في طُهرِه وقداستِه. وبهـذا تأكدَ للناس أنْ يسوع لا فقط يُعَّلم ” كمن له سُلطان ” لكنه يتحَّكمُ في الطبيعةِ ايضا بل وحتى يأمرُ الأرواح الشريرة فتُطيعُه ، لأنها خليقتُه، ” وذاع صيته في جميع أنحاء الجليل”(مر1: 27-28)

وأضافَ الأنجيليُّ الى خبرالأبرص خبرَ قائدِ المائة الذي طلبَ أيضا من يسوع شفاءَ خادِمِه. وهنا أيضا ركَّزالأنجيل على إيمان الضابط. شَّددَ أولا على كونه ” وثنيا ” مُلحِدًا بعكس الأبرص الذي كان يهوديا مؤمنا بالله و خاضعًا لشريعة موسى. لم يذكرالأنجيلي عن مشاعر الأبرص عدا إيمانه. أما بالنسبة الى القائد فتوَّسعَ في ذكر تواضعه وشَّددَ على إعترافه وقوَّةِ إيمانه بأنَّ يسوعَ هو الله. حتى لم يتردَّدْ فقال ” لا تحتاج أن تنتقل ، مثل طبيب بشري ، الى مكان المريض فتعاينه وتصف له دواءَه. أنت تشفي من بعد حتى من دون رؤية المريض. لأنك تعرفُه ولانكَّ تستجيبُ الى طلبي. ليس دواؤُك عقارا يشترى من السوق. بل هو فقط ” رحمة ” تبديها لمن يسألك بإيمان. لقد خلقتَ الكون وما فيه بكلمة واحدة فقط : “كُنْ”.  وأنا مؤمن أنَّ كلمة واحدة منك قادرة أن ” تُطهر خادمي وتعيد اليه العافية”. لأنكّ أنت ” تأمُر” ،  والكون كله رهنُ كلمتك”. وفعلا قال يسوع كلمته” إذهبْ”، فقد حصلتَ على مطلبك. وتمَّ فعلاً شفاءُ المريض من بعد

وآستخرجَ يسوعُ الدرسَ. فأكَّدَ لليهودِ ، وفي مقدمتهم قادتهم الروحيين ، أنهم ضلوا ولم   

يعرفوا الله ولا إفتهموا الكتب (يو5: 37-42؛ 8: 19). لقد أقامهم الله وجعلهم ” نورا لهداية الأمم ، وخلاصًا الى أقاصي الأرض” (إش42: 6؛ 49: 6)، لكنهم صاروا ” ضلالاً لأنكم تجهلون الكتب المقدسة وقدرة الله ” (متى22: 29)، و” ما أعظمَ ضلالُكم “(مر12: 27). و خطيئتهم الكبرى أنهم لم يؤمنوا لا بالله ولا بآبنه يسوع المسيح وسيُدانون على هذا عدم الأيمان (يو16: 9)، رغم أنهم رأوه (يو6: 36) ورأوا يوحنا وسمعوه يشهد له:” وأنتم رأيتم ذلك، وما ندمتم ولو بعد حين فتؤمنوا بكلامه” (متى21: 32). والنتيجة مصيرهم في ظلام قاسٍ لأنهم يُطردون من ملكوت الله الى الظلمة البرانية حيث الألم والندم(آية 12). وسيدخلُ الملكوتَ عوضهم أمثالُ الضابط الوثني الذي آمن، ولم يكن لإيمانُه شبيهٌ في كل إسرائيل!. “سيأتون من المشرق والمغرب” أى من خارج شعب الله ويؤمنون بالمسيح ويتفاعلون مع ارادة الله فينالون السعادة والمجد في ملكوت السماء

لقد بدأ متى بذكر هاتين المعجزتين ليقول لنا ، كما شأنه خلال إنجيله كله ، بأنَّ خلاص الأنسان لا يقوم على الأنتماء الى شعب أو حضارة معَّينة حتى ولا على الأنتماء الى كنيسة الله إن لم يكن للمنتمي إيمانٌ ولم يقارن الأيمان بالأفعال (1كور 13: 1-3 ؛ غل 5: 6)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO