الأحـد السادس للـدنح

الأحـد السادس للـدنح

     2016.01.24

يُتلى علينا اليوم انجـيل -::< يو3: 22—4: 3 >::- ويحوي شهادة يوحنا ليسوع بأنه  المسيحُ المنتظر. يرفُضُ يوحنا الأنجراف وراء رغبات المشاغبين الذين يحاولون زرع الخلاف والشقاق بين يوحنا ويسوع. لا يدَّعي يوحنا لنفسِه منصبا بل ولا يطلبُ شيئًا تبعا لملذاته أو الميول الطبيعية. يوحنا زاهدٌ في نفسه، و حتى بسيط في ملبسِه ومأكلِه، ويسلك طريقَ الحَّق حتى ولو كلَّفه ذلك قُطعَ رأسِه. ويؤَّدي رسالته بأمانةٍ ولا يتطَّلعُ الى مصلحةٍ خاصة. ولا يحسدُ غيرَه بل يفرحُ بأن يكون قد خدم قضية غيره على حساب مجدِه الخاص ، وتعاون في كشفِ عظمتِه وجلالهِ

لا أحد ينال شيئًا من ذاتِه  !  آية 27

خبَّثَ اليهودَ وآدعوا أنَّ يسوع يحاول جَّرَ البساط  من تحت أقدام يوحنا. ونفخوا الى آذانه أنَّ التعميدَ من حَّقِه. هو الذي أوجدَ المعمودية لأنه أول من دعا اليها ونادى بها وشجَّع الناس على ممارستها. أ ليس هو المسيح؟. لاسيما والمنافس الجديد على الساحة ليس سوى واحدٍ قَبِـلَ العماد منه؟.  فهل من الأنصاف والعدل أن يزيحَ من على يده تَّعلم؟. أما يوحنا فلا يعيرُ إهتماما الى صوت النفاق. بل يعترفُ بكل بساطة بأنه ليس هو المسيح. وما دام ليس هو المسيح فلا يطمح بذلك. وبالإضافةِ الى ذلك إنه موقنٌ بأنَّ يسوع هو المسيح. لأنَّ اللهَ أرسله ليعمّدَ حتى يكشفَ المسيحَ ويُعلنُه. وسبق فأعطاه الله إشارةً بها يتعَّرفُ عليه:” الذي ترى الروحَ ينزلُ عليه فيستقّرُ هو ذاك الذي يُعَّمد في الروح القدس. وأنا رأيتُ وشهدتُ”(يو1: 32-34).

كما خَّصَ اللهُ المسيحَ بتقديس الناس وخلاصهم هكذا خَّصَ الله يوحنا بالدعوة الى التوبة والتحضير لتلك الرسالة. ولا يطمع يوحنا بأكثر من ذلك لأنه مؤمن بأنَّ لكل إنسان مهمة خاصّة وموهبة ليؤَّديها. وقد كشفَ الله ليوحنا مهمته وساعده بها فأَدَّى رسالته، وهو سعيدٌ بذلك. يؤمن يوحنا أنَّ مواهب البشر، موهبة كل فرد، هي عطية من الله حُّرة ومجانية و تخصيصٌ لخدمةٍ محَّددة. وينجحُ الأنسان ويتمجَّدُ إذا أداها بوعي وأمانة وحرص ٍ. قد لا يمَّيزُالأنسانُ بين مهمة و أخرى ولا يصيبُ الأختيار، كما فعل آدم وحواء. أما إذا عرفَ مهمته ودوره فهنيئًا له إذا تمَّسكَ به وتقَّيدَ بنصيبِه وأتممَ شوطـَه إذ يجزيه الرب بإكليل المجد في الحياة الأبدية (2طيم4: 7-8) . يؤمن أنَّ للهِ في سكب المواهب للبشر حِسابًا خاصًّا ولا يتقَّيدُ بحسابِ الناس ،” يهب اللهُ الروح بغير حساب”(آية 34). يُعطي اللهُ حيث وما لآ أحدَ له الحَّق أن يطالبَ به ولا أن يتمتع بآمتلاكهِ. ويعطي أيضا حيثُ لا أحدَ مُؤَّهلٌ وجديرولا حتى قادرٌ أن يمارسه من ذاتِه. يعطي أخيرا ما ليس لأحدٍ قدرةٌ على اختيارِهِ أو تبديلهِ. موهبة الله لكل انسان أن يكون وحيدًا في شخصِه و نوعِ عطائِه

تتنوع المواهب عند الأفراد لكنها تنبع من نفس المصدر الواحد ، الذي هو الله، لأجل خير الأنسانيةِ كلها؛ يقول مار بولس: ” إنَّ المواهب على أنواع وأما الروحَ فواحد. إنَّ الخدمات على أنواع وأما الرَّبُ فواحد. وإنَّ الأعمالَ على أنواع وأمَّا اللهُ الذي يعملُ كلَّ شيء في جميع الناس فواحد. كلُّ واحد يتلقَّى من تجلياتِ الروح ،{موهبة خاصة}،لأجل الخير العام” (1كور12: 4-6). إنه اللهُ نفسُه الذي يعملُ من خلال الأنسان. فيعملُ من خلال كل واحد بشكل يختلف عن الآخر حتى يكون لكل واحد خصوصيتُه ومكانته

يعملُ اللهُ من خلال كل فرد عملاً مختلفًا لتكتملُ حاجاتُ البشرية كلها. ويعملُ اللهُ من خلال كل الناس دون أن يهملَ أحدًا ، لأنْه لا وجودَ لآنسان مهما كان دون مهمة خاصّة.  وما دام الأمرُ هكذا، أى ما دام هو الله الذي يعمل من خلال البشر، لا يفرقُ إذاً، لا عند يوحنا ولا عند غيره ، أنَّ يحصلَ على منصبٍ كبير أو صغير، على نِعَـم ٍ كثيرة أو قليلة. يهُّمُ فقط أداءُ المهمة بشكل جَّيدٍ كما هو مطلوب؛ وبتعبير آخر إستجلاءُ مشيئةِ الله والإصغاءُ الى صوتِه والتجاوبُ معه بكل ثقةٍ و آطمئنان، ” فلا يعملُ شيئًا من عندهِ ـ كالمسيح ـ بل يطلُبُ مشيئة من أرسله ” لتلك الخدمة (يو5: 30). لأنه كما ” أرسل اللهُ يسوع الينا، هكذا أرسلَ المسيحُ تلاميذه الى العالم” (يو20 : 21)

جعلَ الآبُ كل شيءٍ في يدي الأبن  ! آية 35

منذ أوجدَ اللهُ الأنسان ، أخرَجَه من ذاتِه نفَسًا مثل إبن ٍ، أقامه وكيلا عنه لقيادةِ الكون ومشاركةِ عمل الله وحياتِه وخيراتِه. سحب ابليسُ البساط من تحتِه فأوقعه وأبعده عن اللهْ. لكن الله وعدَ أن يُغَّـلِبَ الأنسان على الشيطان. وعدَ أبناً له من نسل آدم يقوم بالمهمة. لم يكن يوحنا هو الأب الموعود. بل كان يسوع وقد ختم يوحنا هذه الشهادة بأنَّ اللهَ نفسَه كشف له ذلك ،:” وأنا رأيتُه وشهدتُ أنه هو ابنُ الله” (يو1: 34). وهذا الأبن غلب ابليس من أول مُجابهة ونزال ،” إليكَ عني يا شيطان ..”(متى4: 11). ولما خسر ابليس المعركة أثارَ عليه اليهود ” فآشتد سعيهم لقتله ..لأنه قال أنه ابنُ الله” (يو5: 18). والله أقامه لا فقط وكيلا عنه  بل وحاكمًا يقضي في الكون كله ” على الأرض وفي السماء”(يو5: 22)

فشل الأبن الأول في تفكيره و آختياره. أما الأبن الثاني فنجحَ وآنتصرعلى غريمه. سلك طريق الطاعةِ فنجح. و أولاهُ ” السلطان لأنَّه إبنُ الأنسان” (يو5: 27). لأنَّ ” هذا الأبن” هو إلـه، وهو كلمة الله الذي صارَ كل شيء. و” هذا الأبن” هو أيضا إنسانٌ لكنه لم يختَر مشيئته الخاصة بل فضَّلَ مشيئة الله على نفسِه ،” لكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك” (متى26: 39). لذا فهو ينطق بآسم الله ، ويعملُ، ويحكم، ويشهدُ على ما لله ،” ما رآه وسمعه من الآب”(آية 32؛ يو5: 19). هو الله العامل بصورة البشر. أطلع الله المسيحَ على كل شيء وأولاه السلطان على الحياةِ نفسِها ، إذ خَّوله كلَّ سلطان في السماءِ والأرض(متى28: 18). ولم يحسده يوحنا ولا نافسه عليه

وإذ عرفَ يوحنا هذا فرحَ به كثيرا. كان يصبو ويرنو الى هذا اليوم وتمَّتعَ به وفرح. تماما كما فرح سمعان الشيخ لما حمل الطفل يسوع بين ذراعيه فقال:” الآن رأت عينايَّ ما هيَّأْتَه من خلاص .. فأطلق عبدَك بسلام ” (لو2: 29-30). وعلى غرارِه أيضا يعلن يوحنا أن مهمَّتَه قد تمَّتْ فلا بد ليسوع أن يشتهرَ ويعمل، ولابد له هو أن يختفي عن الأنظار، ” أن يصغر”(آية 30)، ويتركَ الساحة لمن له الرئاسة (رم12: 8)،و” السلطة حتى على غفران الخطيئة” (متى9: 6)

ويوحنا نموذجٌ لنا في ألا نصغي الى دغدغةِ شهواتنا ولا نحسدَ أحدًا لا على منصبه ولا على نشاطه. بل نهتم في أن نُحَّسِنَ عملنا ونُجيدَ فيه ، وأن نفرَح بنجاح غيرنا ولا نغارُ منه. لِنثِقْ بالله ونقتنع بما قد مَّيزنا به ونجتهدْ في ألا نزيغ عنه بل نؤديه بفرح ورجاء

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO