الأحـد الخامـس للـدنـــح

الأحـد الخامـس للـدنـــح 

~*~*~*~*~*~*~*~*~                                   2016.01.17

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يو3: 1-21 >::- ويتقل الينا حديث يسوع مع الفريسي نيقوديموس، الذي جاءَه ليلا كي لا يكشفُه قادة اليهود الذين قطعوا ” أنْ يطردوا من المجمع كلَّ من يعترف بأنه المسيح” (يو9: 22). لقد خاطر مرة أن يدافع عنه لكنه لم يفلح (يو7: 51-52). وفي الأخير تشَّجعَ وخاطر بمقامه، هو ويوسف الرامي، فأقاما ليسوع دفنة تليقُ بمقامه (يو19: 38-42). يعترف نيقوديموس بأن يسوع هو المسيح مُرسَلُ الله. فيسأله عن مملكة الله وكيفية الأنتساب اليها. فيرُّد عليه يسوع بأنَّ ولادة جديدة روحية وحدَها تضمن ذلك.

إلاّ إذا وُلدَ ثانية ، من الماءِ والروح  !

مملكة الله روحية ، أي يملك على الحَّق والبر، في المحبة والرحمة. وهذه القيم الأخلاقية هي روحية ولا علاقة لها بالجسد. والأنسان ينقلُ الحياة  في الجسد. لا يتسلط الأنسان على السلوك ولا على تحديد ما هو الحق وما هو البر أو الصالح. وعليه أن يحب ويرحم. و منذ  البدء تلوَّث الجسد بالخطيئة ومالت الأرادة نحو الشرعندما تبع الأنسان شهوته بشكل غير معقول. وقد نهى الله عن الخضوع للشهوة الملتوية ( تك4: 7). وكان قد سبق وحَّذر منها لأنها تقود الى الموت(تك2: 17). لأنَّ الأهتمام بالجسد تمرُّدٌ على الله ورفضٌ لشريعته فلا يرضى الله عنه

الله هو روح. والأنسان صورته الروحية. وإذا طلب الحياة والراحة فعليه أن يمارس أفعال الروح. لأنَّ الأهتمام بالروح هو حياة وسلام (رم8: 6-8). لذا فالولادة في الجسد فقط لا تضمن الحياة والسلام. ومن أراد حياة تُرَّيحُه وترضي الله ليضمن ملكوته عليه ان يقتني حياة الروح. وهذه لا يقدر الجسد أن يعطيها. الله وحدَه يضمنها. وإذا ” كان روح الله يسكن فيكم .. يبعثُ الحياة في أجسادكم الفانية بروحه الذي يسكن فيكم” (رم8: 11). ولهذا يحتاج المرءُ أن يولد من الروح. ولد أولا من الأنسان بالجسد ويجب أن يولد ثانية من الله بالروح. وكما حل روح الله القدوس على يسوع لما آعتمد هكذا عندما يعتمد المؤمن بيسوع في الماء المكرس بقوة الروح القدس يحل فيه روح الله ويُطهره من آثار الخطيئة الملوثة لجسده و إرادته. وإذا سكن روحُ الله فيه أصبح إبنًا لله و وارثا لخيراتِه (رم8: 15- 17؛ غل4: 6). ولأنَّ روح الله يسكن في المسيحيين يقدرون أن يدعوَا الله ” أبانا ” 

ليس الماء هو الذي يطَّهرُ المعتمِد. إنه رمزٌ فقط للتطهير. إنما الروح القدس هو الذي يُطَّهرُ الأنسان من دنسه. ولهذا قال يسوع لنيقوديموس :” لا أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا       وُلِدَ وكان مولده من الماء والروح”.  ويسوع وحده يضمن هذا العماد كما أكَّد عليه يوحنا المعمدان قائلا:” أنا أعَّمدكم بالماء للتوبة ، أما الذي يأتي بعدي .. فهو يعَّمدكم بالروح القدس والنار”(متى3: 11).

لهذا السبب ليست معمودية يوحنا بالماء وحده كافية. إنها علامة التوبة فقط. بينما المعمودية بآسم الرب يسوع ، الذي هو واحد مع الآب والروح ، والتي يتبعها سر التثبيت (أع8: 12-17؛ 19: 3-6) هي تفَّرغُ الأنسان من دنسه وتملأُه بحياة المسيح. عنها يقول مار بولس:” بالمعمودية دفنا مع المسيح وشاركناه في موته .. حتى نسلك مثله في حياةٍ جديدة .. لأن إنساننا القديم فينا صُلبَ مع المسيح حتى يزولَ سُلطان الخطيئةِ فينا “(رم6: 3-6). وهكذا دأبت الكنيسة، التي إعتمدت في أعمدتها ورسلها الأساسيين بالروح القدس، فعَّمدت منذ أيامها الأُوَل بآسم الثالوث الأقدس بناء على توصية الرب (متى28: 19) ، و أتبعته بسر التثبيت. هذه هي الولادة الثانية التي يغتسل بها المسيحي والتي توفر له حياة جديدة في المسيح تستمر فتتجَّددُ يوما بعد يوم، روحا وعقلا(أف4: 23)، بالروح القدس (طي3: 5)، ” فننموَ في كل شيء نحو المسيح الى أن نبلغ الى مِلءِ قامتِه” (أف4: 13-15) 

كيف يكون هذا  ؟

ولما قال يسوع :” تلك هي حالُ مولود الروح ” رَّدَ عليه نيقوديموس :” كيفَ يكون هذا”؟. لم يستوعب فحوى كلام يسوع. لأنه لم يتعَّودَ أن يتعَّمقَ في جوهر إيمانه ، فلم يعرف الله مثل بقية الفريسيين (يو8: 19؛ 15: 21؛ 16: 3). ظل يرى الأيمان في مظاهر أعمال الشريعة ويقيسه بماديات الصلاة والصوم وسُّنةِ الشيوخ. لم يخرج من عالم الحواس فلم يعرف أن يسمو في فكره نحو عالم الله الروحاني. فكان لومُ يسوع له قاسيًا ،” أ تجهلُ هذه الأمور وأنتَ مُعَّلمٌ في إسرائيل “؟. أ تُعَّلم ما لا تعرفْ ؟. أو أ تجهلُ ما تعَّلمُ؟. أو أَ تُعَّلمُ رأيَك وتنسُبُه الى الله فتضع الأمورَ الألهية في قالب البشر، وحال ما تخرجُ الأمور عن هذا الإطار تنحرجُ ولا تعرفُ كيفَ تتصَّرفْ؟.  لا يا مُعَّلم إسرائيل، ليس هذا عدلاً 

وهنا يطرح السؤالُ نفسَه :” أَ لا يوجد اليوم في كنيسة المسيح “معَّلمون ” من هذا القبيل؟. أ لا يوجد من يقولبُ الأمور الألهية في إطار زمني مادي وحسي فارغ ٍ من كل روح الهية؟. كم معَّلم في الكنيسة زاغ عن الطريق وقدَّم فكرَه على فكر المسيح وتفاخر بالحكمةِ البشرية وتمسَّك بها على حساب كلام الله؟؛ وكم واحد إعتَّز بـبشريته فرفض ما هو من روح الله لأنه يفوقُ إدراكَه ؟ (1كور2: 12). عجز نيقوديموس عن إدراك كلام يسوع لأنه لم يكن فيه روح الله. لم يكن يملكُ سوى روحِ العالم. ولهذا لم يستطعْ أن يكتشفَ لاعمقَ تعليم يسوع ولا فحوى الكتاب المقدس نفسِه. لم تقم الكنيسة على مباديءِ العالم ولا نالت رسالتها من الحكمةِ البشرية (1كور2: 4-5) ، فهل يعقُلُ أن يخالفَ بعضُ رسل اليوم تعليمَ الكنيسة و وأحكامَ صخرة إيمانها خليفة بطرس ليتبعوا قناعاتهم القائمة على مباديءِ العالم والجسد؟. إننا نفتقد كثيرا النضوج الروحي ونحتاج أكثر إلى بناء حياتنا المسيحية على أنوار الروح القدس وبقوته

ونحن على عتبة زمن توبوي. غدا تبدأ الباعوثة وهي زمن صلاة وصيام تدعونا الى العودة الى الله والعيش بحسب ما يمليه روحه القدوس. تُشَّجعُنا لنثق بالله ونتكل عليه ونطلب عونه و رحمته حتى تخُّفَ عنا وطأةُ نكبات الدهر ونسلم من إعصارِ الشر الذي قد هاجَ وثار على كنيسته. غدًا أيضا يبدأُ أسبوع الصلاة من أجل إلتحام المسيحيين وتماسكهم من جديد حول وحدة الكنيسة. إنها أيامٌ تعرُضها الكنيسةُ ويباركها الله لكي نستعيد نقاوة إيماننا فنموت، مع المسيح، عن أجسادنا ومصالحنا، عن شهواتنا وميولنا ، عن إساءاتنا وتقصيراتنا تاركين المجال لروح الله أن يعمل فينا. لا نتمسك كثيرا، مثل نيقوديموس، بعلمنا وقدراتنا وقناعاتنا ونظرياتنا فنعترضَ على الله. بل لنسمع، مثل بولس، ونتجاوب مع إرشاد الروح قائلين :” يا رب ماذا تريد أن أعمل”؟ (أع9: 6)؛ ونقتدي بحننيا ونذهب حتى الى عدونا لنبَّلغه رسالة المسيح ، داعين  إيّاه :” يا أخي ..” (أع9: 17)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO