الأحـد الثاني للبشارة

الأحـد الثاني للبشارة 

    2015.12.06

   عــيد البشـــارة

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 1: 26-56 >::- ويختَّصُ بـبشارة الملاك مريمَ العذراء بولادة المخلص منها. حيّاها بتهنئتها بأنها قدوسة ” مليئة من النعم” لأنَّ ” الرب معها”، فقد  حَّلَ في حشاها. لم تع ِ مريم حالا فحوى التحية. فسَّر لها الملاك تهنئته لأنها نالت ” حظوة عند الله ” الذي إختارها ، من دون نساء العالم، ليولد منها سُلطان العالم ومخلصُ الأنسانية من ظلام الشر وقيوده التي أُسَرَته. ولن يتغَّلبَ عليه سلطان لأنه سيبيدُ كل السلاطين عملاء ابليس. عرفت مريم أنه مطلوبٌ منها أن تُصبح أمَّ المسيح

ولكن كيف ذلك وقد كرَّست ذاتها فأعطتها لله وحرمت ذاتها من لذة الأمومة وفخرها؟.  ولما شرحَ لها الملاك بأن الله الخالق سيحُّل فيها ويُلقحُ رحمها بمشيئته، وأمومتهاهذه لن تُعارضَ بتوليتها. عندها خضغت لمشيئة  لأنها أعطت حياتها كلها لله منذ أن وعت حُّبَ الحياة  و ليست مستعدة أن تتراجع عنها، فقالت :” أنا أمة الرب”. والخادم ليس مسلطا على مشيئته، بل يتصرف حسب مشيئة سيَّده ومالكه. لذا أعلنت أنها مستعدة أن تعمل كل ما يطلبه منها سيّدُها الله، حتى بالتضحية بإرادتها الحرة التي حباها الله نفسه بها، فقالت :” ليكن لي حسب إرادتك”

رحمتُه من جـيل الى جيل  ! لو1: 50

هكذا قالت مريم في نشيدها لدى زيارتها لأليصابات. لقد إستوعبت فحوى الرسالة. الله خلق. ولما أخطأ الأنسان لم يُعاقبه ولا تخَّلصَ منه. بل ” رحمه ” لأنه يحبه. فوعده بان يُخلصَهُ. و لم ينسَ اللهُ وعّده بالرحمة، بل بقي ذكرُ وعدِه في فكره وقلبه. ولما ” تمَّ الزمان أرسلَ الله إبنه مولودا لآمرأة”(غل4:4). فمع تحية الملاك وقبول مريم بالمعروض عليها حَّلت رحمة الله في الأنسان. لقد أوجد اللهُ الأنسان فأخرجه من ذاته الألهية. والآن يعود الله فيدخل الى باطن الأنسان ليكون جزءًا منه، يُحييه من الداخل. بل يعيش ويعمل داخل الأنسان لينعشَه ويقودَ مسيرته الزمنية، مثل البوصلة، في طرق مستقيمة

لقد هيَّأ الله الأنسان لهذه العملية “من جيل الى جيل”. لم تغادر رحمتُه قلبَه أبدًا ؛ حتى لو نسيت الأمُ رضيعها لن ينسَ الله حياتَه التي أودَعها في جسم ترابي يُمَّددها ويرعاها لحظة فلحظة. وبمقدار ما تفاقمت آثامُ البشرية بقدر ذلك تضاعفت فعظمت رحمة الله (رم 5: 20). ولما بلغت الخطيئة قمتها تسامت رحمة الله الى ذروتها. فـ” لما كنا ضعفاء مات المسيح في الوقت المحدد من أجل قوم كافرين… فدَّلَ الله على محبته لنا بأنَّ المسيحَ مات من أجلنا إذ كنا خاطئين ” (رم5: 6-8). ولم يتجَّسد الله إلا حتى يموت من أجلنا. فرحمته ، إبنة محبته العظيمة، حَّلت أنسانًا في حشا مريم

القدير صنع بي عظائم  ! لو1: 49  

ليست مريم من إختارت أن تكون أما للمسيح. لم تُرَّشح مريم نفسها ولا سألت الله أن يُعطيها هذا الأبن. بل تنازلت هي عن كل حقوقها الأنسانية ، وكرَّست حياتها لمحبة الله وخدمته. إنه الله نفسَه الذي بادر وصنع بمريم أمورا عظيمة. وبقدر ما تنازلت هي بقدر ذلك رفعها الله فـ” تعطيها الطوبى جميع الأجيال”.  فالخلاص الذي بدأ الله يُحَّققُه هو من عمل الله حصرًا. الله يُباشر و يتدخل في خليقته المشوَّهة والملطخة بالآثام ليغسلها فيُطهرها ويداوي جروحَها. وكمثل أبٍ أوجَد أبناءَه ويرعاهم هكذا يرعى الله مباشرة أبناءَه فيقيتهم ويحميهم ويرشدهم ويسندهم في جهادهم ضد الشر، وإذا زَّلوا يغفرُ لهم و ينفخ فيهم من جديد محبته فيُحييهم

قال الملاك لمريم “الرب معك”. فرحمة الله هي يكون الرب معنا. لا فقط قريبا منا بل فينا. و حتى نكون مكانًا لائقا لحلوله فينا ، و مسكنًا مرضيا ومريحا لقداسته نحتاج الى تطهيرٍ يزيل من فكرنا وقلبنا كل دنس ونجاسة. يجب أن نتقدس. وهذا لا نقوى عليه من غير الله. فأعلن الله رحمته وفتح بابَ غفرانه للبشر. جاء ليغفر للناس كلَّ زلةٍ وإثم. وأوكل كنيسته على سكب غفرانه للبشر.عليه تدعو الكنيسة الناس الى الدخول من هذا الباب فيتصالحوا مع البر والحق. ذلك لأنَّ الله يُحبهم ويريدُ أن يريحهم فيسعدهم

إرتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد  ! مز24: 7، 9

كما فتح الله باب رحمته هكذا يدعو البشر ليفتحوا له أبواب حياتهم. لقد غلقت الخطيئة باب الجنة في وجه الأنسان. الله وحده ظلَّ أمينا لحبه فتواصل في رعايته الأبوية، أما الأنسان فآبتعد كثيرا عن خالقه. وسبب هذا له أتعابا ومشقات. فناداه الرب ، ويكرره نداءَه على مدى الأجيال عبر الكنيسة : ” تعالوا الي جميعا أيُّها المرهَقون المثقلون (بالخطايا) أنا أريحكم” (متى11: 28). وكما ليست أثقالنا حملا ماديا كذلك لن تكون راحتنا جسدية. وبما أن العالم لا يوَّفر سوى خيراتٍ مادية فلن يقدر أن يُرَّيح ضمير الأنسان. هذه أمور روحية. والله روح. فهو وحده قادر على أن يرَّيحنا. وحتى يُرَّيحنا نحتاج أن نجلس معه جلسة صديق وتلميذ، مثل المجدلية (لو10: 39)، فنصغي اليه ونحاوره  ونكون له تلاميذ في الوداعة و التواضع والمحبة والغفران

هذه هي سنة يوبيل الرحمة : أن يفتح الأنسان أبواب حياته كلها لله. أن نعترف بصراحة و إيمان أننا خاطئون. لن يغضب الله منا بل يفرح لأننا نتصرف معه كأبناء بثقة ورجاء. أما قال الله للقديس هيرونيموس:” أعطِني خطاياك لأغسلها وأريحَك منها”؟. هكذا يقول على مر الأجيال ولجميع الناس :”أنا جئتكم الآن لأخَّفف عنكم آلامكم وضيقاتكم. فتحت لكم باب قلبي وكنز نعمتي. تعالوا وتناولوا علاج راحتكم”!. كما حَّل في حشا مريم يريد الله أن يحُّلَ في ضميرنا ، فلا نصّد في وجهه باب قلبنا وفكرنا. لنثقْ بمحبته ونَرْجُ برحمته. إنَّ أبواب الزمن ، وأبواب شهوات الجسد وخيرات العالم والجاه والمال والكبرياء والحسد والطمع قد سَّدَتْ طريقنا الى الله. لذا تدعونا السنة المقدسة الى أن لا فقط نفتح تلك الأبواب بل الى أن نستأصلها من أساسها حتى يبقى سبيلنا الى الله حُرًّا. لندَعْ الله يدخل الى حياتنا فيعيد فيها كلَّ شيءٍ إلى ما كان عليه عندما صنعه في البدء ، حتى نعيش نحن معه مرتاحين في حياته

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO