الأحــد الأول للبشــارة

الأحــد الأول للبشــارة 

  2015.11.29

تعود الدائرة الطقسية لتبدأ سنة جديدة في تتبع عمل الله في خلقه للكون والتدابير التي أجراها ليُعيد الإنسان الساقط الى كرامته التي فقدها بعدم الإصغاء اليه والأنجراف وراء مغريات الشهوة ، والتأمل في حياة المسيح الذي بتجسده وحضوره الألهي بين الناس بدأ خلاص الناس يتحقق فيكتمل: من جانب الله، في الفداء على الصليب ، ومن جهة الأنسان في الأتحاد بالله من الآن من خلال المسيح نفسه إذ جمع المؤمنين به وشدَّهم اليه بواسطة الكنيسة التي تربطنا به كأعضاء في جسمه وتغَّذينا من حضوره ونعمه وكل عون نحتاجه في جهادنا على الأرض ضد الشر والضلال وأعوانهما. ونبدأ المرحلة الأولى وهي البشارات السارة في متابعة الرؤى الألهية  والخوارق التي أجراها من خلق وحلَّ عقد العقم البشري وتهيئة الناس لقبول الله والأحساس بحبه ورحمته وأنواره

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 1: 1- 25 >::- ويدور الحديثُ فيه : أولا عن التأكيد على صحة ما تلقاه المؤمنون عن حياة يسوع المسيح وتعليمه ؛ وثانيا عن بشارة الملاك لزكريا ببدء زمن الخلاص. سيولد له إبنٌ يسبق المسيح المنتظر ويُهَّييءُ لمجيئه الذي سيعمل جُهدَه ” ليعطفَ بقلوب الآباء على الأبناء ، ويُرجعَ العُصاة الى حكمةِ الأبرار، ويُعِدَّ للرب شعبًا صالحًا ” (آية 17). وعندما يولد إبنه يوحنا ، وقد علم بحبل مريم بالمسيح ، سيُصَّرح بأنَّ  ” الله إفتقدَ فعلا شعبَه وآفتداهُ، وأقام له ركن الخلاص.. حسبَ وعدِه (تك 3: 15)..و رحمةً منه ..لأنَّ الخلاص هو في غفران خطايا البشر ، تلك رحمَةٌ من لُطفِ إلهنا “(لو1: 68-78)

رحمَـةٌ من لُطفِ إلهِــنا

بعد عشرة أيام ، أى يوم 8/ 12، سيفتتحُ البابا في روما ، بعدما إفتتحه في أفريقيا ، يوبيل  ” الرحمة الألهية ” ، ويمتَّدُ على مدار سنة كاملة إذ سينتهي السنة القادمة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر2016  في عيد يسوع الملك. قد نتذكر، أو لا نتذكر، الحدث المشابه الذي إحتفلت به الكنيسة قبل خمسة عشرعاما (سنة 2000). وقد يحتاج الكثيرون الى إدراك الهدف من إقامة ” يوبيل “، وبالضبط الى ” ما هو اليوبيل”، الذي إحتفلت به الكنيسة منذ فقط سنة 1300 للميلاد

حتى نفهمه علينا أن نبحث عن جذوره في التأريخ. وجذوره نبتت في العهد القديم على يد موسى. ذكر الكتاب عن اليوبيل ما يلي :” إحسبوا لكم سبع سنين سبع مرات، فيكون لكم تسعٌ وأربعون سنة. وفي اليوم العاشر من الشهر السابع (تشرين الأول)، في يوم الكفارة ، تنفخون في البوق في أرضكم كُلِها. وتُكَّرسون لي سنة الخمسين ، وتنادون بتحرير أهل الأرض كُلِها، فتكونَ لكم يوبيلا وترجعوا ، كلُ واحدٍ منكم الى مُلكِه وعشيرتِه. لا تزرعوا فيها ولاتحصدوا الحصيدد النابت من تلقاءِ ذاتِه. ولا تقطفوا عنبَ كرومكم غير المُقَّضبة. فهيَ يوبيلٌ ، مقَّدَسَة ً تكون لكم. فيها تأكلون مما تغِلُّهُ الحقولُ من تلقاءِ ذاتها “(أح 25: 8-12)

لو رَّكزنا على النص لفقـأ عيوننا ما يلي 

*1- تكريس زمن معَّين ، كل سنة خمسين، لله. كلُّ السنين هي للأنسان، يعمل بها لتوفير قوته وحماية حياته وأملاكه. أما ” السنة الخمسون” فيتنازل عنها الأنسان لله. الله هو الذي يعمل ويقيت البشر، هو يحميهم من السوء. وهو يُصحح ما آلتوى من سلوكهم ليُعَّودَهم على سلوك طريق الحق. يُعالج الله أخطاءَهم ويُعَّلمهم كيف يجب على الأنسان أن يُصغي اليه ولا يسلك دوما حسب قناعته والعادات التي تحَّكمت فيه. يُشعره بأنه ليس قادرا على كل شيء. ” لا تتكلوا على الأنسان ولا حتى على الحاكم لأنْ ليس بيده خلاصٌ “(مز145: 3). أما الله فقادر، لذا فليفسح المجال لله أن يصقلَ حياتَه وفكرَه ويُرشدَه درب الخلاص. ليثقْ به. كل جهاز وماكنة تحتاج ، من حين لآخر، الى فحص وتجديد لئلا يتوقف عملها. هكذا الأنسان يحتاج أن يرجع من حين لآخر الى مهندسه وخالقه ليُصلحَ ما فسد ويجدد ما عتق. فسنة الخمسين إجازة راحة لتجديد النشاط الأيماني

لا يليقُ بصورة الله أن يكَّرمَ و يعبدَ رَّبه وخالقه فقط بالشفاه كما قال المُزَّمِرُ(78: 36-37) وأَيَّدَه بعده إشعيا النبي :” هذا الشعبُ يتقَّربُ مني بفمِه ويُكرِمُني بشفتيهِ، أما قلبُه فبعيدٌ عني. فهو يخافني ويعبُدني بتعاليمَ وضعها البشر”(اش29: 13). وهذه العادة القبيحة والسيّئة لم يبطل عنها الناس الى زمن المسيح فأدانها يسوع (متى15: 6-9)، وطالب أن يُغَّيرها المؤمنون به فيعبدوا الله ” بالروح والحق “(يو4: 23-24)

*2- وفي نفس الوقت يتجه المؤمن ، ما دام صحح علاقته مع الله ، الى تصحيح علاقته مع الأنسان. إنَّ حب الله والأنسان مرتبطين:” أحبب الله من كل قلبك وقريبك كنفسك”(تث6: 5؛ أح19: 18؛ متى22: 37-40). إذا لم تكن علاقة مؤمن مع أخيه الأنسان جيّدة فلن يقدر أن يثبت علاقته بالله :” إذا قال أحدٌ : إني أُّحبُ الله وهو لايحب أخاه كان كاذبًا ” (1يو4: 20). وأقوى جريمة وبلية للأنسان أن يستعبد أخاه الأنسان. في اليوبيل على المؤمن أن يُحَّرر من قد إستعبدهم ويحاول ألا يستعبد بعد أحدًا، بل يعتبر من يعمل عنده بثمن حياتِه أجيرًا فقط :” إعتبرني كأحد أجرائك”(أح 25: 39-41، و55؛ لو15: 19)، يحسبُ له حقوقه ليستطيع هو بنفسه أن يتحرَّرَ من العبودية. وفي سنة اليوبيل تنطفيءُ كل الديون وتلغى العقود الظالمة، فيُرفع الغبن عن المظلومين وذلك بناءًا على المحبة اللازمة والتي تولد الرحمة. وإذا لم يرحم المؤمن غيره لن يرحمه الله أيضا :” يا عبد السوء .. أما كان يجب عليك أنت أيضا أن ترحمَ صاحبك كما رحمتك أنا؟. وغضب مولاه ودفعه الى الجلادين حتى يؤديَ جميع ما عليه “(متى18: 32-35) 

*3- مع الله والأنسان يتجه المؤمن في اليوبيل الى الطبيعة الممثلة بـ” الأرض”، التي دعاها القديس فرنسيس ” أمنا “. والتي يهتم البابا فرنسيس كثيرا بآحترامها وعدم تخريبها و تشويهها. فقد إهتم بها الله منذ أن كوَّن لنفسه صورةً عليها ثم شعبا. الأرض ايضا تستحق عطلة راحة (أح25: 4-5) من يد الأنسان الذي لا يحترمها دوما كما ينبغي. إنه يستغلها في حين كان يجب عليه أن يشغتلها بمحبة وإجلال. لقد ساوى يسوع الأرضَ بالسماء عندما قال :” لا تحلفوا البتة ، لا بالسماء فهي عرش الله، ولا بالأرض فهي موطيءُ قدميه “(متى5: 24-25)

<>  تكون السنة لكم يوبيلا  !

توشَّح اليوبيل طابعا إحتفاليا مقدسا ومبهجا في آن واحد. هذا ما أحَّسَ به المؤمنون وما يزالون كلّ ما أُحتفل بيوبيل. كلمة اليوبيل مشتقة من الفعل الآرامي /الكلداني : “ܝܲܒܸܠ يَّبِلْ ، ومعناه نقلَ قَلَّدَ وأخبرَ، والأسم ܝܘܼܒܵܠܵܐ يوبالا، ومعناه تقليد تسليم حَّق موروث هتاف ونفخ بالبوق”. وتضيفُ المعاجم الغربية على هذه المعاني الراحة و” البهجة العارمة ” الفائضة حواليها.

فإذا كان اليوبيل سنة توبة وغفران بالعلاقة مع الله ، وسنة مساواة وإخاء وعدالة بالعلاقة مع الناس، فهي سنة راحة وبهجة للأنسان والطبيعة معا. الأنسان لا يفلح لا كرمه ولا حقله ، و الأرض ترتاح من شقّها والأشجار من تقضيبها. وهذا لا يؤَّثرُ على إستمرار الحياة. سيتوفرُ قوتُ الأنسان مما ” تغله الحقول من تلقاءِ ذاتِها …فتخرجُ الأرض ثمرَها فتأكلون وتشبعون وتقيمون آمنين ” (أح25: 12، و19). يجبُ الثقة بالله :” إعملوا بفرائضي وأحكامي و آحفظوها ، فتقيموا بالأرض آمنين “(أح25: 18). ليست فريضة الرب إمتحانا للشعب أو نصبَ كمين لتوريطه.  بل هي نورٌ وتوجيهٌ يضمن سلامة الأنسان والكون معا. وكم نشعر اليوم بوضع الأرض المحرج بسبب إنبعاث الغازات السامة التي بدأت تهَّددُ الأرضَ و الأنسان معا. وفي قلق العالم المتحَّضر دقَّ البابا ، بآسم الله ، من جديد ناقوس الخطر ودعا الى إحترام الطبيعة وتحريرها من جشع الأنسان ولامبالاتِه

اليوبيل والكنيسة  

البابا الذي أمر بالأحتفال بأول ” سنة مقدسة ” هو بونيفاسيوس الثامن (1294-1303). و يُعَّدُ أحد الباباوات العظام. كان مقتنعا كليا بتفوُّق السلطة الروحية على الزمنية. وقاوم بشدة تدخل ملك فرنسا في شؤون الكنيسة الداخلية مُنهيًا بذلك الصراع القائم بين الأمبراطورية و البابوية. ولأنه كان مؤمنا برحمة الله الواسعة تجاه البشر أعلن ، في الثاني والعشرين من شباط سنة 1300، الأحتفال بالسنة المقدسة مرَّةً كلَّ مائة عام. لكن خلفه الخامس البابا إكليمنضس السادس (1342-1352)، قصَّر المدة ليتيح المجال أمام عدد كبير من المؤمنين للأستفادة من خيرات اليوبيل الروحية فقرر في 27/1/ 1343م أن يُحتفل بثاني سنة مقدسة سنة 1350 ويستمروا على هذا المنوال. وآستمَّرت السنوات المقدسة تتوالى كل خمسين سنة الى 1950. إنَّ البابا بولس السادس (1963-1978) هو الذي إحتفل بعد 25 سنة فقط بسنة مقدسة جديدة سنة 1975. وبعد ثماني سنوات إحتفل البابا يوحنا بولس الثاني (1978-2005) سنة 1983 بيوبيل الخلاص وهي الذكرى الـ 1950 لموت المسيح الفدائي وقيامته حسب التقويم الميلادي

وبعد عشرة أيام سيفتتح البابا البابَ المقدس في كنيسة مار بطرس يوم عيد مريم المحبول بها بلا دنس أصلي واضعا السنة المقدسة تحت حماية مريم لتتحَّرك أمنا السماوية بنوع أقوى في توجيه البشر الى الأيمان بالله والتقيد بشريعته لينالوا الأمن والسلام. وكما دعت يسوع الى إجراء معجزة قانا لتقوي الرابط بينه وبين تلاميذه فيؤمنوا به ويسمعوا له يرجو البابا مريم أن تتدخل وتنقذ عالمنا من حرب وشيكة تقود الى الدمار والهلاك. وسيختمها في عيد يسوع الملك معترفا، بآسم الأنسانية، بأخطائها الجمة وبسلطانه هو الألهي ورحمته هو الذي “يريدُ رحمة لا ذبيحة “(متى9: 13) فيرحم عالمنا و لا يعاملنا حسب خطايانا. كما يذكر البشر أن باب التوبة مفتوح دائما لأن الله” رحوم يكَّفرُعن الأثم، ولا يريد هلاك أحد” (مز78: 38)، بل يريد أن يتوب الخطأة فيحيون أمامه (حز18: 23). فهي دعوة إذن للناس أن يدخلوا الى عمق ذواتهم ويجروا تنظيفا عاما فيسلكوا طريق البر ويسود العالم السلام و الوئام. فالدعوة التي وجهها المسيح في بدء رسالته قائلا :” توبوا فقد إقتربَ ملكوت الله “( متى4: 17) تُعيدها اليوم الكنيسة وتسمعها عالم اليوم ضامنة الغفران إذا آمنوا بالله و خضعوا لشريعته 

القس بـول ربــان 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO