الأحـد الرابع للكنيسة

الأحـد الرابع للكنيسة 

   2015.11.22

عــيد يســوع المـلك

يُتلى علينا إنجيل اليوم -::< متى 22: 41 ـ 23: 22 >::- ويقُّصُ علينا  خبرَ طرح ِ يسوع السؤال على الفريسيين بخصوص شخصية المسيح من هو : قالوا هو أبنُ داود. وآستطردَ فسألهم : كيف يدعوه داود إذن رَّبَهُ (مز110: 1)؟. لم يستطيعوا الجواب ، ولم يتجاسروا بعدُ ليسألوه، بل بدأوا ” ينصبون المكايد ليصطادوا من فمه كلمة ” (لو11: 54؛ يو8: 6). و ” آشتَّدَ سعيُهم لقتلهِ” (يو5: 18). فآستدار يسوع نحو الجموع وأخذ يكشفُ جوهرَهم فنعتهم بأنهم مراؤون وقادة عميان بل جهلة ومتكبّرون منافقون ، ناصحًا سامعيه بألا يقتدوا بهم

قـادةٌ عميـان  

وإذا كان الأعمى يقود الأعمى وقعا كلاهما في حفرة (متى15: 14). هكذا نعتَ يسوعُ الفريسيين وهم قادة الشعب الى معرفة الله وشريعته. والعمى يعني الجهل. بينما من صفات القائد أن يُبصر لا فقط بعيون الجسد ولكن ايضا بعين الفكر والمعرفة وبعين القلب والمحبة. يُفترَضُ في دليل القوم أن يكون عارفا جَّيدا وضامنا صِدقَ ما يُبَّلغُه الى الآخرين. يدَّعي الفريسيون المعرفة (يو9: 41) لكنهم لا يعرفون الله ولم يتعرفوا على المسيح (يو8: 19؛ 14: 7؛ 16: 3). ومن لا يعرف فهو أعمى. إنهم ” يجهلون الكتب ويجهلون قدرة الله ”  (الآية 29)

ربما يقرأون ولكن يبدو أن قراءَتهم سطحية يتصفحون خلالها الكتاب دون أن يُرَّكزوا على ما يقرأون. ولهذا يُذكرهم يسوع مرات عديدة ، بنبرة لوم خفية  ويقول : ” أما قرأتم ..” (متى12: 3 و5؛ مر12: 10 و26؛ متى 19: 4؛ 21: 16 و43؛ لو10: 26). والفريسيُّ المخضرَم إبن فرّيسي (أع 23: 6؛ 26: 5؛ في3: 5) الذي آمن بالمسيح، مار بولس، يقول بأنه” قد غُشيَ على بصائرهم ، ولا زالَ القناع ـ الذي إستعمله موسى (خر34:34) ـ على قلوبهم الى اليوم عند قراءة كتاب موسى” (2كور3: 15). كان الفريسيون يقرأون طبعا الكتاب المقدس أو أقله يسمعونه يُقرأُ عليهم. لأنهم كانوا هم ” علماءَ الشريعة “، يفَّسرونها ويفرضون منها ما يشاؤون على الشعب وهم لا يتقيدون به (23: 4) حتى قال عنهم يسوع : ” قد إستوليتم على مفتاح المعرفة ، ولكن لا أنتم دخلتم ولا الذين أرادوا الدخول تركتموهم يدخلون ” (لو11: 52)

وكم فريسيٌ يعيش اليوم بيننا يدعي علم الأيمان وهو غريبٌ عنه؟. وكم واحدٍ منا يفتحُ اليوم الكتاب المقدس ويقرأه بآنتباهٍ وتركيز ويطّلعُ على خفاياهُ ودروسِه العميقة ؟. وكم مريض فينا وضعيف يتفاخرُ بإيمانه ويدعي صدقَه والأيمان بريءٌ منه ومن إدّعائِه؟. وعلاوة على ذلك نريد ونحاولُ أن نوَّجهَ غيرَنا ونقودهم حسبَ آرائنا ونحن عميانٌ ولا ندري؟

الويلُ لكم أيها المراؤون  

وإذا قرأ الفريسيُّون الكتاب فهل إفتهموه؟ وهل صَّدقوهُ ؟. لا يبدو ذلك. قال عنهم الرب :” إنكم تتصَّفحون الكتب .. ـ لكنكم ـ ..لا تُصَّدقون كتبَ موسى..”(يو5: 47). ثم ذكرهم بقول إشعيا :” تسمعون ولا تفهمون، تنظرون ولا تبصرون “(اش6: 9؛ يو12: 40). يتظاهرون بالفهم ويتصرفون كعلماء ، إنهم مراؤون منافقون. يملأون فراغهم الفكري بالقول والإدعاء الباطل ، ويسترون جهلهم وأخطاءَهم بقناع العلم والقداسة. يتصرفون أمام الناس كمؤمنين بالله وعندما ينفردون بذواتهم ينزعون ثوب الأيمان والأخلاق ليتعَّروا عن كل فضيلةٍ أو بّرٍ. إنهم ذو وجهين : الظاهر و الباطن. وفضح يسوع هذا الزيف :” تطهّرون ظاهر الكوب و الصحفة وباطنكم ممتليءٌ نهبًا وفِسْقًا .. تؤَّدون عشر النعنع والبقول وتهملون العدل والرحمة ومحبة الله”(لو11: 39-42)

أعطى الرب الويلَ لأمثال الفريسيين. وقال الرسول :” ومن يعتقد أنه صامد فليحذر من ألا يسقط “(1كور10: 12). تعَّلمَ بولس الفريسي الدرسَ وتخَّلى عن ذاته ليمتليءَ من كلام الله. بعكس الآخرين الذين رفضوا يسوع لأنه لمْ يتطابق ورؤيتهم ، ولأنه لمْ يتماشَ وتقاليدهم. و رفضوا أن يعترفوا بجهلهم وخطأِهم. بولس آمن بيسوع وتتلمذ له لأنه عرفه وعرفَ أنه المسيح. أما الفريسيون فرفضوا أن يؤمنوا به رغم كلَّ ما رأوه فيه من أدلة على شخصه و رسالته: ” جئتُ بآسم أبي فلم تقبلوني ” (يو11: 43)

وماذا عن تلاميذ المسيح في عصرنا؟. هل إفتهموا المسيح على حقيقته؟. هل قبلوه كما هو، مثل بولس ، وحاولوا أن يتخلوا عما لهم ليتبنوا ما للمسيح؟. هل أصبح المسيح حياتهم مثل بولس (غل2: 20)، أم يتظاهرون فقط بذلك وفي الواقع يرفضون أن يكون الحَّقُ بيد المسيح ، فصَّوروا بالتالي لأنفسهم مسيحًا كما تتقبله أذهانهم؟

يقولون ولا يفعلون 

وحتى إذا آمن الفريسيون بيسوع فهل يتبعونه ويتتلمذون له؟. لما لوَّحَ الأعمى من مولدِه بأن الفريسيين ربما يريدون الأعترافَ به ، إعترضوا عليه :” أنت تلميذه. أما نحن  فإننا تلاميذ موسى” (يو9: 28). لكن الرَّبَ أكَّد أن هذا التمويه للحقيقة لا يفلح. لأنهم لا يُصَّدقون حتى و لا موسى فكيف يسمعون له؟. بل موسى نفسه سيقاضيهم ويشكو عليهم (يو5: 45-47) لأنه أخبر عن يسوع ولم يُصَّدقْ الفريسيون كلامه. وكما قال مار بطرس” يتجاهلون عمدًا أعمال الله “(2بط3: 5). بل ويذهبون الى أبعد من ذلك ، يُحَّورون الحقائق  ويحَّرفون حتى الكتب المقدسة (2بط3: 6)

لم يُقِم المسيح رسله وتلاميذه معلمين وحكاما بل خداما وشهودا على حياته وتعليمه. والشاهد ينقل الحقيقة ، بحياته قبل لسانه ، بأعماله النابعة من إيمان حيَّ ،:” ليس من يقول لي يا رب ! يا رب… بل من يعمل أعمال ابي السماوي “(متى 7: 21)

ينتظر المسيح من تلاميذه ألا يقرأوا الكتاب ليُعَّلِموه هم ويُقَّولوهُ ما يروقُ و يُصَّرفُ لهم. طلب يسوع منهم أن يغلقوا باب حياتهم، فكرهم وقلبهم ومصالحهم البشرية (متى6:6)، وأن يهتموا بما لله فيطلبوا ” أولا ملكوت الله وبِرَّه ” (متى6: 33)، ويُصغوا الى كلام الله الذي تنقله الكنيسة في صمت (أع2: 14). وعدهم بان يرسل لهم روحه القدوس لكي” يذكرهم بكلامه ويعلمهم جميع الأشياء.. و يرشدهم الى الحق”(يو14: 26؛ 16: 13) فعلى التلميذ ألا ينسى أنه هيكل الروح القدس (1 كور6: 19) فيسلك سبيل الروح (غل5: 16)، ولا يحزنه (أف4: 30)، ويُمَّيزه عن روح الشّر والضلال (1يو4: 6). بهذا السلوك يقدر تلميذ المسيح أن يبنيَ جسد المسيح / الكنيسة

على التلميذ ان يُشهرَ إيمانه ويحياهُ ، فيكون بصيرا يقرنُ الفعلَ بالقول. عليه ألا ينسى أنه عضو هامٌّ فعال في جسد المسيح فلا يتوانى في أداءِ دورِه ومهمته

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO