الأحـد الثالث للكنيسة

الأحـد الثالث للكنيسة  

        2015.11.15

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< يوحنا 2: 12-22 >::- ويقُّصُ علينا خبر صعود يسوع الى أورشليم لعيد الفصح ودخوله الهيكل وطرده الصيارفة وباعة الحيوانات مطالبا بآحترام كرامة الهيكل وقدسيتَه لأنه مخصص للإلتقاء بالله والعبادة ، وعدم جواز تحويله الى بيت تجارة. يتصَّدى له اليهود ويعترضون لأنه ليس هو مسؤولا عن الهيكل ولا هو عضو في لجنة إدارة شؤونه. من يكون حتى يتصرف بكذا حرية ؟. يرون في تصَّرفه خروجا عن القاعدة غير مُبَّرَرٍ حسب رأيهم. يُسكتهم بقوله: إهدموا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام

أُهدموا هذا الهيكل 

في قراءة الأحد الماضي أعلن يسوع لليهود بأنه يوجد بينهم من هو أعظم من الهيكل الذي هو بيت الله!. فمن يكون أعظم من الهيكل غير صاحبه ، الله ؟. واليوم نسمعه يتحَّدى علماء اليهود وقادتهم ويقلل من قيمة الهيكل الذي يفتخرون به. ويقول : أ تتباهون به وتعتبرونه إنجازًا أعجازيا لأنه كلَّفَ ستة وأربعين سنة عمل ؟. لقد سبقكم من إفتخر به : ” يا معَّلم أُنظر! يا لها من حجارة! يا له من بناء “!. لكني أُؤَّكدُ لكم بأنه لن يبقى منه حجرٌ على حجر، بل يُنقضُ كله “(مر13: 1-2). إنه عملٌ البشر. وعمل البشرلا يدوم للأبد. لأنَّه عملٌ ناقص

ولا يجديه المديح نفعًا ولا يغير فيه شيئًا. وهل يليق بالله هيكلٌ من تراب وحجارة مهما كانت ثمينة بعين البشر؟ لا طبعا لأنهم لا شيء أمام عظمة الله الذي صنعها ويقدر أن يصنع أفضل منها. وهل يسعه وهو الذي لا يسعه الكون كما قال سليمان :” ولكن هل تسكن يا الله حَّقًا على الأرض؟. حتى السماوات وسماوات السماوات لا تتسع لك، فكيف هذا الهيكل الذي بنيتُه لك “؟(1مل 8: 27)

ليس الله من طلب بناءَ بيتٍ له، بل كانت رغبة داود الذي فكَّرأنّه لا يليق به أن يسكن قصرًا من أرز بينما يسكن تابوت العهد، رمز حضور الله ، خيمةً من شعر!(2صم 7: 2). وكأنَّ البيت يفضي على الله مسحة من العظمة كما يفضي قصر من أرز على إنسان. ليس الهيكلُ مرتبطا بالله. لأن الله في كل مكان ، بل وكما قال سليمان الملك، لا يسعه الكون كله. قيمة الهيكل، أى تخصيص بيت لله، بعلاقته مع الأنسان. فالهيكل رمز فقط لحضورالله بين البشر ، معهم وفي وسطهم يعتني بهم. إنه تذكيرٌ بالأنسان أنَّ خالقَه لم ينسَهُ، ولا هو بعيدٌ عنه. إنه فيه ـ بروحه المنفوخِ فيه ـ ولم يهمِلْه بأيدي خادِعِه. بل إنه بجانبه ومعه يُهَّيئُهُ للتغلبِ على عدُّوِه ويُعيدَه الى كرامتِه. أما إذا أصبح الهيكل مركز تجارة وربح للأنسان فيكونُ قَدْ فقَـدَ رمزه وقيمته. لذا لا يتردد يسوع في قوله : إهدموا هذا الهيكل. أما الله فلا يحتاج إليه. وأما البشر فإذا أرادوا أن يكون الله بينهم ومعهم فعليهم أن يحترموا رمز حضوره

أنا أبنيه في ثلاثة أيام 

وهنا ينتقل يسوع الى حقيقة أخرى يرفضُ اليهودُ أن يعترفوا بها ألا وهي أنه ” هو نفسُه هيكلُ الله”. وبمعنى آخرلا قيمة بعد للرمز الحجري لأنَّ الله قد ” حلَّ ” في الأنسان نفسِه، ” والكلمة صار بشرًا وعاشَ بيننا “(يو1: 14). ورموز العهد القديم ، ومنها الهيكل، لم تكن سوى” صورةٍ وظلٍ للحقائق السماوية “(عب8: 5). من الأول لم يختر الله مسكنًا له بناه البشر، بل شخصًا هو داود. كما سبق وآختار ابراهيم ثم نسله شعبا (خر3: 7؛ 4: 22) وليس مدينة او بلدا. وقد صَّرح يسوع أنه أعظم من الهيكل. وها هو الآن يقولُ أنه هو نفسه الهيكل: ” وكان يعني هيكل جسده “(آية 21). وبعبارة أخرى عنى يسوع أنه هو الله الحال في الأنسان ، فلا حاجة بعد الى رمز. الحقيقة متجسدة أمامهم. وما دام هو الله يحُّق له أن يُطّهرَ الهيكل من الرجاسات. ولا يريدُ أن يستعمل الناسُ مكان العبادة للتجارةِ والربح الخسيس

وكما سيُهدَمُ الهيكلُ الحجري و” لن يبقى حجرعلى حجر” ، وقد حصل ذلك، هكذا سيهدمون

هيكل الله ، سيقتلُ اليهود الله في هيكله الذي سيصلبونه. لكن الله أقوى منهم ، سيبني هيكله

في ثلاثة أيام ، سيقوم حيا ، ويبقى الأبن، نسل داود، ملكا يأمر وينهي للأبد. هكذا بنى الله لنفسه بيتا في الأنسان نفسه ، في داود وآبنه يسوع. وهذا البيت لن تقوى أعاصير الدنيا على هدمه. لأنه بيت روحي بناه الله على إيمان الأنسان لا على ماله أو منصبه

ومن الضروري أن نُـنَّوهَ الى أنَّ هذا الهيكل الروحي لمْ يُبْنَ على إنسان واحد فرد فقط. لم يخترالله شخصا فأحَّلَ فيه لاهوتَه. كلا. بل بُني اللاهوت على الناسوت البشري. الله الكلمة إتَّحدَ بالناسوت. فالناسوت البشري صار هيكلا لله. فلهذا لن يتردد بولس في القول : ” أما تعلمون أنكم هيكلُ الله ، وأنَّ روح الله حالٌ فيكم”؟. ويضيفُ حالا ويُرَّكز على أهمية وعي هذا الأمر وآحترامه فيقول:” ومن هدمَ هيكلَ الله  هدمه الله ، لأنَّ هيكلَ الله مُقَّدَسٌ ، وهذا الهيكل هو أنتم ” (1كور3: 16-17). إنَّ روحَ الله حالٌ إذن في كل مُعَّمَد. ومن ينقادُ له هو ” ابنُ الله ” (رم8: 15). فالمؤمنون بالمسيح هم كنيستُه ،” وهي جسدُهُ وملءُ ذاك الذي يسعُ كلَّ شيءٍ في كلِ شيء “(أف1: 23)

ونحن في موسم سابوع تقديس الكنيسة. والكنيسة هي جسد المسيح. هي هيكله. والعالم لن يتوانَ قط في محاولة هدم هذا الجسد والتخلص من هذا الهيكل. لكنه لا يقدر أن يفنيه. فكلَّ ما هدم العالم هيكل الله في مؤمن يُقيمه الله ويُمَّجدُه مع يسوع المسيح. أهل العالم ينطلقون من شهواتهم وتعَّلقهم بالخيرات الزمنية المادية ويحاربون كلَّ من يقف في طريقهم ويدعو الى الأيمان بالحياة الأبدية وخيراتها وأمجادِها. فعلى المؤمن بالمسيح ألا يخيفه ذلك وألا يتراجع من أن يحيا في هيكله كما عاش المسيح، بل أن يصمد في وجه الضلال لأنَّ الغلبة للحق :” ستعانون الشدة في العالم. فآصبروا لها، لقد غلبتُ العالم” (يو16: 23). وسيغلبُ كل من يسير وراء يسوع بإيمان وثقة ، والغالب : ” سيأكل من شجرة الحياة في فردوس الله.. و سأجعله سارية في هيكل الهي ولا يخرجُ منه أبدا “(رؤ2: 7؛ 3: 12)

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO