الأحــد الثـاني للكنيسـة

الأحــد الثـاني للكنيسـة

     2015.11.08

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 12: 1-21 >::-  ويَقُّصُ علينا خبر حادثة قلع السنابل يوم السبت من قبل الرسل وأكلِها وآنتقادِ الفريسيين لهم وآتهامِهم بمخالفةِ الشريعة ، ورَّدِ يسوع لهم كيفَ أنَّ الكهنة يستبيحون السبت ويقربون الذبائح ولا أحدّ يلومهم ، وكيف خالفَ داودُ الشريعة ولم يَلُمْه أحد. وأضاف: من جهةِ السبت إنه من أجل خير الأنسان لا العكس. فلا لومَ إذن على الرسل. وأما من جهة الرسل أنفسهم فأيضا لا عتبَ عليهم لأنهم برفقةِ رَّبِ السبت وتلاميذه وهو لم يمنعهم عن ذلك

القوي يأكلُ المستوي 

أظهر يسوع للفّريسيين أنهم مخطئون بل وأنهم منافقون. بعد الحادث مباشرة دخل يسوع المجمع ورصدوه من جديد ، فسألوه : وشفاء المرضى ، هل يجوز في السبت؟. هنا لزمهم يسوع من العظم الذي يوجعُهم. فسألهم عن إذا كان لأحدهم حيوانٌ سقط يوم السبت في بئر هل يدعه يموت هناك أم يُنقذه فيُخرجُه من البئر؟. هذه بالنسبة الى الخسارة التي يكرهونها ، ولكي لا تقع، يخالف القادةُ الشريعة َ ولا أحد يجسر أن يوَّجه اللومَ اليهم. كمل يقول المثل : ” الغني إذا ظرَّط فتلك عافية. أما الفقيرُ فلو فسي فتلك زندقة “!. كذلك بالنسبة الى الحركة لاموا الرسل لأنهم ساروا في الحقول وقلعوا السنابل. بينما هم يحُّلون، يومَ السبت، دواجنهم ويُخرجونها الى سواقي المياه لترتوي (لو13: 15). هذا أيضا يغُضون الطرفَ عنه ليُّسجلوا على الرسل البسطاء المساكين مخالفة طفيفة تكادُ لا تُلاحَظ. وهكذا يسترون مخالفاتهم القبيحة بإيجاد كبش فداءٍ مغلوبٍ على أمره. إنهم يبلعون الجمل ، كما قال عنهم يسوع ، و يُصَّفون الماءَ من البعوضة (متى23: 24)

لا تجمعوا بين المراعاةِ والأيمان 

إنَّ مُراعاةَ الأشخاص مرضٌ قد إستشرى وإستفحلَ. وقد أصبح إهمالٌ الحقيقةِ والحَّق أمرًا ساريا ومقبولا وممدوحًا لأجل الأصغاء الى الأقوياء والأنتماء الى ” الحشر” مع الناس كي لا يكون شاذا عن قاعدة البشر. والوحي يدينُ المراعاة، إنها المحسوبية والمنسوبية. وقد ندَّدَ بها يعقوب الرسول لمَّا قال ” لا تجمعوا بين مراعاة الأشخاص والأيمان برَّبنا ” (يع2: 1). وأضافَ :” وإذا راعيتم الأشخاص فتقترفون خطيئة وتحكم الشريعة عليكم حكم المخالفين” (يع2: 9). وعدم المراعاة يعني السير في سِكَّةِ الحَّق. أما اليوم فالحقيقة قد إختفت ، بل أصبحت “جريمةً “. ومن يتمّسكُ بها هو شاذٌ ومشاغبٌ. بينما الذي يجاري القوم فهو حكيمٌ وممدوح!. أمثال هؤلاء ليسوا أقلَّ نفاقًا ومراءاة. ويريدُ الربُ يسوع أن ينبُذَ تلاميذه هذه الرذيلة ، ويتمَّسَكوا بالمقابل بالحقِ والعدالةِ والمحبة ولا يكيلوا بمكيالين مختلفين حسب روح العالم

ولو فهمتم معنى الآية : أريدُ الرحمـة 

لقد تألم يسوع لغباوة الفّريسيين وجهلهم وشَّرانيتهم. لم يفهموا الشريعة. لم يفهموا الأيمان. لم يواكبوا مسيرة شعب الله بوعي ودِقة. لم يستوعبوا دروس التأريخ ولم يلتقطوا إيحاءات الروح. يبحثون مثل أطفال عن نصب المكائد لغيرهم عائشين في الدنيا وكأنهم وحدَهم ، و كأنها لهم وحدَهم، بروح التعالي على غيرهم وروح إدانة كلّ ما يخالف مواقفهم. وقد صدق يسوع في إصدار حكمه عليهم ناعتا إياهم مع أبناء جيلهم بـ ” أولاد قاعدين في الساحة يصيحون ببعضِهم : زمرنا لكم فلم ترقصوا. ندبنا لكم فلم تبكوا” (لو7: 31-32)

كانوا دوما يراقبون فقط وينتقدون. لم تعرف المحبة سبيلا الى قلبهم. لم يعرف نور الحَّق منفذا الى فكرهم. فغابت عنهم قيم الرحمة والتعاون والسلام. تألم يسوع جدا من هذه الحالة. إنها مصيبة أن يجهلوا وحي الله في الكتاب ، ومصيبة أقوى هي أن يدينوا الآخرين بآسم الكتاب نفسه!!. يريد يسوع أن يفهم الناس، لاسيما تلاميذه، أن محبته تتعارض مع البغض. وأنه يريد الناس أن ترحم بعضها لا أن تتذابح!. يريد أن يتحَّسسَ الناس أن رحمة الله تفوق عدالته ، وأن على الأنسان أن يكون رحوما فلا يقسو مع الآخرين ولا يدينهم

حتى نفهم هذه الآية ” أن الله يرحمُ ولا يقتل ” علينا أن نجّربَها فنحياها عندما يُسيءُ إلينا أحدُهم ، أو يُهيننا أو حتى يُعادينا. هكذا نكتشف عمق المحبة ونختبر قوتها في ممارسة السماح ، وفي بادرة الخدمة والأكرام، أى هذا الدرب الذي سلكه يسوع وطالب به مختاريه وقديسيه. الرحمة تقتضي الحب والغفران ولاسيما الأهتداء الى الروح الذي ينعشنا ويقدسنا

تعّوَدنا على أن ندين الآخرين ونفَّسرَ سلبيا سلوكهم. والرَّبُ يدعونا الى أن ندين ذواتنا قبل غيرنا (متى7: 5)، ونرى الآخر أفضل منا (في2: 3)، ونسمع كلامه ونتوب عن سيّئاتنا ونعود اليه ليرحمنا. لأنه لا يوجد في العالم ” لا أمانٌ ولا رحمة ولا معرفة الله”، بل تسود بعكس ذلك ” اللعنة والغدر والقتل والسرقة والفسق.. وقد تجاوزت كلَّ حد” (هوشع4: 1-3). العالم مملوءٌ بـ” الذبائح ” ويحتاج الى فتح آفاق حياته ، قلبا وفكرا، لروح الله ، روح المحبة والرحمة، فتتجدَّد في المؤمنين صورة الله ويتحولَّوا الى صورة مجد الله ويشُّعونها في العالم (2كور3: 18).  عندها فقط يكون التلميذ قد إفتهم معنى الآية :” يريد الله الرحمة أكثر من الذبيحة “

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO