الأحـد الأول للكنيسة

الأحـد الأول للكنيسة

             2015.11.01

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى16: 13-19 >::- ويتحَّدثُ عن سؤال يسوع ما هي نظرة الناس اليه فيجيبونه بانه نبي : ايليا، ارميا، يوحنا المعمدان أو غيرهم قد عاد الى الحياة. ثم سأل الرسل أنفسهم وما رأيهم هم عنه؟. هنا يأخذ بطرس القيادة ويقول بآسمهم: أنت المسيح ، الأبن الذي وعد الله أن يرسله لهم، والذي خطَّت النبوءات عبر التأريخ صورته ورسمتها في أذهان الناس. فيرُّدُ عليه يسوع بأنَّ جوابه لم يكن من عنده بل الله هو الذي أوحى به إليه. وهذه إشارةُ إلى إختياره ليخلف يسوع في قيادة الشعب الجديد التي سيتكون على يد يسوع ، كما خلف يشوع بن نون موسى في قيادة الشعب الأول ، بإضافة إمتياز أنه لن يخطأ في عمله ، لأنَّ الله معه وسيعمل من خلاله

وأنتم من تقولون أّني هو  ؟

لما سأل يسوع الرسل عن رأي الناس فيه نقلوا له آراء الناس. أما عن رأيهم فلم يزيحوا الستار. فأبى يسوع إلا أن يفصحوا عن رأيهم. لأنه يهمه رأيهم أكثر من رأي الناس. هل في رأيهم أيضا أنه ” واحد من الأنبياء “؟. يهمه موقفهم منه لأنه صار يعيش معهم أكثر من سنتين. عرفوا عنه ورأوا فيه ما لم يحصل لغيرهم. أن يكون نبيا فقط ماذا يعني؟. النبي هو من يتلقى الوحي من الله وينقله بدوره الى الآخرين. أما ليسوع فيوجد ميزة مختلفة عن كل الأنبياء. إنه عادل وحقاني لكنه لا يستعمل العنف والصرامة مثل إيليا أو إرميا. إنه يجري المعجزات ويقيم الموتى مثل ايليا واليشع ولكنه يفتح عيون العميان ويطرد الشياطين و لاسيما يقرأ أفكار الناس وما في قلوبهم ويُفَّسر الشريعة بطريقة مغايرة. فيسوع يريد معرفة لا فقط رأيهم بل مدى تعَّلقهم به شخصيا!. يريد يسوع أن يعرفَ مدى عمق تغلغل تعليمه الى فكرهم ومدى قوة تأثيرحياته وسلوكه في نفوسهم، ولاسيما مدى إحساسِهم بعظمةِ و حرارة محبته لهم وبالمقابل أصالة محَّبتهم له

إنحرجَ الرسل بهذا السؤال الذي يضعهم على حَّد السكين في العلاقة معه. وربما ترَّددوا في الجواب على سؤاله. لكن عفوية بطرس وقوة علاقته بالمعَّلم أنقذتهم في اللحظة القاتمة. لقد خطر في باله مثل البرق كلامُ أندراوس عندما نقل اليه البشرى بعد لقائه الأول مع يسوع و قال” وجدنا المسيح” (يو1: 41). لكنهم مرُّوا معه في خبرات إجتماعية لم تشَّجعهم كثيرا على الثبات على هذا الرأي. يعرفون أن المسيح يكون ملكًا يُخضع العالم كله لسلطانه للأبد. يعرفون أنَّ المسيح يتمَّجد ويسوع يُخبر عن أنه يجب أن يتألم ويُقتل ويرفض بطرس ذلك (متى16: 21)!. ولم يروا إلى الآن بادرة أو حتى كلاما يُحَّققُ هذا الحلم. لكن بطرس لم يسمح لهواجسه أن تتفوَقَ على إيمانه. فلم ينتظر ماذا يقول عقله البشري. بل اتَّكلَ على الله وأعلن أنهم يعتبرونه المسيح المنتظر. و لمَّا قال أنه :” المسيح إبنُ الله الحي” ، مَّيزَه عن الأنبياء ورفعه عن مستواهم. الأنبياء كانوا ” رُسُلا” فقط لكلام الله. أما يسوع فهو ” إبن الله ” ، كلامه الحي المتجَّسد. علاقة الأبن هي أسمى علاقة ممكن أن توجد في الحياة. لأنَّ الأبن من ذات أبيه ومن طبيعتِه يشترك في حياتِه وخيراتِه. وربما أراد يسوع بهذا الأختبار أن يزعزع ريبَتَهم من جهة ويبيد شكوكهم ، ومن أخرى أنْ يُثَّبت إيمانهم

أبواب الجحيم لن تقوَى عليها  

أصبح إعلان بطرس هذا عن إيمانه أساسا للشعب الذي سيشكله يسوع. سيكون قاعدة للشعب المسيحي، للكنيسة التي يبنيها يسوع على شخص بطرس صاحب الأيمان المستقيم. لأنه لم يكن كلامه ثمرة تفكيره وآستنتاجه بل إنعكاسًا لشعاع ثقته بما أوحاه الله إليه ، فلم يتردَّد في إعلانه. دعاه يسوع ولم يقُل له سوف لن تخطأ وحدَكَ بعد الآن في إعلان الأيمان الحق المستقيم،لأنك تخضع للوحي وتنقله حرفيا. بل قال أن الكنيسة التي يبنيها على صخرة إيمانه المسنود من الله ” لن تقوى عليها أبواب الجحيم “. قوى ابليس وأعوانه ، قوى الشر والضلال والفساد ، لن تتمكَّن من إغراء بطرس وزعزعة إيمانه. لقد أكد يسوع أنه صَّلى من أجله ، وليس من أجل جميع الرسل ، كي لا يفقدَ إيمانه (لو22: 32)

لكن بطرس سيموت (يو21: 19). أما الكنيسة، المؤمنون بالمسيح والمتحدون به كالأعضاء بالرأس(1كور12: 27؛ اف1: 22)، فهؤلاء سوف لن ينقرضوا. سيكون مؤمنون الى نهاية العالم وهم جسد المسيح السري. هذه الجماعة، هذه الكنيسة، لن تخيبَ آمالها أبدا ولن تخاف أن تخطأ يوما ما في إيمانها لأن المسيح ضمن لها العصمة في شخص رئيسها بطرس ومن يخلف بطرس في إدارة الكنيسة. فبطرس حتى لو مات في شخصه ، لكنه حَّيٌ في وظيفتِه. ونظام المسيح لكنيسته يتواصل الى نهاية العالم لأن المسيح مع كنيسته ، وهو يقيمُ بطرسَ جديدًا في شخص رئيس الكنيسة ليضمن عصمة الكنيسة في إعلان حقيقة الأيمان ، عبر الأجيال ، دون أن تخطأ

ومع العصمة والأولية لرئيس الكنيسة أفصح يسوع عن أنَّ تلك نعمة يهبها له ليستطيع أن يُدَّبر شؤون الكنيسة ويضمن الحق فلا يقلق المؤمنون بل يعيشوا بثقةٍ وأمان ما دام يسوع يؤيد ويختم كلَّ الأجراءات الأيمانية والأدارية التي يتخّذُها رئيس الكنيسة. لم يدع يسوع كنيسته فريسة أعاصير الشر والضلال. بل أكَّد أنه يُبارك كل إجراءٍ رسمي من حَّلٍ أو ربط حتى يُطمئن المؤمنين. وهذا يعني أنه لن يسمح أن يسقط رئيس الكنيسة ، وهو في منصبه ، في أخطاءٍ ايمانية تُبعدهم عن الله والخلاص

ومهم هنا أن نتذَّكر أنَّ هذا الأمتياز لم يُعطَ لكل الرسل ، بل لبطرس رئيس الكنيسة وحدَه. سوف يُضيف يسوع ويؤكد أنَّ الكنيسة ليست بطرس وحده. بطرس له رفاق في الدعوة وفي الجهاد هم بقية الرسل. سوف يكونون هم ايضا مع بطرس وبضمانه، ما داموا في الشركةِ معه، معصومين، إنما لا خارجًا عنه ولا مفصولين عنه أو مقاومين له. وقد إفتهمها الرسل ولم يعترضوا عليها لأنَّ تلك مشيئة الرب (أع15: 7). وهل يعترضون على الرب؟. وسوف يؤكد يسوع هذا بعد قيامته عند ما يقول لبطرس ثلاث مرّات، أمام بقية رفاقه ،”هل تحَّبُني أكثر مما يُحَّبني هؤلاء ” (بقية الرسل) ، ويرُّدُ بطرس بـ “نعم أنت تعلم كلَّ شيء ” يؤكد له يسوع رعاية الكنيسة جمعاء، دون تقليص أو تمييز أو إستثناءِ مجموعةٍ ما ، بقوله ” إرعَ حملاني .. إرعَ نعاجي .. إرعَ خرافي ” (يو21: 15-17). هذا الأمتياز ليس مثل إمتياز البشر للتباهي والنفع المادي والتسَّلط على الآخرين بل لخدمة الآخرين :” الكبير فيكم فليكن لكم خادما ” (متى20: 26)

من يرفضكم يرفضني  ! لو10: 16

هنا يطرح السؤال نفسه : كيف نفهم هذا والكنيسة اليوم منقسمةٌ ولا تخضع جماعات كثيرة لسلطة رئيس الكنيسة ، ويدعون لا فقط أنهم كنيسة المسيح بل ويُكَّفرون رئيس الكنيسة وقد تبنوا حتى تعاليم مناهضة ومتناقضة مع الأنجيل ؟. لا نقدر أن نفهم الأنجيل إلا كما هو مكتوب ، وكما شهد التأريخ عليه. كنيسة المسيح تعَّرضت من البداية لمقاومة رافضيها من اليهود او من الوثنيين. ولا تزالُ محاربتُها مستمرة و تتعَّرض للأضطهاد. مقاومتها لا تعني أنها مخطئة في تفسير الأنجيل بل تُشَّجع أكثر من عزيمتها. لأنَّ إضطهادَها دليل على أنها على حَّق. ظهرت بدرة الإنقسام في كنيسة كورنثية والتحَّزب لتلاميذ معَّينين. لكن بولس لم يتوانَ في التنديد به، وفي الأعلان عن أنَّ ذلك فكر بشري محض وحكمة إنسانية ضد روح المسيح الذي لا ينقسم حتى ولا الى إثنين (1كور1: 11-13؛ 2: 1-4). وشَّددَ على أننا مدعوون الى إتباع المسيح ، لا الى جمع مريدين لأنفسنا وتشكيل كنائس بشرية ضد إرادة المسيح ، بل أن نعمل مع الله

القس بـول  ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO