الأحد الثاني لموسى

الأحد الثاني لموسى 

 2015.10.25

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 8: 40-56 >::- ويقُّصُ علينا خبر شفاء المرأة المنزوفة و إحـياء إبنة يائير. المرأة المنزوفة صرفت أموالها على الأطباء والحكماء ولا أحد أستطاع أن يشفيَها. وكذلك الفتاة ذي الأثني عشر ربيعًا لم تقوَ لا القوة البشرية ولا العاطفة ولا الحيلة أن تُنقِذَها من براثن الموت و تتغَّلبَ عليه. ولكن ما لم يقوَ عليه البشر قدر عليه يسوع المسيح. لأنه هو ” الله” ؛ ” الناس لا يستطيعون. وأما الله فإنه على كل شيءٍ قدير”(متى19: 25

من لمَسَــني  ؟

بينما أرادت المرأة المنزوفة أن تختفيَ عن الأنظار وتلمس يسوع دون أن يشعر بها أحد ، حتى ولا يسوع نفسُه، لأنها لم تلمس جسمه بل فقط ” هُدبَ ردائِه” ، بادرَ يسوعُ الى كشف الخبر للجموع التي كانت ترافقه بكثرة حتى كانت تزاحمُه. ربما عرفَ يسوع أنَّ المنزوفة كانت تقتربُ منه في زحمة التدافع وعلم خبرها حتى قبل أن تلمس طرف ردائِه. تماما كما عرف نثنائيل وهو لم يلتق به من قبلُ بل رآه فقط عن بعد (يو1: 47-48). وتماما أيضا كما إكتشفَ ما في خاطر بطرس قبل أن يتكلم عن ضريبة الرأس المطلوبة منه (متى17: 24-25). كان ، كما قال الأنجيل، يعرف ” جميع الناس ولا يحتاجُ الى من يُخبره عن أحد. فقد كان يعلمُ ما في داخل الأنسان “(يو2: 24-25)

طلب يسوع من الذي لمسه أن يكشفَ نفسَه. لا ليحاكمَه ويُعاقبَه. بل لكشفَ أعمال الله وإذكاء إيمان الجموع التي تتبعه دون وعي ولا هدف. أراد بذلك أن يُعَّلمَ أتباعَه وتلاميذَه بأنَّ الأيمان ليس بالتجمهر حوله والتظاهر بوفائهم له ، بل بالأيمان به ، بالتفاعل معه ، بالثقة به وبتطبيق تعليمه. لقد سبقَ وأعلن: ” إسألوا تُعطوا ، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتح لكم”(متى 7 :7). مع ذلك قليلون جدا الذين آمنوا به. وحتى بين من آمن به كان البعض يخافُ أن يُجاهرَ و يعترف علنا بايمانه (يو9: 22). كانوا يتبعون القطيع العام ولم يشاؤوا أن يشذوا عن القاعدة ولم يهتموا في أين هو الحق ولا في ماذا عليهم أن يفعلوا. أما المنزوفة فلم تخَفْ بقدر ما إستحت من حالتها ولم ترد فضح نفسها لأنها نجسة بسبب نزفها الدائم للدم. وكي لا تتحمل تبعية ذلك من عزلةٍ وتطهير أخفت أمرها مؤمنة بأنَّ يسوع يعرفها لأنها في فكره ، وسيشفيها لأنها في قلبه. وقد مدحَ يسوع إيمانها العظيم ،:” إيمانك أبرأكِ” (آية 48). هي لمست طرف ردائه ، ورحمته لمست جرحَها فآلتأمَ. إيمانها دفعها لتخترق زحمة المرافقين ، وحُّبه أعلنها نموذجا للمؤمنين

لما طلب يسوع كشف المنزوفة عن هويتها لم يكن ليتعرف عليها. بل كان يعرفها جيدا. لكنه كشف قربَ تلك المرأة البسيطة من الله. وأظهرَ كم أنَّ هذا القربَ منه هو غنى وبركة و راحة وهناء. الله مصدر حياة الأنسان وراحته. والقرب من الله لم يكن بالألتفاف حسّيًا حوله والألتصاق به، بل بتوجيه الفكر والقلب نحوه. أموال المنزوفة لم تنفع ولم تنجح في شفائها. وحكمة الأطباء لم تفلح لأغاثتها. طرف رداء يسوع ، ملموسًا عن كثب وبإيمان، حَّققَ حلم المريضة ، لأن ذلك الرداء كان يرتديه إبن الله. فالأيمان بالله نعمة والقرب منه نعمةٌ فوق نعمة (يو1: 16)

وبالمقابل ليس البعدُ عن الله دوما في الألحاد أو في عدم الألتزام بالشريعة. قد يكون الواحدُ أقربَ الناس الى الله علمًا وألصقَ به تطبيقا للشريعة لكنه أبعدُ واحد عنه في فكره وقلبه. هذا الذي رصده اشعيا وأخبر عنه قائلا : ” هذا الشعبُ يُكرمني بشفتيه. وأما قلبه فبعيد مني. يعبدونني بالباطل، وليس ما يُعلمون من المذاهب سوى أحكام بشرية ” (اش29: 13؛ متى 15: 8-9). وهذا ما قاله عنهم يسوع : ” أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي” (يو8: 19). هكذا تجَمهَرَ الفضوليون حول يسوع وزاحموه بأجسادهم ، أما فكرهم وقلبهم فمن يدري أين كان تائها ولماذا كان يخطط ؟. وقد أشتهر عن الفرّيسيين والكتبة أنهم كانوا يراقبون يسوع ليسجّلوا عليه زلَّةً أو هفوة ، أو يُحرجوه بكلمة فيصطادوه ويُوقعوا به (متى 22: 15؛ لو11 : 53-54؛ يو7: 6).  

يكفي أن تؤمن  

لقد دخلت المنزوفة خطَّ الأحداث كمتطفلٍ يستغل الفرصة السانحة لمنفعته. أما بطل الحدث فكان يائير، رئيس مجمع كفرناحوم، الذي قصد يسوع وتوَّسل اليه أن يشفيَ أبنته المشرفة على الموت. كان يائير رئيس المجمع ، أي لا فقط مؤمنا بالله بل وكاهنا يقودُ العبادة ويُنوّرُ إيمان الشعب. لا يبدو أنه قد آمن بأن يسوع هو المسيح إبنُ الله الحَّي لذا سأله أن يشفيَ إبنته . لم يؤمن به أحد من الرؤساء أو الفريسيين (يو7: 48). ربما آمن يائير به نبّيًا ، وشَّكَ أن يكون هو المسيح. إنما الأكيد أنه قد سمع بقوة يسوع العجيبة على شفاء كل أنواع الأمراض. وربما كان هو أحد الأعيان الذين أوفدهم قائد المائة الى يسوع فتشّفعوا له ليشفيَ عبده (لو7: 1-5). وأهمُ من ذلك هو أنَّ إبنتَه الوحيدة ، فلذة كبده وأمله الجميل في تخليد اسمِه ، مريضة  تصارعُ الموت. لقد أحترق قلبُه وبدأت آماله في الحياة تتلاشى. ومن أجل إنقاذ حياتها يؤمن بكل شيء ويفعل كلَّ شيء. ويسوع قادر على شفائها ، ومن يدري ربما يكون هو المسيح. هذه المعطيات بالإضافة الى ايمانه بالله دفعته الى سؤال يسوع أن يُنقذ هذه البارقة من الأمل في الحياة. و فعلا لما جاءَ رسول من بيته يُخبرُ :” ماتت ابنتك فلا تكَّلف المعلم” كاد ايمانه ينهارُ، لولا أنَّ يسوع شجَّعه على البقاء في خط الأيمان. لاسيما وسبق فعاينَ يائير ماذا أثمر ايمان المنزوفة  وكيف مدحه يسوع. فتعَّلقَ بهذا القش الأخير. ولم يغرق بل نال أيضا دهشة عظيمة وتحَّقق ما حلم به.  وانتعشت من جديد آماله في الحياة.

إيمان قليل مثل حبة الخردل الصغيرة (لو17: 6) كبر بسبب رغبةٍ في الحياة الزمنية. وكم معجزة حصلت استجابة لأيمان المحتاجين الذين يُصَّلون ويسألون حماية حياتهم من شر الموت المحدق بهم. ربما لم يكن لهم، كما لم يكن ليائير، إيمانٌ عظيمٌ ينقل الجبال. ولكن كان لهم كما كان ليائير أساسٌ جيّدٌ ومتين عليه بنوا بَعده مسيرة حياتهم. الرب مدح إيمان المنزوفة وطلب من يائير أن يؤمن مثلها ، أي لا يشك في شخص المسيح ، بل يوَّسع آفاق حياته و يمددها على مساحات آفاق حياة الله نفسه. إنه مؤمن ، لكن إيمانه ضعيف يحتاج الى تقوية. لم يطلب الرب منه ايمانا عظيما. طلب منه فقط أن يستمر فيه ولا يميل عنه :” يكفي أن تؤمن “!. لا يُقاسُ الأيمان لا بحجمٍ ولا بوزن بل بقوته وثباته رغم أعاصير الشك التي تحاربه.

ونحن أيضا نؤمن. وقد تحاربُ ايمانَنا عواصفُ الإلحاد وتعاليم أهل العالم محاولة أن تُضعفَه بل وأن تستأصله. وقد يوسوس العدو لبعض منا :” أنت هالك لا محالة ولا ينفعك لا الأيمان ولا الصلاة. ولا حياة بعد الموت فماذا يجديك الصوم والصلاة والصدقة “؟. هذه تجربة تحاول قطع رجائنا وإلقائنا في بحر اليأس. لكن الرب ، القريب منا ، يقول لنا :” لا تيأس. يكفيك أن تؤمن. الموت لا ينال منك إلا إذا ألقيت أنت نفسك في أحضانة الأيمان سلاح قوي يهُّدُ الجبال ويملأ الوديان ليجعل طريق صاحبه مستقيمة مع طريق الرب (اش 40: 4-5؛ لو3: 4-5)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO