الأحــد الأول لمـوســى

الأحــد الأول لمـوســى

    2015.10.18

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 20: 1-16 >::- ويسرد علينا خبر العَّمال المُؤَّجَرين للعمل في ساعات متفاوتةٍ وتعادل أجرتهم رغم ذلك. ينتهي المثل بآعتراض عمال الساعة الأولى وآعتبارهم ذلك عدم عدل ومساواة، بينما ردَّ عليهم صاحب الكرم أنه لم يظلمهم، وأنه حُّرٌ ألا يتصَّرفَ مثل أهل العالم بل أن يكون كريما

لم يسـتأجِرْنا أحد 

تزدادُ البطالة يوما بعد يوم بسبب جشع الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الذين يصبون دوما إلى جنيِ أرباح طائلة ولا يرضون أن تقُّلَ أرباحُهم لأي سبب كان. وللحفاظ على مستوىً عالٍ من الربح يلجأون الى فصل عمال وتقليل الموظفين لتقليل المصاريف والإبقاء على توازن رقمي يقدر أن يتنافس مع أندادِهم في الأنتاج والأرباح. لا يستأجرون عمالا ولا يُشَّغلون البطالين لئلا يتفوَّق عليهم غيرهم، رغم أن الأموال مكَّدَسة في حساباتِهم. لايهُّمهم الآخرون. تهمهم فقط ” بطونهم وجيوبهم”(في3: 19)!. لهم إمكانية توظيف أموال هائلة و إقامة مشاريع تضمن العيش لمئات الأُلوف من الناس. لكنهم لا يفعلون ذلك لأنَّ ” الآخر” لايجد مكانة لا في فكرهم ولا في قلبهم. الآخر موجود فقط لتصريف منتوجاتهم ورفدهم بأموال جديدة

أما رَّبُ الكرم فلم يكن من هذا النوع. لا فقط لم يفصل أحدًا بل وبحث عن العُّمال”البطالين” بالذات ، الذين لم يستأجرهم أحد وينظر في أجندته ليجد لهم عملا ولو في زاوية ما من كرمه ، ويوَّضب ” لخاطرهم” أموالا جديدة حتى لو لم تكن مرصودة للعمل ، وتكلفه لذلك ربحًا أقل ، إنْ لم تدخله آنيا في دّوامةِ الخسارة

هذا هو الفرق بين الله والأنسان. حيث تقوقع الأنسانُ على أنانيته إنفتح الله على محَّبته فآهتم بجميع فئات الناس ولاسيما المغلوبين منهم على أمرهم. هذا ما نراه يحدث يوميا لاسيما في الأيام الأخيرة. فبينما تنازل حكام عديدون عن مواطنيهم ، بل وشَّردوهم في البؤس واليأس لا يهمهم مصيرَهم لأنهم لم يعرفوا الله، فتحت شعوب أخرى ” عرفت الله وتقَّوت بمحَّبته ” حدودها ومدنها وقلوبها للنازحين الهاربين من إرهاب حكامهم وبطش أقرانهم. يصرف الحكامُ المليارات ويدمرون بها بلدانهم وشعوبهم ويرفضون أن يصرفوا ولو” دينارا” واحدا لتعمير البلاد وتوفير عيش كريم لمواطنيهم

رأى الله هذا الوضع التعيس للأنسانية فتجَّسد لينقذ  المظلومين والمهَّمشين والمنبوذين الذين لا ” يستأجرُهم ” أحد لبناء البشرية. بحث الله عن العاطلين عن العمل في كرم الأنسانية ليوقظ الضمائر الميتة ويُنير العقول المظلمة ويضرم القلوب الجامدة ويُعيد للمحَّبة حَّقَها وكرامتها. فزرع المحبة في قلب تلاميذه وعمال كرمه ليولوا عنايتهم بجميع فئات الناس و خاصة الأحوج بينهم الى الخدمة. يبحث تلميذ المسيح مثل رب الكرم عن الناس المهمَلين و المهَّمشين ليدخلهم حديقة كرم الله ويُشعرهم بمحبة الله لهم وعنايته بهم

أ  تنظرُ إليَّ سوءًا لأني كريم 

كريم أو رحوم، لم يكن تصَّرفُ رَّبِ الكرم معتادا. بل كان شاذا في نظر المجتمع. وحتى الكتاب قال:” من لا يعمل لا يأكل ” (2تس3: 10). فكيف يأخُذُ أجرة متساوية من إشتغلَ ساعة واحدة مثل الذي إشتغل إثنتي عشرة ساعة؟. إنما الفرق كبيرٌ بين قول مار بولس و حقيقة المثل. يتحدث الرسول عمَّن ” يرفضُ أن يعمل”. يريد أن يعيش على أكتاف الناس. هذا أمر خاطيء. أما المثل فتحَّدَث عمَّن يرفضُ الناس أن يُشَّغلوه. أما هو فها هوفي الساحة جاهز للعمل. هنا يسلطُ الله الضوءَ على ضمير المؤمن به ليستيقظ. إن لم يعمل هذا الأنسان كيف يعيش وكيف تعيش أسرته؟. إن كانت له إرادة صالحة وآستعدادٌ للعمل لماذا لا يُشَّغله أصحاب الملايين بل يُفَّضلوا عليه ربحًا مادّيًا؟. أصحابُ المصالح لم يهتموا به. أما الله ، صاحب الكرم، فلأنه أحَّبه تحَّنن عليه وأبدى رحمته تجاهه فشَّغله. لم يختر المسيح عمال ملكوته من بين العظماء والفقهاء وذوي الشأن. بل إختار تلاميذه من بين الطبقة المنبوذة إما لفقرها وإما لخروجها عن مسار الشعب العام. إختار مِن بين مَن حسبهم الناس ” رعاعا و ملعونين” (يو7: 48) فلم يستأجرهم أحد. آختارهم وأعطاهم جاهًا وسلطانا مساويا لأولئك عظماء الناس بل وفائقًا عليهم بكثير. لأنه جاءَ يبحثُ عن : ” العمي والكسحان والبرص و الصم والفقراء والموتى “(متى11: 4). جاء ليريح ” المرهقين والمثقلين” (متى11: 28). جاء من أجل المرضى والخاطئين ، جاء ” ليَرحَمَ ” (متى 9: 13

أثار ذلك أنانية القادة وحفيظتهم فآستنكروا الأمر. لكن الأستنكار والأعتراض لم ينفعا. لأنه كشفَ زيف عدالة البشر ونفاقهم، مُجْليًا بالمقابل رحمته هو تعالى. الله أبٌ يرحمُ أولاده ويأبى أن يحرمهم ولو لقمة يوم واحد. حنانه لا يتحملُ أن ينام أبناؤُه على الجوع لأنه أبوهم ويُحبُّهم. لا يهمه كم يصرف، ولا كم يتألم ، ولا كم يُهان. يهمه أن يضمن لأبنائه الحياة التي حباهم بها فتدوم للأبد. إنه كريم، سخيٌ ورحوم. لا ينتظر من أبنائه سوى أن يستعدوا و يطلبوا منه العمل في كرمه. لا ينتظر منهم سوى أن يثقوا به ويستجيبوا لما يطلبه منهم. ولا يريد لهم سوى أن يرتاحوا نفسيا ويفرحوا ويتنعموا بخيراته

لا يريدُ الله أن يعيش أبناؤُه على أكتاف الناس ولا أن يقطفوا كرم غيرهم. لكنه يطلب منهم أن يجتهدوا و أيضا أن يقتنعوا. وبالمقابل لا يظلمُ أحدًا حتى المناوئين له. يعطي كل واحد ما يحق له (آية 13). ليس الله مَن يظلم خلائقَه، بل البشر يظلمون بعضهم بآتباع شهوة الأنانية على حساب المحبة والرحمة. ليس الله مَن يلزمه أن يتعَّلم من الناس ما هو حَّقٌ وعدلٌ. بل على البشر أن يتعلموا من خالقهم فيُمَّيزوا الحق والعدل ويمارسوه بجّد عوضًا عن أن ينتقدوا الله أو “يُسـيئوا فهمَه” (آية 15). على البشر أن يلتزموا بمقاييس الله لا أن يقيموا لأنفسهم مقاييس الغش والخداع. وعليهم أن يفتحوا باب فكرهم وقلبهم للآخر فيتعاملوا معه بالمحبة والرحمة

الربُّ صالحٌ والى الأبد رحمته ! مز100: 5

بعد أقلَّ من شهرين ستُعلن الكنيسة سنة يوبيلية، تفتتحها يوم عيد الحبل بمريم بلا دنس أصلي ،8/ 12/ 2015، وتختمها في نهاية السنة الطقسية للسنة القادمة أى يوم عيد يسوع الملك، 20/ 11/ 2016، وتمارس خلالها نشاطات دينية وآجتماعية تعَّبر عن ايمانها برحمة اللـه ، وتلتمسُ تلك الرحمة للأنسانية ليسودَها السلام والوئام والإخاء والمحبة. لقد غلظت كثيرا رقاب الناس وقست قلوبهم(خر32: 9؛ 34: 9)، ولا تلينها ولا تُذَّوب جمودها إلا رحمة الله. تدعو الكنيسة أولادها، خلال هذه السنة، الى التأَّمل برحمةِ الله والثقة بها واللجوء اليها لا فقط عند ضيق شخصي بل أيضا لمداواة جروح البشرية المُصابة بألف مرض وألم

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO