الأحـد الثالث للصليب والسادس لإيليا

الأحـد الثالث للصليب والسادس لإيليا 

          2015.10.04

  عـيد مريم سُـلطانة الوردية المقدسـة

يُنلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 15: 21-39 >:- ويقُّص علينا خبر شفاء إبنة الكنعانية وشفاء مرضى كثيرين من علل مختلفة ، وينتهي بمعجزة تكثير الخبز الثانية وإشباع أربعة آلاف رجل عدا النساء والأطفال

دعي البنين أولا يشبعوا ! مر7: 27  

لنتأمَّلْ معا بعض جوانب خبر الكنعانية. بدأت الكنعانية تصرخ وراء يسوع طالبة أن يشفي إبنتها. إنها وثنية. يبدي يسوع تجاهها لا مبالاة. ولكن بسبب إلحاحها الزائد وصياحها إثرَهم يتدخل التلاميذ ويطلبون منه تلبية طلبها. فصرَّح يسوع لهم أنه لم يأتِ إلا من أجل ” الخراف الضالة ” من الشعب اليهودي

قد يستغربُ بعضُنا هذا الجواب. ألم يُصَّرح يسوع أيضا في أوقات أخرى أنَّ :” لي خرافًا  أخرى ليست من هذه الحظيرة (الشعب اليهودي). وتلك أيضا لا بُدَّ لي أن أقودَها.. فيكون هناك رعيةٌ واحدةٌ وراع ٍ واحد” ؟(يو10: 16-17). فماذا يعني أنه أتى” فقط لأجل الخراف الضالة من آلِ اسرائيل”؟. هل يعني بهذا أنه يرفضُ طلب الكنعانية ولا نيَّة َ له أن يستجيبَ لها؟. وهل يأتي أيضا في هذا السياق ما يُضيفه للمرأة قائلاً:” لا يَحسُنُ أن يُؤخذَ خبزُ البنين ويُلقى إلى جراءِ الكلاب”؟. إنها عبارة قاسية جدًا أن توصَفَ المرأةُ بكلبٍ وآبنتُها بجرو!. و مع ذلك سيستجيبُ فعلا لطلبها!. ماذا يقصد يسوع إذن؟. لابد أنْ وراءَ الكلام خبرٌ. خاصَّةً وأنَّ التلاميذ آنخرسوا ، في حين قبلت المرأة بأريحية مُذهلة جواب يسوع

نعرفُ أن الله إختار شعبه الخاص، لا لتكوين فئة متفوقة بالمعرفة ولا لتدريب جيش يقود الأمم بالسيف. بل إختاره قائلا : ” أنا الرَّبُ دعوتك في صدقٍ و.. جعلتُك عهدًا للشعوب، ونورًا لهدايةِ الأمم. لتفتحَ العيونَ العمياءَ، وتُخرجَ الأسرى من السجون، والجالسين في الظلمةِ من الحبوس”(اش42: 6-7). إنها رسالة إيمانية ، سلوك الحق والحب ، وُّكِل بها  اليهود. لم يُعطهم الرب إمتيازا إقتصاديا أو عسكريا. بل كلَّفهم بأن يؤمنوا به ويُحبوه ويسمعوا كلامه ، ليتعلم منهم بقية الشعوب وجودَ إلَـهٍ خالق يرعى الكون، يُقيتُ البشر و يحاسبُهم. لكن اليهود تاهوا بدورهم مثل خراف بلا راعٍ وزاغوا عن طريق الحق. فجاء يسوع يبحث عن الضالين أولا ليرُّدَهم الى سواء السبيل فيؤَّدوا رسالتهم تجاهَ إخوانهم الوثنيين

وعن الوثنيين نعرفُ أن اليهودَ نعتوهم بالكلاب. فهذا ما قاله المُزَّمرُ:” الكلاب يُحيطون بي. زمرةٌ من الأشرار يُحاصروني… أنقِذني من السيف يا رب، ومن أيدي هؤلاءِ الكلاب” ( مز22: 17، و 21). كانت الشعوب الوثنية هي التي تحيط بالشعب اليهودي وتُهَّدده وتسيءُ إليه. وكانت معتبرة دنسة تُنَّجسُ من يتعاطى معها. وقد أشار الى ذلك متى :” وإذا رجعوا من السوق لا يأكلون شيئًا إلا إذا غسلوه” ويغسلون أياديهم ايضا لأنها تكون قد تنجَّست بالأخذ والعطاء مع الوثنيين (متى15: 2-4). وحتى اليهود المتنَّصرون لاموا بطرس لأنه دخل بيت كورنيليوس الوثني(أع11: 2-3) المُعتبَر نجسًا. وربما الى هذا أشار الروح عندما قال لبطرس :” ما طهَّره الله لا تعتبرْه أنت نجسًا”!(أع10: 15)

جراءُ الكلاب تقتات من فتات أربابها  

وقد أشار مرقس بالحرف الى أنَّ المرأة الكنعانية كانت :” وثنيةً ترجِعُ الى أصل سوري فينيقي”(مر7: 26). ربما هذا كان سبب تدخل التلاميذ عند يسوع بأن يستجيبَ الى طلبها. لم يفعلوا ذلك محَّبة بل ليتخلصوا منها فقالوا :” إصرفها ، إنها تتبعنا بصياحها”. أما المرأة فقد إعترفت أنها ضالة لأنها لا تعرفُ الله. وأنها مؤمنة بأنَّ اليهود يتـفَّوقون عليها فضلا لأنهم يعرفون الله. فلهذا لم تستنكف ما نعتوها به هي وآبنتها. لم تتذَّمر ولم تتشَّكَ!. آمنت أنَّ الأنسان غيرالمؤمن بالله ليس أفضل من البهيمةِ. وقبلت فضل المؤمنين بالله حتى لو كانوا أشرارًا لأنهم يملكون نعمة لا يملكها الوثنيون، وبفضل تلك النعمة ومن فيضها ينالُ الوثنيُ أيضا حصَّته. إعترفت انَّ نور الحق والخلاص يُشرقُ من اليهود. وآمنت أنَّ هذا النور لا يسع اليهود أن يحصروه لأنفسهم ، بل يتحَّداهم ويشُّعُ، شاؤوا أم أبوا، الى الشعوب المحيطة بهم فيستنيروا به وينعموا بالحياة. لقد آمنت باَّن يسوع هو الله المخَّلص. لذا هتفت :” رحما سيَّدي”

ما أعظم ايمـانكِ 

كانت هذه الكلمات صفعة مؤلمة لتلاميذ يسوع وفشلا مُّـرًا لأنَّ ما آعتقدوه عن الوثنيين لم يكن صحيحًا. بينما كانت إكليلَ غار للمرأة الوثنية لأن الرَّب مدحَ إيمانها، معترفا بذلك ومعلنا أنها أفضل من يهود كثيرين لا يؤمنون بيسوع أنه المسيح المخَّلص. وشفى يسوع إبنتها لا بناءًا على وساطة التلاميذ بل بناءًا على جرأتها في إعلان إيمانها بكل تواضع، و في تقديم طلبها بثقة أنه لن يُخَّيبَها. وهي وثنية ثانية تنال رضى يسوع ومديحَه بعد قائد المائة الذي إعتذر ليسوع :” لستُ أهلا أن تدخل بيتي… ولكن قُلْ فقط كلمة ويبرأ عبدي”. وقد ردَّ عليه يسوع :” لم أجد مثلَ هذا الأيمان في أحدٍ من اسرائيل”(متى8: 8-10

لم يعمل اليهود شيئا لكسب الوثنيين الى الأيمان. في حين يحتاج الأيمان إلى مبَّشرين بالكلام ، ولاسيما الى شهودٍ يعيشون إيمانهم. وحتى لو كان الأيمان ” بالجنان يهدي الى البر، و الشهادة باللسان تهدي الى الخلاص” إلا إنه ” من السماع، والسماع هو من المناداةِ بكلام المسيح”(رم10: 10- 17). ولهذا جاءَ يسوع يرُّدُ الأمور الى طبيعتها ، فيبشر ويهَّذبَ و يُعيدَ اليهود الى الحقيقة التي ضَّيعوها حتى يشعوها في العالم. ولهذا إختارتلاميذه الأوائل كلهم من اليهود، ليُؤَّكدَ أن لهم ” التبني والمجد والعهود والشريعة والعبادة والمواعد والآباء ومنهم المسيح “(رم9: 4-5)، ويجب أن يُكمِلوا رسالتهم. ودَّربهم أن لا كلابَ ولا أسياد. بل البشرية كلها قطيع الله وخرافه الضالة وقد أتى يبحث عنها ويحملها على أكتافه ، يُعيدها الى ينابيع مياه الحياة الصافية. إنما لن يشرب منها إلا من آمن وقصدها بإرادته

كما ضل الوثنيون ضل أيضا غالبية اليهود. وكما جمع الرب في ابراهيم شعبا خاصًا هوذا الآن يجمع يسوع أيضا الأنسانية كلها في آدم، بالنسبة الى الضلال، وفي المسيح بالنسبة الى الخلاص. في آدم أخطأ الجميع ، الوثنيون واليهود، وفي المسيح نالوا الخلاص بالأيمان به (رم5: 18). آمن التلاميذ بيسوع وآمنت به الكنعانية فيحُّق لكليهما أن يتقاسما خلاص الله ، أب الكل. إنَّ الأيمان بالمسيح هو الذي أصبح الميزان والمحَك والقياس للحياة الحَّقة. فـ ” الحجر الذي رذله البنّاؤون ـ اليهود ـ وآمن به الوثنيون هو صار رأسَ الزاوية ” (متى21: 42) لبناء ملكوت الله على الأرض

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO