الأحــد الثاني للصليب/ الخامس لأيليا

الأحــد الثاني  للصليب/ الخامس لأيليا 

      2015.09.27

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 17: 14-27 >::- ويسرد علينا خبرَ شفاء يسوع لمصروع لم يقوَ الرسل على علاجه وتوبيخه لهم على قلةِ إيمانهم ، ثم إنباءُ يسوع مرة ثانية عن آلامه و موته وقيامته ، وأخيرا دفعُه الجزية للهيكل رغم أنها غير قانون

أما يؤَّدي معلمكم الدرهمين  ؟

لقد كثر في الأزمنة الأخيرة الحديثُ عن الجزية التي فرضها الأرهابيون ، وسبق ففرضها الأسلام في فترات مختلفة، وتعالت أصواتٌ عديدة تعترض وتدين و تستنكرُ وتتذمر، و طالت تأَّوهات حزينة وأليمة لأن الجزية شيءٌ مُخزٍ وضد المنطق، ولا يليقُ بحضارة اليوم. وأنا أُؤَّيدُ بأنها لا تليق بحضارة العصر. ولكن مع ذلك لنتأمل قليلا في هوية الجزية و أبعادها و ملابساتها

كلمة” الجزية ” ليست سوى “الضريبة” ، بشكل عام أو خاص. وحكومات دول العالم كله تعيش وتعمل على الضرائب. ولولاها لما آستطاعت الحكومات أن توفر الخدمات العامة أو تبني البنى التحتية. وبالتالي لم يكن بآستطاعة الشعوب أن تحيا في نظام وأمان. وحتى بالنسبة الى الكنيسة عاشت ولا تزال تعيش حتى يومنا هذا في نظام الضرائب. كانت سابقا تُدعى ضريبة ” الرأس ريشيثا ” تدفعها سنويا كل عائلة لمعيشة الأكليروس المسؤول عنها، و” اللمـة كِىويثا ” وهي بمثابة العشر من المواد الغذائية. أما اليوم فتدفعها بشكل ضريبة تستقطع من الراتب وتصرفها السلطة على كل حاجات الرعية. الحياة الأجتماعية تتطلب أنظمة تحمل كل المواطنين على المشاركة في تحمل جميع أعبائها. إنها مسؤولية كل فرد أن يخصص جزءًا من ماله ويضحي به من عامة الشعب. وليس ذلك مِنّيَّة بل واجبا لا مهرب منه

أما الوجه السلبي للضريبة فجاء نتيجة سوء إستعمال هذا النظام. إعترض يسوع على طلب جباة الضريبة لما طالبوه بها. لأن تلك الجزية كانت غير نظامية ومخالفة للشريعة. كانت تُستوفى من الغرباء لا من أبناء الشعب (آية 26). أو كانت تُستوفى بنسبة أعلى مما ينبغي فينظلم الشعب (لو19: 8). إستشهد البطريرك شمعون بر صباعى(+341م)، مع كوكبة من أساقفة وكهنة وكبار القوم ،لأنه رفض طلب شاه إيران شابور الثاني الذي طالبه بأن يجمع من المسيحيين ضريبة مضاعفة، مرتين أو ثلاثة، ليدفع خسارة الحرب أمام نصيبين. بينما عندما حكم الأسلام فرض على المسيحيين الجزية مقابل عدم مشاركتهم في الغزوات. إنهم لا يحاربون لكنهم يشتركون في توفير السلاح وقوت الجيش. أما في أزمنة السلم فكانوا عادة معفيين، أو يُغَّضُ الطرف عنهم. كانوا يشتركون في بناء أوطانهم، و كانوا بالأخص يحمون إيمانهم. إنما هذا لم يجنبهم غضب وجنون بعض القادة الذين أهانوهم وأذلوهم بآسم الجزية ، إذ إعتبروهم “غرباء”

إدفـع عنـي وعنـك 

قضية الجزية إذن أمر إداري لا إيماني، وتنظيم إجتماعي لا علاقة له بالله. لا بل يريد الله أن يستعمل الأنسان عقله ويُدَّبر أموره الدنيوية حتى تسهل له الحياة ويهنأ بها. ولما تآمرَ الفريسيون ضد يسوع وأرادوا أن يوقعوه في فخ “الخيانة ” إما للشريعة أو للأمبرطور، ردَّ عليهم جوابه المشهور :” لماذا تريدون إحراجي أيها المراؤون؟.. أدُّوا لقيصر ما لقيصر، و لله ما لله “(متى22: 18-21)

بهذين الحادثتين يُعَّلمنا يسوع كيف نتصرف بمنطق إزاءَ أحداث الحياة والأنظمة الأجتماعية . في ضريبة الهيكل أكَّد يسوع أنه ليس مُلزَمًا بدفعها. ولكنه لا يريد خلق البلبلة. لأنه إذا لم يدفعها سيثير شَّكًا بين الشعب. وهو في غنى عن ذلك. بينما إذا دفعها يُريح المسؤولين وقد يكسب ثقتهم. وبما أنه قادرٌ على دفعها فهو لا يتردد، ليضمن بذلك حريته وراحته في العمل . إعتبر المال وسيلة لأداء رسالته وليس سبيلا لإحقاق العدالةِ فقط. لم يهُّمه خسارة المال بقدر ما هَمَّـه نجاح رسالته. كما لم يكن عدلا أن يُصلب ويُقتل ، لكنه قبل بذلك لهدف أسمى هو دفع ديون خطايا الأنسانية ، وسحق قوة عدو الأنسان ، وضمان الحياة الأبدية لكل من يريدها ويطلبها. لم يحسب ذُّلـهُ وآلامَه و حياته خسارة بقدر ما تطلَّع الى ما هو أفضل، الى ربح الأنسانية  بتحريرها من الشر

أما في خبر دفع الجزية أم لا، فأراد أن يُعَّلمنا أنَّ الأمور الزمنية المادية لا تقاس بذاتها بل بهدفها وطرق إستعمالها. الجزية نظام إقتصادي مرتبط بدستور البلد وقادته. وكل سلطة بشرية هي من الله كما قال يسوع لبيلاطس (يو19: 10-11). وعليه خضع المسيحيون دوما للأنظمة المدنية حتى الأتعس منها كما شهد الرعيل الأول للمسيحيين بشهادة مار بطرس الذي قال : ” إخضعوا لكل نظام بشري من أجل ربنا. .. للسلطان الأكبر، وللحكام لأنَّ لهم التفويض منه أن يعاقبوا من يعمل السوء ويُثنوا على من يعمل الخير. لأنَّ مشيئة الله هي أن تُفحِموا بأعمالكم الصالحة جهالة الأغبياء” (1بط2: 13-15)

في خبر جزية الهيكل تحَّدثَ يسوع عن “عدم إثارة الشكوك” حيث قال” لا أريد أن نريبَهم”. أما في جزية الدولة فقال يسوع أن دفع الجزية، حتى لسلطان ظالم، لا يمنع المؤمنين من أن يعيشوا كأبناءَ لله في القداسةِ والبر. ظلم السلطان وشرُّه يؤلمان المؤمن ولكن لا يقويان على إبعاده عن الله إنْ كان ” حَّـقًا ” مؤمنًا. بل يستعمل خيراته للحفاظ على إيمانه وعيشه ونشره. وأضاف بطرس رؤية جديدة لدفع الجزية للحكام إذ فسَّر تلك الجزية علامة لأصالة المؤمن وحسن تصَّرفه، ودينونة للحاكم وآنتصارا عليه. لأنه حيث قصَّر الحاكم وظلم عرف المؤمن ألا لايتعَّلق بالمال بل يُضحي به  ليُنقذ النظام الذي يريده الله. لأنَّ الله ، كما قال بولس :” ليس إلَـهَ الفوضى، بل إلَـهُ السلام “. ولهذا تابع بولس حديثه مع الكورنثيين وقال: ” وليكن ـ بينكم ـ كل شيء بأدب ونظام ” (1كور 14: 32-40)

هكذا مهما كان مرًّا ومهينًا دفع الجزية في عصر حضارتنا إلا إنها ليست سوى وسيلة لتسوية الأمور بين البشر ولحماية الأيمان بالله ومحبته. فلا تستحّق كلَّ هذا الكم من تشَّكٍ وآعتراض كما تنقله الصحف إثارة للفتنة. وإذا أعاد الماضي نفسه وقام حُّكام يريدون فرض الجزية على المسيحيين فهل من مانع أن يستعمل المسيحي خيراته وأمواله ويدفع الجزية حفاظا على إيمانه، وخضوعا للنظام ، و إفحاما لجهالة الحاكم نفسه ؟. وقد يعترض البعض قائلين:” ولكن سيقتلونهم بعد سلبهم أموالهم”!. أ  لم يقتلوا المسيح أيضا رغم دفعه الجزية ؟. فإذا كان الأرهابي يعمل كلَّ ما بوسعه لتخويف المسيحي والتخلص منه فماذا ينفعه المال عندئذ أو حتى الحقوق والعدالة؟.  و بالمقابل أ  ليس مطلوبا من المسيحي أيضا أن يعمل كلَّ ما بوسعه لحماية إيمانه ولآظهار محبته لله وتعلقه به ؟. بينما لو دفع المؤمن الجزية فلا ذنب ولا لوم عليه حتى لو قتلوه لأنه يتشبه بالرب يسوع الذي سيستقبله في مجد السماء وسعادتها. أما إذا تمسَّك بالمال حتى بخسارة الأيمان فهل تنقذه أمواله؟. أ لم يقل الرب :” حذار وإيّاكم كل طمع. لأن حياة المرء، و إن أيسر، لا تضمنها أمواله ” ؟ (لو12: 15)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO